تزورني منذ فترة فكرة ملحّة: أنّ الصداقات والعلاقات الأولى التي مررنا بها لم تكن مجرد تفاصيل عابرة من طفولتنا، بل كانت أشبه بـ مخطط أولي (Blueprint) يرافقنا ويُعيد تشكيل نفسه في كل علاقة جديدة ندخلها.
ما قبلته لنفسي حين كنت طفلة، وما ظننته طبيعيًا في تعامل الآخرين معي، بقي معي طويلًا، وكأنه أصبح تعريفًا غير مكتوب لهويتي العاطفية. ومع مرور السنوات، بدأت أرى أثر تلك العلاقات في صداقة متذبذبة هنا، أو علاقة مؤذية هناك، حتى وجدت نفسي أكرر نفس الأنماط دون وعي. لقد أدركت – بعد زمن – أنني سمحت بعلاقات لم تنضج يومًا لتصل إلى مستوى الصداقة الحقيقية أن تُحدّدني.
لكن السؤال الذي يراودني دومًا: كيف يمكن لطفلة أو مراهقة أن تعرف الفرق بين العلاقة السليمة والعلاقة المضطربة؟
الطفولة ليست مجرد لعب ومغامرات عابرة، بل هي مختبرنا الاجتماعي الأول. في ساحات اللعب نتعلم المشاركة والانتظار، وفي الصداقات الصغيرة نختبر معنى الثقة والوفاء، كما نختبر لأول مرة مرارة الخيانة أو الغياب.
عالم النفس إريك إريكسون وصف هذه المرحلة بأنها مرحلة الثقة مقابل عدم الثقة، حيث يبدأ الطفل في إدراك إن كان العالم مكانًا آمنًا يعتمد عليه أم لا. هذه البذور الأولى برأيه تمتد عميقًا في وجداننا وتشكل علاقتنا بذواتنا وبالآخرين لاحقًا. أما جون بولبي مؤسس نظرية التعلّق، فيرى أنّ أنماط التعلّق التي نختبرها في سنواتنا الأولى تصبح نماذج داخلية نعود إليها في علاقاتنا اللاحقة، سواء في الصداقة أو الحب أو الأسرة. بمعنى أن الغياب والحضور والاهتمام أو الإهمال الذي عشناه في الطفولة لم يكن حدثًا عابرًا، بل تعليمًا أوليًا لكيفية التعامل مع الآخرين.
إعادة إنتاج الألم
مع مرور الوقت، لاحظت أنني لم أكن أعيش صداقات جديدة بقدر ما كنت أعيد إنتاج صدى صداقات قديمة:
- صديق يغيب فجأة كان كفيلًا بأن يعيد إحياء قلق الانفصال بداخلي.
- علاقة تتجاوز حدودي وتجعلني أفقد صوتي الخاص.
- لحظات أخجل فيها من اهتماماتي لمجرد أنها لم تناسب الآخرين.
- تقبّل سلوكيات مؤذية فقط لأنها بدت مألوفة.
والغريب أنني حين وجدت صداقات طازجة، مليئة بالحماس والاهتمام، لم أشعر بالاطمئنان، بل دفعتني للهروب لأني ببساطة كنت أرى فيها فرط تعلّق واهتمام زائد عن حاجتي! لقد بدا القرب الصحي غريبًا وغير مألوف لدرجة أنه أقلقني أكثر من العلاقات المتذبذبة.
لكن مع التقدم في العمر والنضج والتعلم أدركت أن قلق الانفصال الذي ظننته جزءًا من شخصيتي لم يكن وراثيًا ولا ثابتًا، بل كان ردّ فعل طبيعي على غياب غير متوقع وعلاقات مضطربة. وفي المقابل، عندما واجهت علاقات آمنة ومستقرة، شعرت بالارتباك والرفض بدل الطمأنينة.
هنا فهمت أن أنماط الماضي لم تكن تشرح “من أنا” بقدر ما كانت تصف “ما تعلّمته” مبكرًا. والفرق بين الاثنين جوهري، لأنه يعني استطاعتي على التعلم من جديد وكسر القوالب.
هل يمكننا إعادة رسم خريطتنا؟
الجواب المبدئي: نعم.
وهذا ما ساعدني على التغيير.
الوعي بداية الطريق: أن ندرك أن ما نعيشه اليوم ليس قدرًا محتومًا، بل نمطًا موروثًا من الماضي.
المرونة العصبية: العلم يخبرنا أن الدماغ قادر على إعادة التشكل (neuroplasticity). أي تجربة جديدة، أي علاقة آمنة، يمكنها أن تعيد رسم خرائطنا الداخلية.
العلاقات الراشدة: كل صداقة ناضجة، كل علاقة قائمة على الأمان والصدق، قادرة على إعادة برمجة تصورنا عن القرب والثقة.
خطوات عملية لبناء علاقات صحية جديدة
- مراقبة الأنماط:تدوين المواقف التي تتكرر. متى تشعر بالقلق؟ متى تهرب؟ متى تصمت رغم الألم؟
- رسم الحدود:الحدود ليست أمرًا سيئًا، بل إشارة إلى حب للذات. أن تقول “لا” يعني أنك تعترف بحقك في الأمان.
- اختيار العلاقات الآمنة:لا تمنح قلبك لمن يثير قلقك باستمرار. ابحث عن حضور ثابت واهتمام صادق.
- طلب الدعم:سواء من معالج نفسي أو صديق واعٍ أو مرشد متمرّس، الدعم الخارجي يساعدنا على كسر العادات القديمة.
- التعاطف مع الذات:تذكّر أن الطفل أو المراهق الذي كنتَه لم يكن يتقن التمييز بين الصداقة الحقيقية والعلاقة المؤذية. وبكلمات أخرى: سامح نفسك.
العودة إلى الذات
في النهاية، صداقات الطفولة ليست مجرد صور قديمة أو موجات حنين غامرة، بل هي مخطط أولي يستمر في تشكيل علاقاتنا. لكننا لسنا أسرى له. بإمكاننا أن نعيد تشكيله ورسمه. ربما نقضي حياتنا نبحث عن ذلك الشعور الأول: حين اختارنا أحدهم لنلعب معه في ساحة المدرسة. لكن النضج الحقيقي أن نختار أنفسنا أولًا، ثم نسمح لمن يستحق أن يكون جزءًا من مخططنا الجديد.
وربما أجمل ما حدث مؤخرًا هو أنني عشت ذلك التغيير على أرض الواقع. في مكان العمل، حاولت زميلة بلطفها واجتهادها ومثابرتها أن تقترب مني، تدعوني للقاءات بسيطة وتمضي وقتًا معي. لم يكن الأمر سهلًا عليّ، لكن إصرارها اللطيف اخترق قوالبي القديمة، ووجدت نفسي ابتهج لمحاولاتها الناجحة. أدركتُ حينها أنني كنت بحاجة لمن يمد يده أولًا، ليذكّرني أن الأمان ليس فكرة نظرية بل ممارسة يومية.
وحدث هذا تحديدًا في فترة كانت تواريخ ميلاد بعض صديقاتي القديمات تمرّ في ذاكرتي بلا دعوة مني. لا أدري لِمَ احتفظ عقلي بهذه التواريخ بالذات، لكنها كلما عادت أيقظت في داخلي شيئًا من الألم. ومع ذلك، كان في هذه الصداقات الجديدة ما ينعشني ويعيد لي الإيمان بأن القلب لا يشيخ، وأنه قادر على استقبال صداقات صحية ودافئة، حتى بعد كل ما مضى.
وهكذا أتعلم أن مخططات الطفولة لا تُمحى، لكنها قابلة لإعادة الرسم كلما أفسحنا المجال لعلاقات صادقة وجديدة. الصداقة الحقيقية قد تبدأ في أي عمر، وفي أي مكان-حتى في أروقة مكان العمل- إذا كنا مستعدين أن نلين قليلًا، ونسمح للآخرين بأن يفتحوا لنا أبوابًا لم نجرؤ أن نطرقها وحدنا.
.
.
Painting by Amanda Blake
.
.
امتلك تجربة مشابهة لمشاعرك في هذه التدوينة ويسعدني نجاحك في تحسين وخلق علاقات صحية من جديد فهذا يعطيني الأمل
السادس سبتمبر هو يوم ميلادي و شعرت أن هذه التدوينة رسالة لي. أتفق معك في كل ماكتبتيه بل شعرت بالسعادة أن شخصا ما تحدث عن الصداقة خلال عقود حياتنا المختلفة بهذه الطريقة.
شكرًا لكِ هيفاء.
إن سمحتِ لي أودُّ لو أضيف إلى ما ذكرتِ بشأن عدم مقدرة الطفل على تمييز صحة العلاقة من عدمه. أؤمن يقينًا أنّ العامل الأكبر يعود لاستقرار البيت وصحيّة العلاقة بين أطرافه -الأب والأم بالذات-، للثقّة الممنوحة، ولمستوى الاحترام الذي يُتعامل به في المنزل. إن تشبّع الطفل بالاهتمام والتواجد الآمن والتقدير المتوازن= سيكبر رافضًا للنقص في أيّ منهم في علاقاته مستقبلاً، بمعنىً آخر؛ لن يقبَل على نفسه.
كتاباتك تأخذنا لمواضيع جديدة وشيقة تساعدنا كثيراً، عندما تشاركيننا استكشافك لمصطلحات ونظريات تفسر ما نتعرض له كبشر يجعل منك مبعوثة خير كثير، أتعاطى كتاباتك مثل نشرة أسبوعية وأستمتع وأستفيد في بحبوحة يوم الخميس الذي يشبه الروضة المُربعة مقارنة بجبل الأحد الشاهق! ش ك ر ا.