١٥ | ما وراء الموهبة: عن التفاني غير المنطقي

ما يفرق الناس حقًا ليس موهبةً سحرية، بل التزامٌ يكاد يكون غير منطقي بتجاوز الألم، التزامٌ قد يُحطم معظم الناس. كل شيء حولك – كل رفاهية تستمتع بها، كل مساحة تسكنها، كل خدمة تستخدمها – كان رفضًا من شخصٍ واحدٍ لقبول العالم كما هو. يتطوّر العالم من خلال “التفاني غير المنطقي”.

Shane Parish

من السهل أن نفسّر نجاح الآخرين بكلمة واحدة: موهبة.  نقرأ لكاتبة بارعة فنفترض أن اللغة منحتها سحرًا استثنائيًا، أو نسمع عن رياضية متألقة فنعتقد أن جسدها صُمم للفوز منذ البداية. هذه النظرة تُريحنا لأنها تجعل الإنجاز يبدو حكرًا على القلة، وتُعفينا من مسؤولية المحاولة.

لكن الواقع أبسط وأكثر قسوة: الموهبة بذرة، لكن البذرة لا تنبت دون عمل شاق. ما يفرّق الناس حقًا ليس الشرارة الأولى، بل الالتزام شبه اللامنطقي بالاستمرار في العمل عندما يتوقف الآخرون. الالتزام بالعودة يومًا بعد يوم، حتى في غياب الحافز، حتى عندما يسيطر الشك والإرهاق. هذا ما يمكن أن نسمّيه: التفاني غير المنطقي.

ما هو التفاني غير المنطقي؟

التفاني غير المنطقي هو استعداد للاستمرار رغم أن كل المؤشرات تقول “توقف“. هو قرار واعٍ بدفع الثمن نفسيًا وجسديًا وماليًا وحتى زمنيًا. لأن الإيمان بالهدف أقوى من منطق الاستسلام. هو “غير منطقي” لأنه يتعارض مع منطق الراحة والحفاظ على الطاقة. لكنّه في الوقت نفسه يفسّر أعظم التحولات الإنسانية.

الرفض المتراكم

كل ما نعتبره اليوم من المسلّمات (من الكهرباء والطب إلى السفر بالطائرة والتكييف والاتصالات) وُلد من لحظة رفض. شخص ما في وقت ما نظر إلى واقعه وقال: “هذا لا يكفي”. لم يقبل أن يكون الظلام أمرًا حتميًا، أو أن المرض قدرًا لا مفر منه، أو أن المسافة بين قارتين عائقًا أبديًا.

  • لو استسلم إديسون بعد عشر محاولات فاشلة، لبقي العالم مظلمًا لسنوات أطول.
  • لو تراجعت ماري كوري أمام التمييز وصعوبة البحث، لما عرف العالم العلاج الإشعاعي الذي أنقذ ملايين الأرواح.
  • لو استسلم الأخوان رايت لسخرية الناس بعد سقوط طائراتهما الأولى، لما حلّق البشر في السماء ولا عبروا القارات في ساعات.
  • لو خضع رواد التقنية للسوق حين رُفضت أفكارهم في البداية، لما كان الهاتف الذكي أو الإنترنت في جيوبنا اليوم.

هناك المئات، بل الآلاف من هذه الأمثلة توضّح أن الرفاهية التي نعيشها ليست نتيجة عبقرية عابرة، بل ثمرة التزام استثنائي، متواصل، وغير منطقي في أحيان كثيرة. حتى نحنُ في حياتنا حينما نتذكر اللحظات المفصلية التي تجاوزنا فيها عقبة أو أتممنا بها مشروعًا لم يترك أثره علينا فحسب، بل على كلّ من حولنا.

الجانب النفسي للتفاني غير المنطقي

لماذا يستمر البعض بينما يتوقف الآخرون؟ هنا تأتي عدة عوامل نفسية:

  • رؤية واضحة: لديهم صورة ذهنية قويّة عن المستقبل تعطي صاحبها سببًا للصمود أكثر من الآخرين.
  • المعنى: لتحمل الآلام والصعوبات نحتاج لمعنى حتى لا ينهكنا.
  • التعلّم من الفشل: من يجد في فشله فرصة ذهبية للتعلم يملك قدرة أكبر على الاستمرار.
  • شبكات الدعم: حتى أشد الالتزامات “لا منطقية” تحتاج دائرة داعمة أو شخص يؤمن بك ويشجعك على التقدم للأمام.

هذه المحاور توضح أن التفاني غير المنطقي ليس جنونًا عشوائيًا، بل مزيج من قناعة داخلية وإدارة واعية للألم والإخفاق. وهذا النمط من الالتزام لا يخص العلماء أو المخترعين أو روّاد الأعمال. لكننا نراه في:

  • أم تواصل تعليم أطفالها رغم كل الصعوبات.
  • شابة تؤسس مشروعًا ناشئًا وتتحمّل سنوات من الخسارة قبل أن تظهر النتائج.
  • باحثة تكتب أطروحتها وسط عزلة طويلة، مدفوعة بإيمانها أن المعرفة تستحق العناء.

هذه المواقف قد تُوصف بمن حولهم بأنها “عناد غير منطقي“، لكنها في حقيقتها التعبير الأكثر واقعية عن الإيمان بأن الرحلة تستحق.

كيف يمكنني تبنّي هذا التوجه في حياتي اليومية؟

السؤال ليس عن إديسون أو كوري أو جوبز وحدهم. السؤال شخصي أكثر: أي نواحي حياتي تحتاج أن أمارس هذا النوع من الالتزام؟

  • ما الحلم المؤجل الذي يستحق أن نمنحه فرصة ثانية وثالثة؟
  • ما الفكرة التي تبدو غير منطقية الآن، لكنها ستكون ذات أثر لو منحناها وقتًا أطول؟
  • وأي مشروع شخصي أو مهني يحتاج أن نصمد فيه بعد انسحاب الآخرين؟

خاتمة

العالم الذي نعيش فيه اليوم ليس نتيجة حسابات منطقية فقط، بل هو ثمرة إصرار متواصل، إصرار غالبًا ما بدا بلا معنى في حينه. التّفاني غير المنطقي ليس رفاهية، بل شرط أساسي لأي تغيير حقيقي. ولعل الدرس الأهم أن نسأل أنفسنا: أين يمكن أن نكون جزءًا من هذه السلسلة؟ وأي “رفض صغير” للواقع الحالي قد يتحول بفضل التزامنا الطويل إلى إنجاز يغيّر حياتنا وحياة من حولنا؟

.

.

.

photo by by Dania Shaeeb

.

.

 

5 تعليقات على “١٥ | ما وراء الموهبة: عن التفاني غير المنطقي”

  1. عندما قرأت العنوان وبداية التدوينة، حسبتها ستكون ذمًا في لا منطقية هذا التفاني،
    لكن ظهر العكس تمامًا.

    أحسنتِ وأجدتِ، كالعادة، هيفاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.