٢٢ | كيف أنظّم حياتي بثلاث أجندات وقلم؟

اطلعت مؤخرًا على إحصائية مربكة تقول بأنّ الشخص العادي يفقد تركيزه كلّ ثمان دقائق بسبب الإشعارات الرقمية. وفكرت: إذا كنت أعمل ثمان ساعات يوميًا فهذا يعني أنني أفقد ساعات من وقت الإنتاج الحقيقي وأشعر بالإرهاق بسرعة وتتبعثر أفكاري أكثر مما أقبض عليها. والحلّ؟ الهروب من الأدوات الرقمية لتنظيم أيامي مهما كانت ممتعة وجذابة والعودة للورق والكتابة بالكامل. التدوين اليدوي عادة بدأتها من الصغر لكنها كانت محدودة في تسجيل تأملات نهاية اليوم والأحداث التي أريد العودة إليها.

كانت تمرّ أيام كثيرة اعتمد فيها على الملاحظات والتقويم الرقمي في هاتفي وهذه فكرة جيدة للتنبيه اليومي، ولكن ليس على المدى البعيد. وهناك قلق من نوعٍ آخر وخاص بي: ماذا لو تعطلت كل هذه التقنيات؟ كيف أتذكر ما أريد حفظه وأحمله معي في كلّ الظروف؟ ومن جهة أخرى وجدت أنّ الكتابة اليدوية ليست فكرة رومانسية بل حل علمي مثبت. فهناك العديد من الدراسات العلمية تثبت أن الكتابة باليد تحسّن الذاكرة بنسبة تصل إلى ٦٥٪ أكثر من الرقمية وتقلل التوتر والقلق وتحفز الإبداع بطرق لا يمكن لأي تطبيق التفوق عليها.

القرار بالعودة إلى التدوين اليدوي بمثابة طوق نجاة. لم تكن مجرد كتابة، بل كانت عملية تأمل يومية أعادت لي السيطرة على أفكاري ومهامي. في هذه التدوينة، أشارككم نظامي الخاص الذي يعتمد على ثلاث أجندات ورقية مختلفة. هنا نظام بسيط ومرن يمكن لأي شخص أن يتبناه ويعيد به ترتيب عالمه الداخلي والخارجي.

نظامي الثلاثي: إعادة ترتيب الحياة

أحببت هذا النظام لبساطته ووضوحه وربما لسببٍ آخر: رغبتي في تنويع المذكرات التي أدونها لأصنع تاريخي الشخصي بعد حين. وبدلًا من تكديس كلّ شيء في مكانٍ واحد، هذا الفصل بين جوانب حياتي المختلفة يمنحني وضوحًا وصفاء ذهنيًا لا يقدر بثمن. كلّ أجندة لها دور محدد وواضح وشخصية مستقلة وطريقة كتابة وتدوين وأهداف واضحة.

أجندة العمل والمهام اليومية

أسميها أجندة الواقع والأداة التي أواجه بها متطلبات الحياة العملية واليومية. في هذه المساحة أدون الالتزامات وأروض الفوضى لأشعر بالإنجاز! لا يوجد أفكار عشوائية فقط نظرة واضحة على أيامي وجداولها. استخدم في هذه الأجندة مذكرة من موجي للعام ٢٠٢٦ للتخطيط الشهري والأسبوعي. ومذكرة ثانية لمهام العمل والقوائم، والثالثة لتسجيل تفاصيل الاجتماعات وأيّ معلومات تخص المشاريع التي أعمل عليها لأعود لها وقت الحاجة. الدفاتر نحيفة وخفيفة وأبدلها عندما تمتلئ واحتفظ بها في أرشيف خاص.

التدوين والتخطيط هنا له عدة أشكال: في المذكرة محددة التواريخ ابدأ بالنظرة الشهرية في صفحة كل شهر أوزع الأيام الهامة على التقويم والمواعيد وأيّ شيء ثابت ومقرر سابقًا. أضيف خلال الشهر أي مواعيد أو تفاصيل حدثت بلا تخطيط لتذكر الأحداث لاحقًا.

والنظرة الأسبوعية في الصفحات المخصصة لكلّ سبعة أيام ويقابلها صفحة فارغة أضيف عليها التفاصيل الأخرى. في بداية كلّ أسبوع أحدد المواعيد والمهام لكل يوم وفي الصفحة المقابلة أضيف جدولًا للأنشطة البدنية (التمرين-المشي) والعشاءات التي أحددها مسبقًا لتجهيز الوجبات. ومساحة صغيرة أسجل فيها أهم أحداث الأسبوع وما أودّ تذكّره.

في المذكرة الثانية أكتب مهامي كقائمة مطولة بلا تخصيص ولكل يوم عمل أضيف المزيد منها. في نهاية الأسبوع اظلل ما انتهيت منه وأنقل التي لم تتم لصفحة جديدة لأسبوع جديد.

أما المذكرة الثالثة التي أخصصها للملاحظات، أكتب في رأس الصفحة اسم الاجتماع أو المشروع والتاريخ واليوم واملأها بالأفكار. وضوح العنوان في رأس الصفحة يذكرني بالتفاصيل لاحقًا.

أجندة المشاريع الشخصية والأفكار

إذا كانت الأجندة الأولى هي العقل فهذه هي الروح. هنا أطلق العنان لأفكاري وأدون تفاصيل مشاريعي الشخصية التي تعطي الحياة معنى. ليس لديّ أي قوانين ثابتة هنا. واستخدم الصفحات في المذكرات للتالي:

العصف الذهني وخرائط الأفكار: عندما أعمل على ورشة جديدة أو أخطط للمحتوى استخدم الصفحات للتدوين الورقي بدون تخصيص أو ترتيب.

بنك الاقتباسات: هنا أجمع الاقتباسات من المقالات المطولة والنشرات البريدية ومشاهداتي وأي شيء أود تبنيه أو البحث عنه أكثر واكتشافه في المستقبل. أعود لهذه الصفحات عندما أبحث عن فكرة جديدة للتدوين أو بناء مشروع من الصفر.

تخطيط المشاريع: استخدم مذكرة ل٢٠٢٦ نفس تصميم المذكرة في أجندة العمل لكن الفرق هنا أنها مخصصة للمشاريع الإبداعية، ورش العمل، وكتابة المحتوى.

هذه الأجندة ممتعة ومليئة بالألوان والقصاصات وهي انعكاس حقيقي لطريقة تفكيري.

أجندة الكتب وعوالمها

اقتنيت لقراءاتي أجندة جلدية بحجم جواز السّفر. اخترتها صغيرة لأتمكن من حملها في كلّ مكان وأدون رحلتي مع كلّ كتاب. كان لدي مذكرات للقراءات سابقًا لكن توقفت قبل سنوات في المحافظة عليها. أصبحت التقط صور الاقتباسات وأجمعها في هاتفي وبالتالي ضاعت في الفوضى الرقمية. ولأنّ ٢٠٢٥ كانت بشكل جميل السنة التي استعدت فيها شهيتي القرائية وقرأت أكثر من عشرين كتابًا! استعدت أيضا رغبتي في الكتابة عن القراءات وتذكر رأيي حول كلّ كتاب وجمع الاقتباسات والمشاعر التي أمر بها خلال القراءة في مكانٍ واحد.

ببساطة عندما ابدأ قراءة الكتاب افتح صفحة جديدة واكتب في رأسها عنوانه والمؤلف والمترجم إذا كان مترجمًا وتصبح الصفحات التالية سلسلة من التأملات والتدوين. الفرق هنا أن الاقتباسات لم تعد حبيسة ملف الصور في الهاتف المحمول، بل أصبحت أكتبها بيدي وأذكرها. لديّ هدف من هذه التدوينات فهي طريقتي لتحويل القراءة إلى تجربة تفاعلية حتى وإن لم أشارك هذه التأملات مع أحد. ولتلخيص عملية التدوين هنا أتبع المخطط التالي:

ملخصات وأفكار: مع أني أكتب مشاعري وتأملاتي وانطباعاتي حول الكتاب خلال عملية القراءة. إلا أنّ النظرة الختامية اكتبها بعد الانتهاء منه. أكتب ملخص قصير وأهم الأفكار التي خرجت بها.

الاقتباسات: أدون الاقتباسات التي لمستني مع ذكر الصفحة للعودة إليها بسهولة.

قوائم القراءات المستقبلية: أدون في الصفحات في نهاية المذكرة أسماء الكتب التي أود اقتنائها أو قراءتها مستقبلا. فالآن مثلًا أخطط لقراءات العام القادم وأجمع العناوين التي أثارت اهتمامي. أيضا أدون الكتب بنفس الثيمة التي قرأتها أو التي يأتي ذكرها في كتاب آخر أو تشبه أسلوب كاتب أحببته وأود الاستزادة منه.

كيف تبني نظامك الخاصّ؟

قد يبدو نظام الثلاث أجندات معقدًا للوهلة الأولى، لكنه وبعد الاعتياد عليه أصبح مرنًا وممتعًا بالنسبة لي. أعرف أن هناك مكانًا محددًا لأي فكرة تمر في ذهني. أصبح الأمر أشبه بترتيب عقلي ومحتوياته على رفوف ناصعة البياض! يمكنك أيضًا الاستفادة من هذه الفكرة وتكييفها مع حياتك الخاصة وهذه مجموعة من الأفكار للبدء:

ابدأ ببساطة: لا ترهق نفسك بالبحث عن الأجندات والغرق في تفاصيلها. اختر ثلاث دفاتر بسيطة ومناسبة للتنقل والكتابة بأقلامك المفضلة أو حتى البدء بدفتر واحد أو مذكرة مؤرخة وتقسيمها إلى ثلاثة أقسام واستخدام علامات للفصل بين المجالات.

حدد محاور حياتك: ما هي الجوانب الثلاثة الأهمّ في حياتك الآن؟ هل تحتاج إلى تنظيم وتركيز؟ قد تكون العمل والأسرة والصحة، أو الدراسة والهوايات والتطوير الذاتي. اختر المحاور وخصص أجندة لكلّ واحدة منها.

تبنّى عادة يومية: خصص ١٠-١٥ دقيقة كل صباح أو مساء لمراجعة وتحديث الأجندات. ومع الوقت سيصبح لديك طقس ممتع لا تستغني عنه.

بعض الفوضى الملهمة: خاصة في الأجندة المخصصة للتفكير والإبداع. اسمح لنفسك بالفوضى والتجريب ولا تسع للكمال بل ابحث عن التعبير الصادق والاكتشاف.

 

أكثر من أداة تنظيم

ما أحبّه في المذكّرات والتدوين الورقي يتجاوز فكرة التنظيم وتسجيل المهام. هذه التجربة تتطلب البطء والتأمل والتفكير قبل وضع الكلمات على الورق وهذا ما أنشده. البطء في وقتٍ يركض فيه كلّ شيء بسرعة. أتمنى أن يكون نظامي هذا مصدر إلهام لك. وأدعوك لخوض هذه التجربة، واكتشاف نظامك الخاص الذي يعكس شخصيتك واحتياجاتك. وإذا كان لديك تجربة فعلية شاركها في التعليقات لتلهمنا.

.

.

 

5 تعليقات على “٢٢ | كيف أنظّم حياتي بثلاث أجندات وقلم؟”

  1. لي تجاربي مع الاجندة، كانت واحدة تجمع كل شي لكن وجدت ان تجزئتها افضل، خاصة مع توسع العائلة وازدياد افرادها، واستقررت على 5 اجندة منذ 3 سنوات .
    قد تبدو كثيرة لكن بمجرد خلق روتين لاستخدامها تصبح اسهل ومنذ ان فعلت ذلك اصبحت منظمة وانجز معظم المهام وامتلك سجل توثيقي مختصر والاهم من هذا كله شعرت بخفة وراحة بعد ان فصلت مهام البيت والاسرة واهدافها عن اهدافي ومهامي الشخصية
    و هي كالتالي للفائدة :
    1- اجندة شهرية مؤرخة للاسرة وادارة البيت من مكتبة ضحى للسنة الثالثة على التوالي اقتنيها (اصبحت سجل توثيقي مختصر لكل الاحداث السنوية للاسرة والعائلة الممتدة)
    اكتب فيها كل المواعيد العائلية والمناسبات ومواعيد الابناء الخاصة بهم كما احدد المهام الشهرية لصيانة المنزل والاجازات الربع سنوية وتعتبر النواة الاولى للتخطيط اذا انها متاحة لجميع بناتي الاطلاع عليها ليسهل عليهم تنسيق مواعيدهم بدون الحاجة الى سؤالي ومن خلالها استطيع تفويض اي من البنات في ادارة المنزل اثناء غيابي .

    2- اجندة شخصية لروحي العزيزة اسجل فيها اهدافي ومشاريع الخاصة و اوثق ايامي ، للعام الحالي امتلك يوميات نور لكن للعام القادم اقتنيت اجندة مكتبة روان.

    3- اجندة اسبوعية لتخطيط الوجبات ولتجاربي مع الوصفات من flying tiger للسنة الثانية اقتنيها – وفيها اسجل المنيوالاسبوعي والوصفات الجديدة والملاحظات عليها وتشمل ايضا قائمة التسوق ، واستفدت منها كثيرا اذ انها بمثابة سجل تغذوي ساعدني على التنوع واختصار الوقت وتوثيق وصفاتي اول باول اضافة الى انها اداءة مناسبة في تفويض البنات او العاملة في التخطيط والطبخ.

    4- اجندة مالية لتنظيم المصاريف المالية لي وللمنزل والابناء من flying tiger للسنة الثانية اقتنيها ، ايضا تخصيصها ساعدني كثيرا على الادخار ومراقبة النمو المالي.

    5- مفكرة للكتب والذي تحول الى سجل مكتبة المنزل ودفتر استعارة اكثر من كونها مفكرة ، لكن وجودها ساعدني على تفادي تكرار الكتب او فقدانها خاصة مع توسع العائلة .

    واخطط للعام القادم اضافة :
    اجندة مصورة لجمع رسوماتي والصور التي التقطها لاني وجدت اني ارسم كثيرا في اماكن متفرقة و البحث جاري عن مفكرة ملائمة للرسم بالحبر والقلم الرصاص
    كما الهمتني تدوينتك لاقتناء مفكرة صغيرة لقراءة الكتب فانا اقرأ كثيرا خارج المنزل وازدحم جوالي بصور الاقتباسات

    اخيرا لدي ملاحظة مهمة لمن يقتني عدة اجندة :
    نظرا لكونها 5 اجندة احرص عند الشراء على ان تكون متناسقة في اللون ومتفاوتة بشكل طفيف بالحجم لتبدو كمجموعة واحدة وجميلة عند تنسيقها على المكتب
    اخيرا .. شكرا جزيلا على هذه التدوينة القيمة

    1. رائعة يا إلهام!
      أحببت التنظيم وأحببت أيضًا أن هذه التدوينة مثل بعض تدويناتي الماضية تحرض على التعليق ومشاركة التجارب لأجد فائدة وإضاءات تأخذ تفكيري وتجاربي لمدى أبعد.

      شكرًا لك

  2. شكراً على هذه التدوينة العملية! وأحب أن أسجل بداية أن الميل للعفوية المقيّدة أنجع وأدوم،على الأقل في تجربتي حتى الآن، وأيضا توصية الهرب من أي شيء رقمي، فلتحيا رومانسية القلم والورق. أما تجربتي فمنذ زمن بعيد بدأت استخدام الأجندات السنوية المقسمة لأشهر وأسابيع على سبيل التوثيق، ثم انتقلت لجداول موجي الرهيبة لكن لأنها مجرد جداول ولا تسمح بمساحات أكثر ووجدت أني سأحتاج معها لدفتر إضافي، نبذتها بعد سنتين أو ثلاث، اليوم ومنذ سنتين أو نحوها أستخدم دفتر واحد أو كتاب واحد، اسميه كتاب الكمنبليس (commonplace)، الفكرة في شكلها الأخير صارت تركيز على تدوين التاريخ الشخصي في الأساس وأداة رافعة ومساعدة للإنجاز من باب ترتيب ما أريد فعله وكذلك جمع ما أود أن أقوله لمن بعدي مما يمعته أو قرأته، ففي أول الدفتر/الكتاب بعد البسملة تكون الإدخلات باليوم والتاريخ وتحتها رقم لكل إدخال، وتستمر الإدخالات دون أية ترتيب طوال الصفحات حتى تصل للألوف ربما، وفي كل شهر أرسم باليد دون مسطرة جدولات من 35 مربع مثل بيوت الحمام لكل يوم من أيام الشهر ويكون فيه توثيق لما حصل أو تخطيط لما سيحصل، ألصق في صفحاته تذاكر أو رسمات أهديت لي أو فواتير لها ذكرى، وفي آخر الدفتر تقويم سنوي، وعادة أسمي الأشهر في سنة ما بمسمى يعكس ظروف ترك المرحلة، مثلا: سبتمبر التخفف، مثل شجرة تطرح أوراقها، أو في مارس جملة إنه الربيع يا سادة، طبعاً هذا دفتري الشخصي، مثله تماماً هناك دفتر ليوم العمل، كل يوم أكتب مهام جرت أو ستجري تحت تاريخ واسم اليوم وقد أستخدم الدباسة لإرفاق بطاقة عمل أو ورقة ملاحظات أو أجندة اجتماع حضرته حتى لو كان ذلك على حساب انتفاخ الدفتر ولا باس، وأيضا يوجد تقويم جهة العمل السنوي أيضا. وبالتالي دفتران فيهما من العفوية الكثير مما يجري على علاته، والهدف رصيد ذكريات يشبه ولو على سبيل الشكل مقالات ميشيل دو مونتاني أو مجموع ابن عيسى، شكراً مرات أخرى.

    1. الله الله!
      الحديث عن التدوين والكتابة والورق دائمًا يبهج قلبي.
      عرفت مصطلح commonplace قبل عدة سنوات والموضوع الظريف أني كنت استخدم دفاتر عشوائية لتدوين اشياء متناثرة واسميه “دفتر كلّ شيء”. وصف الكومنبليس يشبه وصفه ومن وقت لآخر أحبّ مشاهدة فيديوهات يصور فيها الأشخاص دفاترهم وكيف يجمعون القصص والمعلومات فيها وكيف يفهرسون المحتوى ويؤرشفون الدفاتر لاحقًا.
      عالم جميل!

      شكرًا لك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.