ڤيڤيان ماير: سيدة الحيوات المتعددة

أنت محظوظ إذا كانت عينك تلتقط الكنوز بسهولة. إذا كان وقودك فضولك. وطبعاً إذا صادفت في ٢٠٠٧م مزاد على مجموعة صناديق منسية في وحدة تخزين بشيكاغو الأمريكية.

جون معلوف حظه كبير، نعم. لأنه وبينما كان يمارس هوايته الأثيرة -حضور المزادات والبحث عن كنوزها- وجد مجموعة صناديق تحتوي على الآلاف من الصور والأفلام الغير مظهّّرة. لمن تعود هذه الصناديق؟ لسيدة اسمها ڤيڤيان ماير. وفوراً بحث جون عن اسمها في محركات البحث ولم تعد إليه أي نتيجة مفيدة. هل تجربون ذلك الآن وتخبروني أين يوصلكم البحث؟

من هي ڤيڤيان؟

نحن ممتنون طبعاً لجهود البحث وفضول جون معلوف الكبير الذي دفعه لجمع كلّ ما يمكن معرفته عن هذه السيدة. ويمكن اختصاره في السطور القليلة القادمة.

ڤيڤيان دوروثيا ماير ولدت في نيويورك في العام ١٩٢٦م وتوفيت في شيكاغو عام ٢٠٠٩م-هذا يعني أن الصور اكتشفت قبل وفاتها-. تعرفها المواقع الإلكترونية اليوم بأنها “مصورة شارع-Street Photographer” أمريكية. قضت معظم سنوات حياتها الأولى في فرنسا. وبعد عودتها للولايات المتحدة الأمريكية في أربعينات القرن الماضي بدأت رحلة أربعين عاما من العمل كمربية أطفال ومساعدة منزلية. قضت سنوات عملها بين شيكاغو، نيويورك، لوس أنجليس وسافرت حول العالم وزارت آسيا وأمريكا الجنوبية، اليمن، مصر وغيرها. التقطت حوالي ١٥٠ ألف صورة للناس والمباني والشوارع الأمريكية.

لم تُكتشف أعمال ماير حتى وفاتها وذلك بعد عثور جون معلوف على صناديقها ونشره للصور في مدونة الكترونية خاصة. ثمّ تبع ذلك حملة اهتمام كبيرة نقلت أعمالها حول العالم وأقامت المعارض الخاصة لذلك.

vlcsnap-2014-11-16-21h41m43s211

النقطة المهمة التي يجب ألا تغيب عن ذهنكم: ڤيڤيان خبأت كل أعمالها في صناديق وحافظت على سرية هوايتها، على الرغم من أن أفراد جميع الأسر التي عملت لديها ماير كانوا يتذكرون تفاصيل حملها للكاميرا وتصوير حياة الشارع الأمريكي كلما سمحت لها الفرصة بذلك.

إذا كنت سأستخدم قدراتي المحدودة في الوصف الفنّي لأعمال ماير فسأقول بأنها مصورة رائعة وعينها مذهلة! لديها زوايا لم أشاهدها من قبل ومواضيع تصويرها كذلك. جريئة وقريبة من شخصياتها كأن العدسة غائبة عنهم. كل ما كان لديّ خلال السنتين الماضية عدة مواقع نشرت أعمالها ومقالات صحف أجنبية وشهادات ممن اطلعوا على صورها في المعارض أو الكتب. ولكن كان هناك وثائقي منتظر بحماس! وهو الذي قام بإخراجه والعمل عليه جون معلوف نفسه. عُرض بصورة محدودة في دور السينما ثمّ جدته متوفراً للإيجار والمشاهدة على iTunes. لكنني لم أشاهده وسبقه في القائمة فيلم من إنتاج بي بي سي وتقديم آلان ينتوب. “ڤيفيان ماير: المربية التي التقطت الصور” هذا هو عنوان الوثائقي ويمكنكم مشاهدته هنا على يوتوب:

في وثائقي بي بي سي نظرة شاملة على حياة ماير، وتحدث كذلك عن جون معلوف وكنزه وعن الآخرين الذين حصلوا على صور لماير ويرفضون بيعها أو التفريط بها. أيضا أغلب الشهادات تضع جون معلوف في مكان نقد، نقد لاختياراته في النشر، نقد لبيعه لأعمالها واحتفاظه بحقوقه وغير ذلك. الطريف في الأمر أن جون معلوف رفض الظهور في وثائقي بي بي سي وربما لأنه كان بصدد إصدار وثائقي خاصّ به. وجدت في هذا الوثائقي رؤية أوسع على الأعمال وابتعاد نسبي عن حياة المربية الشخصية والأجمل من هذا أنّ الوثائقيات لا تتقاطع كثيراً وستوفر لكم رؤية مميزة عنها. وفي الحقيقة: كلّ شيء تريدون معرفته عن ڤيڤيان لن يغير نظرتكم تجاه صورها، هذا على الأقل ما وصلت إليه بعد انتهاء المشاهدة.

“اكتشاف ڤيڤيان ماير”

MV5BMTcyODk4NzU5OV5BMl5BanBnXkFtZTgwMjE4OTk2MDE@._V1_SX640_SY720_

هذا هو عنوان وثائقي جون معلوف عن ڤيڤيان. صور فيه قصة اكتشافه للصناديق وبدء البحث عن ڤيڤيان وقصتها. في الوثائقي شهادات كثيرة وصور وتسجيلات صوتية وتسجيلات فيديو لڤيڤيان. كانت هناك شهادات إيجابية وأخرى سلبية مثيرة للاهتمام. كان في الوثائقي تفاصيل من حياتها: ملابسها التي تحبّ، طريقة مشيها، روتينها اليومي ونوع كاميرتها وانغماسها في العزلة والصمت وتكتمها على ماضيها ومن أين جاءت. شعرت بأنّ فضول جون معلوف تجاوز الحدّ المعقول أحيانا، لكن ربما لو كنت امتلكت مثل هذا الكنز سأبحث عن قصة، أيّ قصة. الوثائقي للأسف لم يوضع على يوتوب ولكن وجدته هنا ويمكنكم تحميله بواسطة التورنت.

أنا وڤيڤيان

60-259

أحبّ التصوير!

سأضع هذه الحقيقة في البدء قبل أن أتحدث عن الأثر الذي تركته صور ڤيڤيان في نفسي منذ اللحظة الأولى. صورها ومع أنها تشترك مع عدة مصورين آخرين في أجواءها إلا أنها تحتفظ بطابعها الخاصّ ملونة كانت أم أحادية. بعد صور ماير تغيرت نظرتي للعدسة، للحياة في الخارج وللتصوير بشكل عام. أصبح تصوير الشارع هاجسي الجديد، وأن أتقن التقاط الصور بهذه الطريقة حلمي الحالي!

ولكن كان سؤال مهم يشغل ذهني منذ معرفتي بقصتها: لماذا اختارت ماير إخفاء هذا الكنز؟ هل كانت تعول على فضول أحد البشر. هل وصلت لمرتبة عظيمة من الاستمتاع بهوايتها دون الاهتمام لرأي الآخرين فيها؟ أفكر في حبّ الهواية والمتعة التي وصلت إليها لتقرر أن كل هذا لها وحدها. كم صورة نلتقط بهواتفنا خلال العام؟ وكم صورة نشارك؟ هل كانت تحتاج لدفعة ثقة لنشرها؟ خاصة وأنها كانت لا تعبث بالتصوير! كانت تعلم نفسها وتجرب وتعمل بجهد لإيجاد مواضيع تصوير أكثر مما أثر على وظيفتها الأولى وعرض الأطفال معها للخطر. التفكير في كل هذا متعب. لكن لا شيء أكثر وضوحاً من أن أعمالها وثقت تاريخ الحياة الأمريكية على مدى ٤٠ عاماً. ڤيڤيان ماير لاحظت وسجلت واحتفظت بأرشيف إنساني ليس لأمريكا وحدها بل للعالم.

قيل عن ماير بأنها يسارية، اشتراكية، نسويّة، ناقدة فنية، صارمة، مضطربة.. بالنسبة لي وبعيداً عن كلّ القصص المجنونة التي سأعرفها عنها: إنسانه متفردة بعين سحرية، وصور ستأخذ وقتاً طويلاً لتأملها.

أتمنى أن تشاهدوا وتبحثوا عن إنتاج ماير ويثير بكم الدهشة ويغير نظرتكم للصور والتوثيق كما حدث معي. وبالتأكيد: أريد قراءة آراءكم حول الموضوع هنا في التدوينة.

إذا لم تكن هذه التدوينة كافية؟

هذه روابط لمقالات وآراء ومزيد من الصور اذا احببتم:

لقاء مع جون معلوف.

Vivian Maier: The Unheralded Street Photographer

Vivian Maier: Still Missing

” الفن الجميل لا يموت” -مقالة لهناء العمير في جريدة الرياض

«البحث عن فيفيان ماير» حيوات الآخرين النائمة في الصناديق- مقالة لإيمان حميدان في جريدة السفير

Vivian Maier and the Problem of Difficult Women

كُتب عن ڤيڤيان ماير:

Eye to Eye: Photographs by Vivian Maier

Vivian Maier: Self-Portraits

Vivian Maier: Out of the Shadows

Vivian Maier: Street Photographer

vlcsnap-2014-11-16-22h23m05s189

11 تعليقا على “ڤيڤيان ماير: سيدة الحيوات المتعددة”

  1. حقاً يثيرني الفضول حول تخبئة الصناديق و إحتفاظها بها ؟
    ربما كما تقولين ارادت ان تحتفظ بذلك لها وحدها !

    سعيدة جداً بكتابتك هنا هيفاء ، شكراً لك

    1. أهلا رهام،

      هناك احتمالات عديدة، لكن دائما سبحان الله النفس البشرية لا يمكن أن نفهمها تماماً. وخاصة اذا كان الشخص ميّت فكيف لنا أن نعرف الحقيقة الكاملة.
      وأنا سعيدة بقراءتك.

  2. مثير جداً يا هيفا ، لا أعلم حقا كيف نشكرك على كل هذا

    هل من سبيل إلى الحصول على فلم جون معلوف مترجما إلى العربية ؟

    1. للاسف ما حصلت على شيء من البحث.
      بس ممكن جداً يترجم قريب خصوصا وإنه من الوثائقيات الجديدة المميزة.
      اتمنى تجدين له ترجمة.

  3. It’s such an incredible visual art. she was definitely a gifted person!
    one thing was mentioned in the documentary that says:
    (probably a part of her success that she had a lot of alone time) and that I strongly agree with.

    Thank you so much Haifa for bringing this up, absolutely loved it.

    P.S
    sorry for writing in English coz don’t have an Arabic one 🙁

  4. شكراا على التدوينة الرائعة، جاري مشاهدة الوثائقي.. اكتشاف هذه المبدعة كنز أهداه لنا لمعلوف، أتساءل ان كان معلوف عربيا؟؟ ربما لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.