طابع بريد لرسائل الحبّ فقط

التقيت بماركيز في المرّة الأولى عام ١٩٩٣م بمكسيكو سيتي. كان انتهى للتوّ من كتابه عن الحبّ وشياطين أخرى“. عمل صغير نُشر بالإسبانية في ١٩٩٤م، وصدرت الترجمة الإنجليزية له في العام ١٩٩٥م. كان قد بدأ بكتابة سيرته الذاتية الضخمة التي نُشر الجزء الأول منها في ٢٠٠٢م. وفي تلك الفترة أيضًا كان يتعافى من هجمة السرطان الأولى. تلك الهجمة التي غذّت الوساوس والغمّ بداخلهامتدّ حديثنا ليومين في كوخ خارجي ملحق بمنزله. رائقٌ بلا بهرجة، كان في فترة ما مكتبته، ثم مكتب، ثم كهف رجل مدفّأ بعناية.

.

.

ماركيز:

(مشيرًا إلى مسجلة الصوت) هل نحتاج إليها فعلًا؟ أنا عدو مسجلات الصوت. لها أذن وليس لها قلب. يمكنك تدوين ملاحظاتك.

ستريتفلد:

إنني كاتب بطيء. لذلك يؤسفني أنني مضطر لاستخدامها، وإلا سيتمد اللقاء للأسبوع القادم.

ماركيز:

حسنًا إذا. وأعتذر منك إذ أنني لا أجيد التحدث بالإنجليزية. أكبر خطأ ارتكبته في حياتي: عدم اتقان التحدث بالإنجليزية (يرفع يديه مستسلمًا). اسألني ما بدا لك.

ستريتفلد:

اشتبكت مؤخرًا مع سرطان الرئة؟

ماركيز:

نعم؛ لكنّ فحوصاتي مبشرة والورم حميد. لقد كان خبيثًا لكنه لم ينتشر. منحني الأطباء الكثير من التفاؤل. كنت أقول دائمًا إذا حدث شيء مشابه؛ أكذبوا علي. والآن يعطونني انطباع أن كلّ شيء بخير ولا أعلم أحقيقة هذه أم كذبة؟ مراجعات الفحوصات مرعبة، فقد يجدون شيئًا آخر.

جدولت مؤخرًا موعدًا ليوم الأربعاء. يوم السبت بدأ القلق، وعندما جاء الأحد ظننت بأنني سأموت.

ستريتفلد:

ماذا حدث يوم الاثنين؟

ماركيز:

قدّمت الموعد.

ستريتفلد:

هل أثر السرطان على عملك؟

ماركيز:

أصبحت في عجلة من أمري. كنت أقول لنفسي دائمًا: يمكنني عمل هذا خلال عشرين سنة أو ثلاثين سنة. الآن أعلم بأنني قد لا أملك ثلاثين سنة أخرى. أحاول تجاوز ذلك عندما أجلس للكتابة. يمكن اكتشاف تأثير العجلة بوضوح على الأعمال الإبداعية. وفي أية حال، استخدام الكمبيوتر أثر علي أكثر من السرطان.

أول رواية كتبتها باستخدام الكمبيوتر الحب في زمن الكوليراوأشك بأنها أول رواية كُتبت بالاسبانية على الكمبيوتر.

باستخدام الآلة الكاتبة، أنهي المسودة الأولى ثمّ أسلمها للطابع الذي يختزلها في نسخة نظيفة. كانت لحظة سعيدة. رؤية النسخة الجديدة هكذا.لكن إنجازها يتطلب وقتًا طويلًا.

الرواية عندما تُطبع على الكمبيوتر تصبح قابلة لتعديلات لا نهائية. أكتب وأعيد الكتابة بكل سهولة وسرعة. الدليل على ذلك؟ أصبحت أنشر رواية كل سنتين بعد أن كنت أفعلها كل سبع سنوات.

ستريتفلد:

لكن ما زال لديك وقت للصحافة.

ماركيز:

الصحافة مهنتي الحقيقية. تبقي قدميّ على الأرض وإلا أصبحت أطفو كالبالون. تبقيني الصحافة مرتبطًا بالواقع. بدقة أكبر، أجد كلما تقدم الوقت أن كتابة الرواية والصحافة مهنتان متداخلتان. في قلبهما القاسم المشترك: المصداقية. الناس يقتنعون بالتفاصيل وقد يدفعهم ذلك إلى تصديق شيء حتى لو كان خاطئًا.

روايتي الجديدة التي تدور أحداثها في كارتاخينا تروي قصة أسطورية في قالب ريبورتاج صحفي. أبحث عن التفاصيل وما إن أجدها، يبدأ كل شيء بالحدوث.

ستريتفلد:

أنت مشهور بجهودك البحثية الكبيرة، ونجاحك في إخفائها داخل العمل.

ماركيز:

أبحث الآن عن مصادر تدلني على طبيعة عمل شخص في مكتبة الفاتيكان. وهناك بعض النقاط حول طب العصور المظلمة أحتاج التحقق منها. لذلك احتفظ بكل هذه الكتب.

عند زيارة مكتبة همنغواي في كوبا. يمكنك التعرّف على مهنته فورًا. يحتاج الروائي لمراجعة كل شيء.

ستريتفلد:

وإخفاء كلّ شيء.

ماركيز:

وإخفاء كل شيء.

عندما تنتهي من روايتك. يجب عليك تدمير كل ملاحظاتك ومسوداتك. لا يكشف السحرة عن خدعهم بعد إتمامها. والكاتب يجب أن يفعل الأمر ذاته.

ستريتفلد:

(العرق ينضح من جسده) تحبّ الأجواء دافئة هنا؟

ماركيز:

لا يمكنني التفكير في البرد.

بالإضافة إلى هذا المنزل؛ لديّ شقة في كارتاخينا، وأخرى في بوغوتا، ومنزل آخر في كويرنافاكا، ومنزل في پاريس وآخر في برشلونه. يضحك مني الأصدقاء لأنها كلها متماثلة: كلّ شيء أبيض. لديّ نفس جهاز الكمبيوتر في كل مسكن، وأجهزة التكييف مضبوطة على درجة واحدة: حرارة الكاريبي.

غدًا، عندما اضطر للذهاب إلى برشلونة أو بوغوتا سأكتفي بحمل أقراصي المرنة في جيبي.

ستريتفلد:

لماذا أبيض؟ لماذا لا يكون أزرق مثلًا؟

ماركيز:

عندما يصل الضيوف ويرون السجاد والأثاث الأبيض. يبدؤون فورًا بتنظيف أحذيتهم على عتبة الباب. ولو كان لها لون آخر لتجاهلوا تنظيفها تمامًا.

ستريتفلد:

سمعت أن أكثر أفكارك تزورك أثناء الاستحمام.

ماركيز:

نعم هذا صحيح.

أعمل يوميًا بين التاسعة صباحًا والثانية والنصف بعد الظهر. هذه الساعات التي يقضيها الأطفال في المدرسة. ثمّ جاءت تلك اللحظة التي أصبحت فيها أفكر بما أكتبه طوال اليوم، حتى خلال نومي فاستيقظ ضجرًا ومتعبًا. لذلك قررت، منذ اللحظة التي أقفل فيها الجهاز أتوقف عن التفكير فيما كتبته تمامًا. حتى الصباح التالي.

أحاول اعتماد نظام ثابت، مثل رياضي. لا آكل كثيرًا، وأشرب كأسي ويسكي في الليل. وأول شيء أفعله في الصباح أقرأ ما كتبته في اليوم السابق للاستعداد لما هو قادم.

أؤمن أيضًا بالإلهام – ليس بصورته الرومانسية أو بنزوله كالوحيلكن بتلك الرابطة الحميمة بيني وبين الموضوع الذي أكتبه. ثمّ أدخل تحت الدشّ، وتنهمر الأفكار.

ستريتفلد:

يبدو عمليًا جدًا. كم يستغرق حمامك؟

ماركيز:

عشر دقائق. وأتمنى لو كان عمليًا أكثر. أريد أن يخترع أحدهم حبة تبتلعها وتنتهي من الاستحمام وتنظيف أسنانك. بيروقراطية الحياة اليومية مملة.

ستريتفلد:

ألا تخلصك جائزة نوبل من مهامك الاعتيادية؟

ماركيز:

الشيء الجيد الوحيد بعد حصولي على جائزة نوبل، عدم انتظاري في الطوابير الطويلة. يرونك في الطابور ويأخذونك فورًا إلى الأمام.

ستريتفلد:

هل هذا بحقّ الشيء الوحيد؟

ماركيز:

الشهرة أمر حساس، شيء مثل طائرة نفاثة ضخمة.

لا يمكنني الاعتراض، تأتي جائزة نوبل بالهيبة والجلال. لا تستطيع قول ما يزعجك في أحدهم. تتحمل مرسيدس مسؤوليات وكالة الضغينة الآن. كل الزوجات يدرن وكالة الضغينة.

تغيرت حياتي بعد مائة عام من العزلةواكتشفت أن أحد أصدقائي باع رسائلي لمكتبة في الولايات المتحدة. توقفت حينها عن كتابة الرسائل لأحد.

الشهرة كارثة على حياتي الخاصة. الأمر يشبه قياس عزلتك بعدد الناس حولك. أنت محاط بالكثير من الأشخاص وتشعر بأنها تصغر وتصغر.

ستريتفلد:

أنت مشهور لعقود الآن. ألم تعتد الأمر؟

ماركيز:

كنت مشهورًا لكن أحدًا لم ينتبه. بعد جائزة نوبل تغيّر كل شيء.

كان لديّ مشروع أردت إنجازه: أزور مدن كولومبيا الصغيرة. أترجل من السيارة، وأعد تقريرًا عن الحياة فيها. لكن بعد اليوم الثالث اكتشفت أن كلّ مراسلي كولومبيا ينتظرونني هناك لمشاهدتي أكتب. لقد كنتُ الأخبار نفسها.

ستريتفلد:

عدت للماضي والكتابة عن ذكرياتك؟

ماركيز:

يقول وليام فوكنر أن الماخور أفضل مكانٍ لمعيشة الكاتب. هناك حفلة كلّ ليلة. وأفضل ساعاتٍ للعمل في الصباح الباكر فهي دائمًا هادئة. وسيكون لديك علاقة جيدة برجال الشرطة.

في شبابي كنت أعيش في فندق رخيص ببارانكيا، تأخذ بائعات الهوئ عملائهن إليه. كان الفندق الأرخص في المدينة وبه تعلّمت الكثير من الأشياء. وذات مرّة شاهدت المحافظ هناك – حسنًا سمعت صوته في الممر.

فوكنر محقّ. كانت طريقة جيدة للعيش. كل صباح إفطار ضخم. كنت جائعًا جدًا آنذاك. كانت ١٩٥٠م. موظف الاستقبال رجل نحيل فقد إحدى عينيه. والغرفة تكلّف دولارًا واحدًا في الليلة. لم أبت في الغرفة نفسها لليلتين متتاليتين. وكلما اعتذرت عن عدم امتلاك النقود مبررًا ذلك بكوني كاتبًا لا يقبض إلا القليل. أمدّ لموظف الاستقبال مسودة عاصفة الأوراقوأقول: هذه تساوي حياتي، ولا أملك ما هو أغلى منها. سأتركها معك. وغدًا أعود. يقبل الموظف ويضع المسودة على الرف. منذ ذلك اليوم في كلّ مرة أعجز عن الدفع أترك له المسودة.

ستريتفلد:

كنت حينها تقرأ فوكنر وهمنغواي للمرة الأولى. ودائمًا ما تتحدث عن امتنانك لهم.

ماركيز:

عندما يقرأ روائي لغيره من الروائيين تكون القراءة بمثابة تفكيك ماكينة. لا شيء يعلمك كتابة رواية مثل قراءة أخرى.

ستريتفلد:

فوكنر أعطاك شيئًا آخر أيضًا – الرابط بين المسيسيبي والكاريبي وكونهما نفس المكان البري الجامح.

ماركيز:

أنا رجل ساحلي. لا أنتمي للداخل حيث بوغوتا. حيث يعيش المتنفذون والجادون. الساحل من جهة أخرى يؤوي الخارجين عن القانون والمغامرين. في الساحل توليفة من ثقافات عدة: الاسبانية والافريقية والهندية. أؤمن بأن مدن العالم الساحلية هكذا، مليئة بالدهشة والغموض. لكنّ أكثر الناس لا يرون ذلك. الواقع رائع بالفعل. وليس هناك شيء سحريّ، واقعية صافية.

أذكر سيدة في قرية كولومبية صغيرة قالت لي بعد قراءتها لـ مائة عام من العزلة“: لا أحب هذا الكتاب. عندما كنتَ بيننا كنت ترى أشياء أفضل وأكثر تشويقًا.

ستريتفلد:

جئت من عائلة كبيرة جدًا. لديك أحد عشر أخًا وأخت كما أعلم. وهذا أثر عليك في أشياء كثيرة. لكنك الآن أب لطفلين فقط.

ماركيز:

هل تعلم لم امتنعنا عن إنجاب المزيد؟ لقد خشينا من انعدام قدرتنا على رعايتهم وتعليمهم. وعندما أصبح ذلك ممكنًا امتنعت مرسيدس بسبب سنّها. لذلك أقول لكل المتزوجين حديثًا، أنجبوا ما شئتم من الأطفال. ستصبح رعايتهم ممكنة في وقتٍ ما من حياتكم.

ستريتفلد:

أحب اقتباسًا نشر لك في پاريس ريڤيوتنصح فيه الكتاب ذوي الجمل الطويلة بضرورة استخدام فواصل التنفس“.

ماركيز:

أتعامل مع النصوص المكتوبة كتنويم مغناطيسي. ينبغي المحافظة على ايقاع معيّن فيها. ما إن تكون هناك وقفة مفاجأة سيفلت القارئ. وهناك الكثير من الكتب التي تنتظره. أيّ عقبة في طريقه ستدفعه لأحدها. قد ترى الفواصل كعلامات ترقيم، لكنني أضعها لأغراض تنفسيةفقط. يجب ألا يستيقظ القارئ.

ستريتفلد:

هناك طابع بريد كولومبي يحمل صورتك.

ماركيز:

آمل أن يستخدم لرسائل الحبّ فقط.

.

.

.

*اللقاء المنشور في التدوينة مقتطف ترجمته من كتاب The Last Interview Gabriel Garcia Marquezالذي جمعه وأعده ديڤيد ستريتفلد David Streitfeld

.

.

.

4 تعليقات على “طابع بريد لرسائل الحبّ فقط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *