أجلس اليوم لكتابة هذه التدوينة بلا هيكل واضح أو فكرة رئيسية وهو شيء لم أفعله منذ وقتٍ بعيد. أحبّ التنظيم والكتابة المنظمة لكن أحبّ أيضًا التبدد بالكتابة والاستسلام للاستطراد. أريد أن أوجز شيئًا غير قابل للإيجاز: الثلاثة أشهر الماضية! بدأت التفكير في الكتابة هنا بعد انتهائي من ترتيب مكتبي الجديد والتفتت باتجاه النافذة لأرى السماء الغائمة والغبار الثائر من زاوية أخرى. لا أدري هل كان الغبار ناتجًا من عمليات البناء وتحريك الأرض أو أنّ الأجواء فعلا مغبرة. شعور التأسيس والبداية الجديدة ملهم ومنعش. كانت هذه اللحظة مناسبة للتأمل: الآن يمكنني الجلوس قليلًا قبل البدء في فصلٍ جديد.
منذ بداية السنة أدوّن يومياتي بشكل يومي بلا توقف، وفي أيام السفر دوّنتها على شكل فيديوهات قصيرة. أو احتفظت بالتفاصيل مصورة لأعود وأكتبها في المذكرة بعد عودتي. حافظت على روتين تدوين يومي مريح باعتماد فكرة non-negotiable minimums أو تفاصيل يومية وعناصر لا استغني عنها أو أؤجلها. اكتب لأن الكثير يحدث ولا شيء في نفس الوقت. واحتجت للتأمل والبحث عن نقاط ارتباط مع فترات ماضية من حياتي تشبه ما أمرّ به اليوم. ذاكرتي محشوة بالقصص لكن عندما يحتدم الأمر أجدني مضطرة للبحث فيما كتبته سواء رقميًا أو في دفاتري المخزنة. ليتني أجيد طريقة فهرسة بالكلمات المفتاحية في بداية كل مذكرة أو نهايتها لتساعدني في العودة للحديث. شيء يشبه المفاتيح المختصرة في لوحة مفاتيح جهازي أو محرك بحث الملاحظات في هاتفي المحمول. سيكون للكلمات ثيمة عامّة: فوضى، تحول، قنوط، حبسة، تردد، خوف، مغامرة، قفز. وما أكثر القصص التي ستندرج تحتها.
يرتب ذهني الشهور الماضية بالشكل التالي: فيينا، رمضان، روما. لكن هذه هي التفاصيل التي يحبّها وهي كسولة نوعًا ما، هل هكذا فعلًا بدت أيامي؟
في لحظة كنت استمع لسيمفونية قدّاس الموتى لموزارت في غرفة مظلمة في شقته بفيينا، واتأمل قناع الموت الذي صنعوه له بعد موته. اقترب من الزجاج وأشعر بقشعريرة غريبة! وفي لحظة أخرى أجلس في اجتماع في مكان عملي لتبلغني مديرتي بتغييرات ستحدث والآن علي البحث عن إدارة بديلة داخليًا. كان عليّ أن أعيد اختراع نفسي، أن احرق كلّ شيء وابدأ من جديد.
في مذكرتي التي اسميتها The Brain أدون كل شيء يعجبني بشكل يومي أو أسبوعي وقد تحدثت عنها سابقًا. في صفحة ما في فبراير كتبت عن دراسة أجراها ديفيد غونزاليس وفريقه بين ٢٠١٦-٢٠٢٢ استكشفت بشكل أساسي أهمية التجديد لذاكرتنا وخلايانا العصبية والأهم من ذلك شخصياتنا. وجدت الدراسة التي أجريت على آلاف الأشخاص أن أولئك الذين خاضوا تجارب جديدة ووضعوا أنفسهم في بيئات جديدة، وجربوا أشياء جديدة كالطعام والموسيقى والأفلام كانوا أكثر سعادة وشعروا بتناغم أكثر مع ذواتهم.
ودراسة أخرى أجرتها أورسولا ستودنجر وآخرون في ٢٠١٧ على عمال إنتاج كلفوا بمهام جديدة مرة واحدة في كل نوبة عمل. لاحظت الدراسة أن لديهم مساحة أكبر من المادة الرمادية في أدمغتهم بعد ذلك مقارنة بمن لم يكلفوا بأعمالٍ جديدة ومختلفة أو حل مشكلات غير مألوفة. المادة الرمادية في الدماغ ضرورية للمهام اليومية والعاطفة والذاكرة.
وباختصار، من خلال الخروج والاستكشاف والنظر إلى ما هو أبعد من ذواتنا وحياتنا اليومية نتمكن بطريقة ما من معرفة أنفسنا بشكل أفضل. لماذا؟ لأن عقلك خُلق للبحث عن كلّ جديد. ليرى العالم ويواجه التحديات ويتذوق الطعام الحلو ويشعر بالدهشة عند رؤية شلال أو مقابلة ناس جدد. وعندما لا يحصل على ذلك يتحول إلى ما يشبه الحيوان الحبيس في قفص يذرعه جيئة وذهابًا. وهذا ما شعرت به بالتحديد لوقتٍ طويل من حياتي! وحتى عندما كنت استعذب التغيير وأفرح به واتحمس له أعود من جديد لمتاهتي وتصغر المساحة حولي وتثير قلقي. كل المؤشرات كانت تقول التغيير قادم إذًا لماذا لم ابتهج؟
لأني كنت ابحث عن الاستقرار بعد وقت طويل من التنقل، في حياتي المهنية والشخصية. وكان الأمر المضحك حقًا وأنا اقرأ عن التجديد وفائدته لتحسن دماغي وذاكرتي، كنت ممتعضة لأن التغيير في مكان عملي رافقه انتقال داخلي من غرفة لأخرى. لم يكن التغيير مبهجًا في اللحظة الأولى لكني حولته لشيء ممتع! ديكور جديد، ستائر، مفارش، تخفف وجرد للمكتبة والملابس وكلّ شيء. وفي الوقت المناسب للانتهاء من ذلك جاء رمضان وبدأت المحركات تهدأ. اخترت بدء إجازة رقمية اعتزلت فيها التطبيقات والمشاركة. لم يكن لدي ما أقوله أو أرويه لكن الكتابة اليومية استمرت، اقتباسات قصيرة وقراءات ومشاهدات في التاريخ والفنّ. وحفزني التخطيط لرحلة روما الربيعية للبحث أكثر في فنّ عصر النهضة الإيطالي وقررت التسجيل في مقرر دراسيّ مدته عشر أسابيع يبدأ نهاية هذا الشهر! التزام جديد ولد من لحظة تأمل ومن رغبتي في التجديد وإيجاد مساحة اتخفف فيها من مهامّ العمل. هذا المقرر لي، ليس لشهادة أقدمها لإدارة الموارد البشرية، أو لاجتياز اختبار ما.
لقد حذّرتكم طبعًا من الاستطراد والمواضيع المتشابكة لكن هذا ما يحدث عندما اتأخر عن الكلام كثيرًا!
خلال الأشهر الماضية قرأت عدة كتب دفعتني للتأمل وتزامنت مع التفكير في إعادة البناء وثيمة الانتظار والصبر والنظر للأمور من زاوية جديدة. لكن الذي بقي معي منها هو الاقتباسات اللطيفة التي دونتها في مذكرة القراءة. ففي كتابها «مداواة الخواء» شرحت ياسمين مجاهد فكرة كانت ترهقني: هل أنا مستعدة فعلًا لتحمل الأمور التي تحدث معي؟ هل أجمّل واقعي وانظر إليه من عدسة وردية أم أنّي فعلا مستعدة؟ قالت شيء جميل في كتابها في وصف احتمال الإنسان لما يحدث حوله:
يختلف البشر في مرونتهم، فحريق الغابة لا يصيب كلّ شجرةٍ فيها بالدرجة نفسها. شجرة السكويا الضخمة، على سبيل المثال، مقاومة للنار تقريبًا، والسؤال هنا هل يمكن لقلوبنا أن تكون مثل شجرة السكويا؟ وإذا طرحنا سؤالًا أعمق، فهل يمكننا نحن البشر أن نصل إلى درجة تفوق مجرد النجاة؟ عندما تتمحص في تعريف المرونة تكتشف أنه يشير إلى التكيف والنجاة في وجه التحديات، ولكن ماذا لو كان هنالك شيء أكثر أهمية؟ ماذا لو كان بمقدور البشر أن يحققوا أكثر من مجرد النجاة من عواصفهم؟ ماذا لو كان بإمكاننا الازدهار في عواصفنا؟ ماذا لو كان هناك شيء يفوق المرونة؟
الكتاب وإن لم يكن أتى بالجديد بالكامل لكنّ فصوله كانت تلمس مكانًا عميقا في نفسي وكل عدة صفحات أخرج بتنبيه يذكرني بأن الصعوبات المؤقتة ليست شرًا كاملًا. وهذا الانزعاج مؤقت. وهذا الصخب سيمضي!
ما الذي أنقذ مرونتي إذًا؟
أربعة أشياء صغيرة في نظر البعض لكنّها عظيمة لديّ: موعد قرائي مع نفسي كلّ يوم، سواء في مكان العمل أو في مقهى هادئ أحبّه أو قبل غفوتي في المساء. تدوين يومياتي وإن كانت سطرًا أو اثنين. أدون بلا هيكل محدد، اتحدث يومًا عن مشتريات استهلاكية وحماسي لحذائي الجديد وفي يوم آخر انكأ جرح قديم وأعيد علاجه بالكتابة. والأمر الثالث والأهم تمسكت بنومي العميق كما لو كنت احتضن طفلا صغيرًا أو طوق نجاة. والرابع: المشي! المشي في كل مكان وإلى أي مكان. متى ما كان الطريق متاحًا كنتُ أمشي. وكانت الأجواء جميلة خلال الأشهر الأولى من السنة وساعدتني جدًا. مشيت في أرضٍ جديدة، مشيت في طرق أعرفها، ومشيت من سيارتي في أقصى زاوية من المواقف الفارغة. كنت أقف بعيدة لأجبر نفسي على المشي. هذه اللحظات التي اقتنصها من يومي كانت تخصّني وحدي. لا صوت إلا صوتي.
تذكرت اقتباس قديم حفظته من رسائل كافكا: «عزيزتي، نامي جيدًا واذهبي للمشي.» وكم تبدو هذه الفكرة سهلة جدًا لكن تطبيقها صعب. فقد حصلت على حصتي من الأرق واختلال النوم وأظن أن ذلك ملازم للقلق الذي أعيشه من التغيير وصفة التغيير وتوقيت التغيير. وعندما هدأت نفسي أخيرًا انضبط كلّ شيء. أظن فيينا كانت السبب؟ كانت رحلة للبحث عن الثلج! نعم بالإضافة إلى حماسي وفضولي تجاه فيينا كنت في رحلة مخصصة لرؤية ثلوج فبراير. اشتريت ملابس ثقيلة وحذاء مناسب وما إن وصلت للمدينة حتى ظهرت الشمس البهية وارتفعت درجات الحرارة لتثير استغراب السكان وتذهلهم! «كان الدانوب متجمدا قبل عدة أيام» يخبرني سائق التاكسي الذي صحبني من المطار. كانت لحظة عظيمة فقد استمتعت بالمشي في هذه الأجواء وتخففت من طبقات الملابس وبعد عودتي ضحكت طويلا وأنا اتابع نشرات الأخبار وصور أهل فيينا على المواقع الاجتماعية: عاصفة ثلجية تاريخية تغمر فيينا والنمسا بغطاء أبيض وتعطل الطيران والمواصلات.
في أيامي الماضية غمرني حماس كبير لتصوير اليوميات والكتابة عن مواضيع أحبّها. أجلس أمام جهازي وأفقد شهيتي فورًا، ثم انتقل لمهمة أخرى. وهكذا قضيت الأيام في كسلٍ محبب. وتذكرت في وسط هذا حصص الفراغ. حتى اسمها كان جميلًا: حصة فراغ! تدخل فيها المعلمة البديلة على فصلنا وتطالبنا بالهدوء وفعل أي شيء. كنت ارسم، اكتب، اتحدث بصوت خفيض مع زميلاتي. وإذا كانت الحصة قبل الفسحة الصباحية؟ هذا يعني أن لنا فرصة الذهاب للمقصف والتسوق قبل أن نُدهس من طالبات الفصول العليا لاحقًا. وإذا كانت الحصة الأخيرة؟ سنستعد للخروج قبل الجميع إلى الحافلة وسأحصل على كرسي استراتيجي تحت فتحة التكييف مباشرة وهذا ما يتطلبه جوّ مدينتي القديمة الخانق.
هناك الكثير لقوله في هذه المساحة. لكن عيني على عدّاد الكلمات وفي ذهني خطتي للعودة إلى التدوين بكثافة من جديد. عدد من المواضيع مناسبة للبحث والاستفاضة، وقد أروي لكم قصص من مقرري الدراسي القادم وقراءاتي المتخصصة والوثائقيات التي جهزتها للمشاهدة. قد أحدثكم عن تجربة قراءة جزئين من سلسلة صديقتي المذهلة لإيلينا فيرّاتني والذكريات الجيدة والمأساوية التي نفضتها فصول الكتاب.
استحضر الآن وأنا اختم التدوينة اقتباسًا كتبته لراينر ماريا ريلكه: «هكذا ننمو، من خلال هزيمتنا أمام أشياء أكبر منّا وأعظم»
بدت العبارة عندما قرأتها بالإنجليزية وحاولت ترجمتها وصفًا دقيقًا لما عشته في الشهور الماضية. لا أقصد طبعًا شعور الهزيمة بمعناه القاسي. فهي تشير إلى اللحظات التي تدفعنا فيها الحياة إلى ما هو أكبر من قدراتنا على الاستيعاب والتحمل ونخرج بعد ذلك وقد تبدّلنا. لم نعد كما كنّا وهذا معنى آخر للمرونة والتحمل. هذا ما أشعر به اليوم وأنا انظر لحياتي، تنقلاتي، رحلاتي، وحتى انتقالي من غرفة إلى أخرى في البيت. أحداث كثيرة متفرقة تجمعها حقيقة واحدة: التبدل والاتساع! مسؤوليات جديدة تتطلب نسخة أكثر نضجًا وثباتًا مني. لهذه الصعوبات جمالية عظيمة. خرجت من المألوف إلى المألوف إلى المختلف.
.
.
.
الصورة في التدوينة لفيرمير
.
.
.