وداع مؤقت للعمل المستقل

Screen Shot 2016-04-11 at 11.08.41 AM

انتهى مارس وكأنّني احتفلت برأس السنة مع وداعه.

لا أدقق كثيرًا في أثر الشهور عليّ، ولا أتحمس بشكل مختلف لأيّ شهر سوى شهر رمضان المبارك وشهر أكتوبر (شهر ميلادي)، لكن مارس الماضي كان شهرًا مختلفًا، الشهر الذي توقفت فيه عن الدوران والركض المحموم. عملت في ثلاث وظائف مختلفة، وعلى عشرات المشاريع دون أن أعلم. عند إجراء الجردة الشهرية وأنا أجيب على أسئلة وضعتها لنفسي كي أقيّمها وجدت أنني أنجزت الكثير. ذهلت في الحقيقة وتمتمت: ما شاء الله يا هيفافي نهاية الشهر أيضًا قررت التوقف عن التشتت الذي سببته لنفسي وتوقيع عقد وظيفة رسمية بدوام كامل بعد انقطاع طويل. أحبّ العمل المستقل، وأجد فيه قضيتي الأولى والأهم.  عملت بشكل مستقل منذ تخرجي من الجامعة في العام ٢٠٠٤، وتنقلت بين الوظائف لأجد المرونة التي أنشدها، درّست وكتبت وترجمت لأحافظ على استقلاليتي ولأنقذ روحي من مقابر الإبداع المسمّاة مكاتب“. عندما تبدأ عملك المستقلّ كلّ شيء يشبه الربيع، لا وقت محددّ للعمل، اجتماعات عن بُعد بمكالمات هاتفية أو عبر المحادثات النصية على الإنترنت. رسائل بريد إلكتروني سريعة، ومكتبك يمكن أن يكون سريرك ببساطة. ما لا يقوله لك المادحون لهذا النوع من العمل بالتحديد هو الدراما المصاحبة والفوضى التي ستقع فيها إذا لم تنتبه لنفسك.

بدأت بحماس وقسّمت الأسبوع بين أعمالي المختلفة، ووضعت الجمعة والسبت كمنطقة محظورة. لا عمل في نهاية الأسبوع، لأركز على الزيارات العائلية والقراءة وهواياتي الأخرى. مضى الشهر الأول بسلاسة وشعرت بأنّ المزيد من المشاريع ستكون فرصة جيدة للحصول على مبلغ إضافي من المال، والسفر والتسوق. قابلت العروض المختلفة بالموافقة ثم بدأت الخطوط بالتشابك. أنجز العمل خلال الوقت المحددّ بلا مشكلات، لكنني تدريجيًا أصبحت بلا حياة. مثل ماكينة لا تتوقف عن الدوران، أكتب، أترجم، أصمم، أحضر الاجتماعات وأوافق على المزيد من المهامّ بلا تفكير. نهاية أسبوع؟ لم يعد هناك حدّ فاصل، الحد الفاصل كان انهياري التامّ من النعاس أو المرض. تأثرت مناعتي وصحتي، آكل أي شيء يوضع أمامي، أرتدي ملابسي كيفما اتفقّ.

علمت بأنني وصلت الحضيض عندما ذهبت في عطلتي السنوية المنتظرة ولم أتوقف عن العمل هناك، سرقت الوقت بين ساعات الصحو والإغماء للمشي بلا هدف في المجمّعات التجارية وتناول الطعام حتى التخمة. عدت من رحلتي وقررت أن كلّ هذا سيتوقف، وسأقبل بأول عرض وظيفي جيّد وفق شروطي التي ستكون:

  • المرونة في الحضور صباحًا.

  • الاستسلام للمزاج أحيانًا.

  • تغطية تأمين صحّي.

  • راتب بسقف مرتفع.

لماذا الشروط التي قد تبدو للبعض في الوهلة الأولى طفولية؟ يعاني الموظف المستقلّ من غياب تفاصيل الأمان كالتأمين الصحي والدخل الثابت، ومع أنه محسود على مرونة ساعات العمل لكنه معرض لشهور من القحط وغياب المشاريع.

أنا الآن في مكان جيّد يسمح لي بالتحدث إلى زملاء مهنتي السابقة –(العمل المستقل) وأذكرّهم بما يجب عليهم تذكره.

١اصنعوا جدولاً للعمل، مثل جدول الحصص في المدرسة ولا تتركوا المشاريع تطغى على بعضها.

٢نهاية الأسبوع منطقتكم المقدسة والمحظورة؛ لا عمل خلال نهاية الأسبوع كي تتمكنون من تأمل نجاحاتكم والنوم وترتيب الأسبوع المقبل.

٣ابحثوا عن جهات تستفيد من مهاراتكم وخبراتكم واعقدوا معها شراكات طويلة، هذه الشراكات ستساهم في تأمين دخلكم الشهري في حال لم تجدوا عميلاً أو مشروعا مناسبًا.

٤التنويع في نظام التسعير الخاصّ بكم فكرة صائبة، ألف مرة؛ هناك عميل مستعد للدفع بكرم ولن يعترض على المصروفات والطلبات الإضافية، وهناك عميل تحبون العمل معه لكنه لا يدفع الكثير، نظام التسعير المتفاوت حماية لكم.

٥لا تنسوا كتابة العقود بينكم وبين العملاء، حددوا شروطكم ومُدد العمل وموعد التسليم.

٦إذا كان عملكم يختص بالكتابة والتحرير مثلاً، حددوا مع العميل عدد مرات إعادة الكتابة والإضافة والتعديل، وأي تعديل بعد هذا العدد يتطلب رسمًا جديدًا أو مبلغًا إضافيًا.

٧تعرفوا على الموظفين المستقلّين في مجالكم، احضروا اجتماعات، احتفلوا معهم بالنجاحات واستفيدوا من بعضكم في العمل على مشاريع ضخمة واقتسام العائدات.

٨المبالغ التي تستلمها بشكل متقطع قد تعني ميلك للصرف غير الواعي، خصصوا حسابًا بنكيًا لعائدات عملكم أو سجلوا مصروفاتكم بالضبط بواسطة تطبيقات الهاتف الخاصة أو حتى بالورقة والقلم.

٩في فترات ازدهار العمل وفروا مبالغ مالية تدعمكم عند الرغبة في الانعزال والحصول على إجازة ممتدة.

١٠العمل المستقل مغامرة جميلة ومرعبة في نفس الوقت، أوصيكم بها في حالة واحدة فقط: إذا كانت السوق تحتاج موهبتكم النادرة، أو أنّ مجال عملكم مزدهر بحيث يمكنكم العمل مع أكثر من جهة.

هل سأعود للعمل المستقل؟

ربّما بعد فترة من الاستقرار الوظيفي، قد أجرّب مجالاً جديدًا أو مشروعًا يتيح لي العمل عن بعد. لا تتركوا نصائحي أعلاه تثير فيكم الرّعب أو التردد تجاه خوض التجربة، وإذا كانت وظيفتكم الحالية جيدة ولا تتطلب الكثير من الجهد ابدؤوا بالعمل على هواياتكم وتحويلها لمصدر للدخل تدريجيًا.

.

.

.

.

نُشر في نون

31 تعليقا على “وداع مؤقت للعمل المستقل”

  1. جميل جدًا
    بدأت العمل المستقل وأنا طالبة في الجامعة،
    لا أحتاج أن أقول لك عن كمية الفوضى التي أحدثتها في حياتي
    لكن مع الوقت والتعلم أصبح الأمر جميلًا ومسليًا أيضًا.

    1. افهم شعورك.
      لكن دائما أفكر، إذا العميل يقبل بهذه الدرجة من الجودة وغيره يفعل ذلك للبحث عن سعر أقلّ.
      لا استغرب كل ما يحدث.
      وأتمنى بحقّ أن تجدي الفرصة والعمل الذي يقدر كل جهودك في المستقبل القريب.

  2. جميلة جدا فكرة العمل المستقل شكرا على ذكر تجربتك
    احببت التدوينة ولكني افضل العمل براتب ثابت
    لما فيه من التزام اكثر

    1. كلنا نحبّ العمل بدخل ثابت، لكن المشكلة تحدث عندما تكتشف أن عملك الآمن لا يخدم شغفك والاشياد التي تحبّها.
      ومن هنا تأتي فكرة العمل المستقل.

  3. صحيح العمل المستقل مخاطرة كبيرة ، ويحتاج لإلتزام نفسي وترتيب يومي لكل المهام التي يجب انجازها
    وبالطبع وجود الشخص في نفس مكان نومه بالبيت يجعل التنظيم والترتيب يذهب مع الريح بسرعة إن لم يكن حازم مع نفسه ومع طلبات من حوله ، فبالنسبة لأفراد العائلة عمله في البيت وهو مدير عمله لذلك ستنهال الطلبات على رأسك إن لم تستطع رفضها بحزم .
    احببت التدوينة واتمنى لك التوفيق في وظيفتك الثابته 🙂

    1. العمل المستقلّ جهاد حقيقي، تنظيم وقت وحياة ومتطلبات اجتماعية.
      سعيدة أنني جرّبته وقد اجربه مجدداً، لكن الاستقرار الآن جميل.
      شكرا لك

  4. موضوع رائع ونصائح في الصميم. وصلت لبعضها بعد الكثير من الأخطاء.
    الوحيدة التي لا أستطيع الالتزام بها هي وقت الانعزال عن العمل. والإجازة..

    الله يوفقك في وظيفتك الجديدة ويكتب لك الخير كله

  5. حديث جميل يا هيفا ويمسنى بقوة حيث أعمل كمطورة مستقلة لتطبيقات الهواتف الذكية منذ 2014 بعد أن كرهت العمل بدوام كامل قبل ذلك التاريخ .. أدعو الكل لخوض التجربة مع أخذ نصائحك القيمة قيد الاعتبار .. وفقك الله

    1. ميزة التقنية إمكانية نقلها معنا في كلّ مكان، وكذلك العمل عليها ومن خلالها.
      أتمنى لك كل التوفيق

  6. اشكرك على مشاركتنا لتجربتك كل ما زرت مدونتك اخرج بالكثير من الفائدة
    لو ممكن انك تشرحيلي كيف اضيف كتاب في موقع (goodreads) كتاب مالو صفحة على الموقع باكون جدا شاكرة لك

    1. مرحبا عزيزتي،

      اعتذر على تأخري بالردّ.
      تحتاجين تكونين Librarian أو تواصلي مع شخص يحمل نفس الصلاحيات.

  7. مرحبا
    المدونة بديعة ، وأستغرب إكتشافي لهذه المدونة متأخرا ، تحديدا مع مقالة دليلك للعمل الحرّ .
    كنت أرغب التعليق حول الواقع الكئيب لتجربة العمل بصفة متعاقد مستقل في السعودية ، لكن فضلت متابعة بقية الأجزاء الأخرى ، متوقعا أن هناك أشخاص لديهم تجارب ناجحة وإيجابية ، ولذلك حديثهم متفائل للغاية ، ومن الأفضل تشجيع المبدعين على خوض هذه المغامرة الجميلة المرعبة كما ذكرت بدلا من ذكر السلبيات والعوائق.
    بصراحة أي شخص أطلع على تلك المقالة ، وتفاعل معها ، سوف يصيبه الإحباط عندما يطالع هذه المقالة الوداعية ، سوف يعتبرها نوعا من التنازل و الإستسلام عن متابعة تجربة مهنية واعدة.
    للأسف لا يوجد مواد قانونية في نظام العمل تضمن الحقوق ، وعند التعاقد لا يتم بشكل موثق كتابيا، التكليف والتعاقد يجري شفويا وبدون إلتزام من جانب الجهة الوظيفية تجاه هؤلاء الأشخاص. يتعاملون معهم بصفة مرتزقة وليس أصحاب موهبة ومهارات متخصصة ، وهذا واقع الحال ، والبيئة طاردة بشكل عام ولا يوجد نقابة أو إتحاد للكتاب المستقلين .
    من تجربة شخصية تعاملت مع صحف ومجلات ، ونادرا ما وجدت من يفهم أساسيات إدارة التحرير، شخص يمكنك التعلم والإستفادة من خبراته في هذا المجال ، إضافة إلى إستغلال واضح وخطير موجود في تلك المؤسسات التي يغلب عليها طابع الفساد والشللية.
    وأجد ماذكرت من مبررات للعودة إلى العمل بدوام كامل منطقية وواقعية ، ونصيحتي للجميع أن يستمر بالعمل في المجال الذي يحبه بدوام جزئي حتى يجد وظيفة الأحلام في شركة رائعة بمدينة جميلة.
    آخيرا ، أجد صعوبة في قراءة المقالات على الشاشة أفضل قراءة الكتاب المطبوع ، وأقترح عليك جمع هذه القصاصات المفيدة في كتاب ، وسوف أشتري أكثر من نسخة عند صدوره .

    بالتوفيق

    1. مرحبا حمود،

      اتفق معك حول واقع العمل المستقل، ما حصل معي فرصة رائعة وسأستمر بالعمل المستقل متى ما وجدت الاتزان من جديد.
      كانت رغبتي بالاستقلال كبيرة حتى فكرت بعمق في عرض العمل ووجدت أن تفويت هذه الفرصة سيكون خطأ فادح!
      شكراً على قراءتك ووصولك للمدونة، فكرة الكتاب بعيدة جداً حالياً وقد يكون النشر من نصيب مواضيع أخرى : )

      1. مراحب ، وشكرا على ردك يا أخت هيفاء
        لدي فضول لمعرفة عملك الحالي في أي مجال ، قطاع النشر المتخصص (مجلات وإصدارات) أو مجال الترجمة ، أو الإعلان.
        أتذكر كان لك عمود أسبوعي في الإقتصادية ، هل نشرت بعد ذلك مع جهات آخرى ، وهل يمكن الإطلاع على نسخة من هذه المقالات في المدونة ، وتحت أي تصنيف ..
        وعذرا على كثرة الأسئلة

          1. عفوا كنت أقصد السؤال عن مقالات لك في صحيفة آخرى أو مجلة بعد الإقتصادية ؟
            تصفحت المدونة بشكل سريع ، وتوقعت إنك تنشرين هذه التدوينات مع مجلات ، أو تعملين في إدارة التحرير لدي شركة نشر متخصص.
            طبعا الفرص كثيرة في قطاع النشر في الرياض ، وغير متاحة في جدة.
            وخطرت في بالي فكرة بعد قراءة هذه التدوينة ، مجموعة على اللينكدإن للمبدعين في الصناعات لإبداعية (كتابة -تصميم -تصوير ) ، للتعاون والنقاش ، وربما تكون نواة لشركة مستقبلية تنافس المحتكرين في سوق الإعلان والنشر.
            كانت مجرد فكرة ، والمشكلة دائما أفكاري تأخذني إلى بعيد..

  8. اتمنى لو تتكلمين في المرة المقبلة عن نوعية عملك المستقل و كيف بدات بالفكرة افكر في خوض التجربة لكني بحاجة الى المزيد من المعلومات
    دمت مبدعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.