العودة إلى مائدة تعرفني

حين بدأت التخطيط لهذه التدوينة، وجدت نفسي أنطلق مباشرة إلى التفكير في وصفاتي المفضلة: ما الأطباق التي أحبها فعلًا؟ ما الذي أعود إليه كل أسبوع؟ وكيف أحضّره؟ لكنني أدركت سريعًا أن الفكرة الأصلية لم تكن في الحديث عن وصفات ناجحة أو أطباق لذيذة، لكن الغرض الأساسي من كتابة التدوينة: الحديث عن القائمة المألوفة من الوجبات التي أعود إليها باستمرار، والتي تجعل أيامي أفضل، مهما كانت مثقلة أو مرهقة. هناك فرق بين الطعام بوصفه حاجة يومية وغذاء وقوت، والطعام بوصفه شكلًا من أشكال الرعاية وإضافة اللطف على الحياة.

وأنا في كثير من الأيام، أبحث عن هذا اللطف بالذات.

الإفطار بالنسبة لي لا يسبب الحيرة نفسها. أفكر فيه بسرعة وسهولة غالبًا قبل النوم أو بعد استيقاظي: هل أريد البيض مسلوق أو مقلي؟ هل أحبّ تناول فطيرة محلّاة أو منقوشة من مخبز في طريقي؟ الخيارات بسيطة والإعداد أو الشراء سهل ولذلك لا يبدو كعبء حقيقي. أما العشاء فهو قصة مختلفة. يأتي في نهاية يوم طويل في اللحظة التي تكون فيها طاقتي انخفضت إلى أدنى حدّ، ويصبح السؤال ماذا سأتعشى؟ أثقل بكثير من كونه سؤالًا عن الطعام فقط. إنه سؤال عن القدرة والمزاج ومقدار ما تبقى في داخلي من استعداد لاتخاذ قرار آخر!

لهذا أحب أن يكون لديّ عشاء معروف مسبقًا، أو على الأقل باحتمالات محددة وواضحة أستطيع العودة إليها دون تردد. وربما لهذا أحب التخطيط للطعام والوجبات أصلًا. لأن إعداد الطعام بالنسبة لي، أحد أشكال إظهار الحب للنفس وللآخرين. والأيام التي أتناول فيها الطعام بشكل عشوائي بلا تفكير أو عناية تزعجني. هذه العشوائية تذكرني بالفوضى التي أحاول أن أتفاداها في حياتي اليومية.

لديّ ثلاث وجبات أحب العودة إليها أكثر من غيرها: السالمون المشوي بالعسل، وأورزو الخضار المشوية، وتاكو الدجاج المقلي. أثق في هذه الأطباق لأنها لذيذة، منعشة ومتنوعة وأعرف أنها قابلة للتكرار والتنويع ومع ضبط الوصفة واتقانها يمكنني الاعتماد على نجاحها كلّ مرة.

أحب في السالمون المشوي بالعسل ذلك التوازن بين الحلاوة الخفيفة والطعم الغني والارتباط بالأطعمة الآسيوية التي أحبّ عندما أضيف له حرارة إضافية ومكونات من المطبخ التايلندي أو الياباني. أما أورزو الخضار المشوية ففيه شيء مريح على نحو خاص؛ طبق دافئ ملوّن فيه البطاطا الحلوة والفطر والبلسميك ويمكن أن يؤكل وحدة أو يرافقه السلمون أو الدجاج بسهولة. وتاكو الدجاج المقلي له بهجته الخاصة لأنه يذكرني بالبرغر الجاهز الذي نتناوله أيام الذهاب لشاطئ البحر أو في اليوم المفتوح بالمدرسة، وكأنه مكافأة صغيرة في نهاية يوم طويل وكل وجبة تعطيني شعور بالخفة والإشباع الحسّي والمعنوي.

أحبّ في اختباراتي أنها لا تحدني بشكل واحد، فإذا توفر الأساس منها يمكنني إعداد نسخ مختلفة أكثر. السالمون يؤكل كما هو أو مع البطاطا المشوية أو الأرز الأبيض أو في ساندويتش تاكو. والأورزو طبق جانبي أو أساسي على حسب شهيتي وجوعي. كل هذه المكونات تحضّر في الفرن أو تُشوى أو أحضرها في القلاية الكهربائية. وكلها في الغالب لا تستغرق أكثر من ٤٥ دقيقة للطهي.

قد يبدو غريبًا أحيانًا أن أحتفظ بهذه القائمة المختصرة من الوجبات، مع أنني أعرف كيف أطبخ وصفات كثيرة، وأستطيع نظريًا أن أختار من قائمة أوسع بكثير. لديّ ثلاث عناصر مهمة هنا: السهولة والثقة والألفة.

العدد المحدود من الخيارات يخفف إرهاق اتخاذ القرار. بدل أن أقف كل مساء أمام احتمالات لا تنتهي، أعود إلى خيارات أعرفها جيدًا وأعرف ما الذي تمنحني إياه. وهذا بحد ذاته يوفّر عليّ جهدًا ذهنيًا لا أريد أن أبذله في نهاية اليوم. كما أن وجود هذه الوجبات في ذهني يمنحني شيئًا صغيرًا ومحببًا أتشوق إليه أثناء العودة إلى المنزل لأنني أعرف أن هناك وجبة أحبها تنتظرني، أو على الأقل يمكن أن أنتظرها. الوجبات المألوفة أيضًا تترك لي مساحة للاستمتاع بالطهي بدلًا من أن أتعامل معه كواجب يومي ثقيل. كما أنها تمنحني شيئًا أحبه كثيرًا: ثبات الجودة. أعرف تقريبًا كيف سيكون الطعم، وأعرف أن النتيجة سترضيني، وهذا وحده راحة.

ومع هذا الثبات والتكرار هناك أمر مهمّ: أنا لا أجهز العشاء كل ليلة، وهناك أمسيات يكون فيها خيار العائلة الممتدة هو الأفضل والألطف، فأتناول مما أعدّوه يومها من دون تردد. وهذا جزء من ارتياحي مع الفكرة أصلًا: أن تكون لديّ قائمة أعود إليها، لا نظام أعاقب نفسي إن خرجت عنه فقد أخذت كفايتي من الأنظمة الغذائية الصارمة وتحديد الوجبات!

ومن الناحية العملية، أحب أن هذه الوجبات سهلة التذكر؛ فلا أحتاج في كل مرة إلى البحث عن وصفة أو مراجعة خطواتها. وهي سهلة للتسوق أيضًا، لأن معظم مكوناتها متوفر في المنزل عادة أو يسهل طلبها من تطبيقات توصيل البقالة. وحده السالمون أحب أن أختاره وأشتريه بنفسي. وربما لأنني أحب هذه الوجبات تبدو لي دائمًا جديرة بهذا الجهد البسيط.

وأحب أنها ليست وجبات أفضّلها وحدي. أنا وأختي نشترك في حبها وهذا يمنحها معنى إضافيًا بالنسبة لي: هذه أطباق تضمن الرفقة أيضًا. وفي كثير من المرات، هذه الرفقة جزء من الوجبة نفسها، وجزء من الراحة التي أبحث عنها فيها.

أسهبت في الحديث واستطردت لكن الفكرة واضحة الآن. لا أبحث عن تنوع شديد وإبهار وكفاءة. وأظن أن موضوع الأكل امتد لجوانب أخرى من حياتي فأصبحت أعود لقائمة محددة من الأماكن للزيارة، أو السفر أو التسوق. الحياة تحتاج لخيارات محدودة آمنة تمنحنا اليقين.

وأنتم هل لديكم قوائم مشابهة تشاركونها معي ومع القرّاء؟

،

،

،

Painting by Jacob Foppens van Es (Flemish, c. 1596 – 1666)

.

.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.