١٤ | الكتابة من القاع

“أحيانًا عندما أشرع في كتابة قصة جديدة وأجد صعوبة في إتمامها، أقف متأملا أسطح باريس وأقول لنفسي: لا تقلق! لقد كتبت من قبل وستكتب الآن. ما عليك سوى أن تكتب جملة صادقة واحدة. اكتب أصدق جملة تعرفها. كنت أكتب تلك الجملة ومنها تنبثق الحكاية.”

-إرنست همنغواي

مررت بهذا الاقتباس قبل عدة أيّام وفكّرت في شعور مشابه. أحبّ الكتابة وأنطلق بها أيامًا عديدة بلا توقّف. اتخلص من حبستي وتعود بلا مقدّمات أو إشارة. أكتب في كلّ مكان بسلاسة وانطلاق لكن عندما يرتبط الأمر بالمدونة أفقد شهيتي ورغبتي بمشاركة أيّ شيء. قرأت همنغواي وفكّرت في الكثير من الجمل الصادقة التي أودّ مشاركتها ولتكن هذه التدوينة بوابة العودة للحديث من جديد.

انتهى الصيف رسميًا بالنسبة لي. يمكنني الشعور بذلك في هواء المساء. في تغير حرارة الماء خلال النهار. وفي مزاجي بشكل واضح. ترك الصّيف أثره المنعش بعد المغامرات المتعددة التي كسرت رتابة أيّامي. الكثير من الأحلام القديمة تحققت فجأة وكأنها خرجت من صفحة منسية في مذكرات هيفا المراهقة! كانت أجمل اللحظات حضور حفلة فرقة Oasis   بصحبة أخواتي. أغنياتهم خلفية موسيقية للتسعينات ولم تغادر ذاكرتي أبدًا. لم تكن مجرد حفلة موسيقية. كان المشهد الأكبر: اجتماع أخوين بعد سنوات من الخلاف. يعتليان المسرح معًا من جديد. كانت العودة ممكنة متى ما وجدت الرغبة. وأنا وسط الآلاف من الحضور أحسست أني أعقد هدنة داخلية مع ذاتي.

ما أن هدأ صخب العطلة، وتبعه رحلة سريعة للدراسة ظهر داخلي فراغ مختلف. مشاعر متزاحمة وأولويات غير مستقرة ووحدة غريبة اتخذت شكل منحدر! وفي مواجهة ذلك قررت وضع أوتاد صغيرة في أرضي المضطربة: استعادة الروتين الذي فررت منه. عدت للاستيقاظ المبكر، والقراءة الاجبارية في البدء ولاحقًا استعدت المتعة. النوم المنتظم والغذاء الذي اختاره بتركيز أظهر لي إيجابيات سريعة ضبطت إيقاع جسدي. لم أحاول إعادة بناء كلّ شيء دفعة واحدة. اخترت لكل عدة أيام فكرة جديدة للتبني، كما لو كنت ابدأ من الصفر. وهذا التراكم الهادئ وضع الأسس الأقوى.

استطرد كثيرًا في حديثي وفي كتابتي. قبل قليل ذكرت شعور الوحدة وهو ليس بالشعور السهل وصفه. خاصة إذا كنت شخصًا بدائرة اجتماعية وحياة مزدحمة -في ظاهرها. تغيّرت ملامح العلاقات من حولي خلال السنوات القليلة الماضية. وجوه غابت وأخرى ظهرت. والغريب أني وجدت نفسي في دورٍ مختلف: أصغي أكثر مما أتكلم، أقدم النصيحة أكثر مما أطلبها. تجلّى دور الأخت الكبرى بوضوح. لكن العزلة تنمو بتسارع غير مسبوق. شعور الاستسلام ربّما أمام فكرة انعدام الفهم أو الأسوأ: التغاضي عن فكرة أن تكون مفهومًا. مرئيًا. أظن أنّ هذا الشعور محايد أو ربما أقوله لنفسي. لكن الخبر الجميل والمبهج وسط هذه الزرقة الداكنة، أني أصبحت أكثر تجاوبًا مع المبادرات التي تظهرها رفيقات العمل أو المتابعات لي أو معارفي المشتركة. هناك سعادة من نوع خاصّ أجدها عندما أتصرف بشكل غير متوقّع على الأقل من نفسي. وبالعودة قليلا لموضوع انعدام الفهم: ربما أحتاج لمزيد من الجهد، بدلا من انتظار أن أُفهم تلقائيًا. سيساعدني اختيار شخص مقرب ومشاركة تجربة أو شعور بداخلي بصدق ووضوح. هذا الأمر أفضل من الغياب والعزلة الكاملة. قرأت في نشرة بريدية ذات مرة تقنية لطيفة ساعدتني في تأمل أيامي بشكل أفضل. اكتب في مذكرتي في نهاية الأسبوع “ما تصالحت معه هذا الأسبوع” حتى لو كان أمرًا صغيرًا لا يثير الانتباه. فكرة، أو ذكرى، أو علاقة مضطربة، أو عادة اكتسبتها أو تخليت عنها. تذكرت مع هذا التمرين دفترًا قديمًا اسميته “دفتر التغيير” كنت أدون فيه كل تغيير جديد اعتمده في حياتي. وكلا الفكرتين مهمة في تذكيري بأن التغيير يحدث فعلًا صغر أو كبر.  وأن الحياة تمضي وتتحرك بسرعات مختلفة سواء انتبهت لها أو لم انتبه. والخلاصة من هذه التدوينة المتشعبة كالعادة؟

  • حوّلت وحدتي لمساحة مراجعة وبدأت الفكرة في رحلتي القصيرة لحضور دورة تدريبية. استعدت لذة السفر وحيدة ومع قرصات الوحدة الصغيرة التي شعرت بها دوّنت مشاعري الصادقة التي تبدأ بماذا؟ وتنتهي بـ: هذا ما سنفعله!
  • بناء روتين صغير متدرج.
  • ضبط النوم والغذاء وتحريك الجسد.
  • اختيار التواصل الحقيقي والواعي، حتى لو كان محادثة قصيرة لعدة دقائق. أفضل بكثير من الانغماس بصخب لقاءات اجتماعية مجهدة.
  • ممارسة التصالح الأسبوعي مع أي جانب حياتيّ يحتاج ذلك.

استعيد بداية التدوينة واقتباس همنغواي: “اكتب أصدق جملة تعرفها.” ربما كل ما فعلته هنا هو محاولة صادقة للتوثيق؛ توثيق عودة بسيطة، وتغييرات صغيرة، ومشاعر متناقضة لكنها حقيقية. وربما تكون هذه التدوينة نفسها الجملة الأصدق التي كنت أبحث عنها منذ أشهر.

الكتابة بالنسبة لي لا تعني فقط ملء الفراغ على الشاشة أو الورق، بل هي وسيلة لإعادة ترتيب حياتي من جديد. حين أكتب أستطيع أن أرى الصورة الأوسع: كيف تغيّر إيقاع يومي، كيف عدت للروتين تدريجيًا، وكيف وجدت في أبسط التفاصيل إشارات صغيرة على أنني بخير. هذه التفاصيل عادة ما تضيع وسط زحمة الأيام، لكن التدوين يعيدها إلى الواجهة، يمنحها قيمة إضافية ويذكرني بأنها تستحق أن تُلاحظ.

أشعر أن العودة للتدوين بعد فترة من الانقطاع تشبه الوقوف عند مرآة صافية. أرى انعكاسي بوضوح، أحيانًا يعجبني وأحيانًا يربكني، لكنني في كل الأحوال أتعامل معه بصدق. لا أحتاج أن أُجمّل أو أبرّر، فقط أن أدوّن الأشياء كما هي.

قد لا تكون لدي إجابات جاهزة لكل الأسئلة التي أطرحها على نفسي مؤخرًا، لكن التدوين نفسه شكل من أشكال الإجابة. هو إعلان أنني موجودة، وأنني أتحرك، حتى وإن كانت الخطوات مترددة. وأن التغيير يحدث فعلًا، ليس كقفزة مفاجئة، بل كسلسلة من المحاولات الصغيرة التي تترتب ببطء وتبني أساسًا أكثر ثباتًا.

لذلك، أسمح لهذه التدوينة أن تكون علامة بداية. بداية عودة للتدوين بلا شروط ولا توقعات عالية. بداية لحديث طويل لا أعرف إلى أين سيقودني، لكن يكفيني أنه بدأ. وربما كما قال همنغواي كل ما أحتاجه فعلًا هو جملة واحدة صادقة.

.

.

.

١٣ | من أنت حين تتوقف عن العمل؟

لا أعلم متى كانت اللحظة الحاسمة التي أدركت معها أن مساحة حياتي العملية والشخصية اختلطت تمامًا بلا عودة! ربما كانت مجموعة من المواقف، أو الوقفات؟ أو اللحظات التي سألت فيها نفسي: لمَ أترك العمل ولا يتركني؟ أغلق الجهاز وأعود للمنزل وتبقى إشارات وتنبيهات البريد تلكزني لتربك سلامي. أذكر قبل سبع سنوات تقريبًا مررت بلحظة قررت بعدها ترك وظيفة والبقاء في المنزل بلا خطة حتى أعيد ترتيب كلّ شيء. كنت محظوظة بأني امتلكت خطة توفير مسبقة ومبلغ مالي يساعدني في اتخاذ قرارات الوظيفة التالية من منطلق قوّة. لم أكن أبحث عن توازن مثالي وتامّ لكن فاصل صحي، يجعلني أعمل بذهن صافٍ وأعطي كلّ ما لديّ، وفي الوقت نفسه مزاج طيّب ومساحة استرخاء دافئة.

لم أكن دائمًا الشخص الذي يبني هويته الكاملة حول حياته المهنية، لكني وقعت في الفخ لفترات قصيرة وأنقذت نفسي بأعجوبة. الانغماس الكامل في العمل لم يترك أثرًا جيدًا عليّ. صحتي وحياتي الاجتماعية وعلاقتي بهواياتي ومفهوم الراحة والإنجاز بشكل عامّ تأثرت.

هذه التدوينة لا تدّعي إيجاد الحلول لكل من يعاني من هذه المشكلة، لكن فيها خلاصة تجربة شخصية، وبحث، وأفكار مساعدة. لكل منّا تجربته الشخصية التي قد نتشابه في بعض تفاصيلها ونختلف في أخرى. كانت مشكلتي مع الجانب المهني من شخصيتي ليس انمساخ تامّ ليصبح يوم العمل كل ما اتحدث عنه أو أفعله، بل غياب الحدود بين تلك المساحة ومساحتي الشخصية. إذا لم تكن هذه مشكلة تعاني منها فهذا عظيم! وإذا كانت هذه مشكلتك تابع القراءة وقد اقترح عليك شيئًا ملهمًا.

خلال بحثي عن الموضوع وجدت مصطلحًا يستخدمه علماء النفس “التورّط – Enmeshment” وهذا وصف لحالة تتلاشى فيها الحدود بين الأشخاص وتفقد الهوية أهميّتها. لكن في حالة حديثنا هذا يصبح التورّط مع حياتك المهنية. وكان هناك مجموعة من الأسئلة لتساعدك على اكتشاف تورط حياتك الشخصية وهويتك مع حياتك المهنية:

  • ما مدى تفكيرك في وظيفتك خارج المكتب؟ هل عقلك منشغل بشكل متكرر بأفكار العمل؟ هل يصعب عليك المشاركة في حوارات مع الآخرين لا تتعلق بعملك؟
  • كيف تصف نفسك؟ ما مدى ارتباط هذا الوصف بوظيفتك أو منصبك أو شركتك؟ هل هناك أي طرق أخرى تصف بها نفسك؟ ما مدى سرعة إبلاغك للأشخاص الذين التقيتهم للتو عن وظيفتك؟
  • أين تقضي معظم وقتك؟ هل اشتكى لك أحد من قبل أنك تقضي وقتًا طويلاً في العمل أو أداء مهامّه؟
  • هل تملك هوايات خارج العمل لا تتضمن بشكل مباشر مهاراتك وقدراتك المتعلقة بالعمل؟ هل أنت قادر على قضاء وقتك باستمرار في تمرين أجزاء أخرى من دماغك؟
  • ما شعورك لو لم تتمكن من الاستمرار في مهنتك؟ هل الفكرة مزعجة لك؟

هذه الأسئلة مناسبة للتأمل كبداية! هل أثارت قلقك؟ أو شعرت بأنها مبالغة وغير منطقية؟ قد تكون المرحلة الأولى لتقييم الوضع من قراءة الأسئلة والاجابة عليها بصراحة – ولا مشكلة من استشارة شخص تثق به فأحبتنا دائمًا يصدقوننا القول في هذه الحالات. كيف يمكننا إذًا مقاومة هذا التورّط وتعلم كيفية الفصل الصحي بين حياتنا المهنية والشخصية – كضرورة لرفاهية العيش؟

هذه خطّة مبسطة (مقترحة) لتفكيك المشكلة وحلّها.

المرحلة الأولى: الوعي والتقييم.

  • ما الذي تمر به الآن؟ وما الذي تأمل في الحصول عليه؟ (هل تبحث عن الاسترخاء؟ ممارسة الهوايات؟ قضاء وقت أطول مع العائلة والأصدقاء؟ أو مساحة للنمو الشخصي والتعلّم؟) معرفة الدوافع يساعدك على البقاء في المسار الصحيح.
  • راجع وقتك الحالي، تابع أسبوع من حياتك وكيف تقضي وقتك فيه خارج ساعات العمل. هل تفضل كتابة الملاحظات في مذكرة أو حتى مذكرة الهاتف الرقمية. كلما كنت صريحًا وصادقًا مع نفسك كلما توصلت على لبّ المشكلة بشكل أسرع.
  • أين تتسرّب حياتك المهنية لوقتك الشخصي؟ مثلا: التحقق من رسائل البريد الإلكتروني بشكل مستمر وبعد ساعات العمل، تلقي المكالمات والرسائل والردّ عليها، أو التفكير في العمل بشكل مستمر بحيث يطغى على يومك.
  • كيف شكل مساحتك الشخصية المثالية؟ هذا النشاط ممتع حقيقة ومبهج، يذكّرني بورشة عمل قدمتها قبل سنوات وتدوينة هنا عن صناعة يومك المثالي. نفس الفكرة إنما على نطاق أوسع لتشمل كافة جوانب حياتك. قد تكون مساحتك المثالية هي عدة ساعات من القراءة بعد ساعات العمل، أو طبخ طبق شهيّ لعائلتك، أو لقاء صديق مساءً بلا مشتتات رقمية أو مهامّ عمل.

المرحلة الثانية: وضع الحدود

 تضمّ الحدود عدة أشكال ويمكن تصنيفها باختصار إلى:

  • حدود مادية: كمنطقة العمل المحددة وهي مقر العمل الذي تذهب إليه، وقد يكون العمل في المنزل فيشمل منطقة عمل محددة كالمكتب.
  • حدود رقمية: مثل إيقاف إشعارات الهاتف والبريد الإلكتروني، أو اقتناء جهاز هاتف شخصي غير جهاز تستخدمه خلال ساعات العمل.
  • حدود الوقت: ساعات العمل وتحديدها بوضوح (متى يبدأ يوم عملك ومتى ينتهي؟ بلغ الجميع بهذا وكن ملتزمًا تجاه نفسك). يندرج ضمنها أيضًا تحديد وقت شخصي غير قابل للتفاوض أو التأجيل كالزيارات العائلية أو ممارسة الهوايات والأنشطة.
  • حدود التواصل: يمكننا تلقي الرسائل في أي وقت لكننا نحدد متى نتجاوب معها. رسائل العمل يمكنها الانتظار لليوم التالي، ومثلها رسائل الهاتف. حدود التواصل تتطلب قول “لا” كثيرًا وللأسف كانت عادة صعبة تدربت عليها لسنوات حتى تمكنت منها.

المرحلة الثالثة: تنمية المساحة الشخصية

قد تكون هذه المرحلة هي الأصعب في نظري لأنها تتطلب العمل والانتباه والحرص على قضاء أوقات طيّبة ما استطعت كي لا أنزلق لنمطي السابق. قبل فترة قررت قرارًا لطيفًا: أريد صيفًا يشبه صيفيات الطفولة. الكثير من الراحة والقراءة واللعب والبوظة! وهذا ما يمكننا أن نفعله في مساحتنا الشخصية عندما نستعيد السيطرة عليها.

  • أعد التواصل مع هواياتك القديمة وأي أنشطة تشعرك بالسعادة مثل القراءة، اللعب في الخارج، أو الطهي والفنون الإبداعية.
  • استثمر في مساحتك الشخصية. مثل إعادة تأثيث أركان في المنزل، أو شراء عدة فنون، أو الاشتراك في موقع تعليمي ممتع.
  • تمرن على الحضور الكامل في وقتك الشخصي وتخلص من تشتت المهامّ والعمل على أكثر من جبهة.
  • أعط أولوية للوقت مع الأصدقاء والعائلة وأي دوائر اجتماعية يمكنك التواجد فيها بمعزل عن حياتك المهنية.

يتبع هذه المراحل بالتأكيد المراجعة والتعديل المنتظم بحسب ما تقتضيه الحياة وتحوّلاتها. والبدء بالتدريج طبعًا فكلّ خطة فشلت فيها كانت بسبب حماسي والاندفاع الذي يولد مع الانطلاق ويخبو تدريجيًا كون الهدف أكبر وأصعب من معطيات واقعي. يساعدني أيضا بالإضافة لكلّ ما سبق الاحتفال بالتغيرات الصغيرة وأثرها على أيّامي، حتى لو كانت فسحة في نهاية الأسبوع أو نصف ساعة يومية أسرقها لقراءة مقالات المفضلة. طالمًا أوجد الوقت لنفسي ونموّي الشخصي أولًا سأكون سعيدة وراضية. أضيفوا إليها الصبر! الكثير من الصبر والحلم مع أنفسكم.

لم أنسَ أيضًا توقّع المشكلات التي قد تواجهكم وجمعتها وأعراضها والحلول المقترحة في الجدول التالي لسهولة الاطلاع:

مشكلات قد تواجهك – اضغط على الصورة للتوضيح

استعدت مع كتابة هذه التدوينة لحظات كثيرة في حياتي المهنية التي امتدت حتى اليوم لأكثر من عشرين سنة. كنت استمد قوّتي من معرفتي الأكيدة بهويتي وما أحبه وما أفضّله ومعرفتي أيضًا باللحظة التي تستدعي تدخلي لإصلاح حياتي الشخصية وضبطها أو مغادرة وظيفة إلى أخرى تسمح لي بذلك.

أمرٌ ظريف حدث خلال ساعات كتابة التدوينة. فقد تلقيت بريدًا من صديقتي تطلب مني الاطلاع على ملفّ للعمل. نظرت للساعة وعدت للكتابة في شاشة الكمبيوتر ثمّ قررت الرد على رسالة بعثتها في هاتفي: “أرجو منك الاطلاع على الملف إذا كان الوقت مناسب.” ثم تبعتها بـ”إذا لم يكن لديك المزاج، اتركيه للغدّ”. أخبرتها أني سأتركها للغدّ بالتأكيد فليس لدي الوقت. ثم أخبرتها أيضًا أني أعدّ تدوينة عن الفصل بين الحياة المهنية والشخصية. ضحكنا من الموقف وقررت إضافته هنا كقفلة للموضوع!

تسعدني قراءتكم ويسعدني أيضًا معرفة رأيكم في هذه المشكلة -إذا كانت مشكلة لديكم- كيف تمكنتم من الفصل بين الشخصيتين؟ وكيف تحافظون على مساحتكم المقدسة.

.

.

.

* Collage by Stephen Sheffield

 

.

.

١٢| محطة تبديل

تنتظر عائلتي هذا المساء وجبة شهيّة وعدتهم بتحضيرها ليلة البارحة. تذكّرت الأمر الذي أنساه دومًا: لا تقدم أيّ وعود وأنت في حالة سعادة غامرة! وهذا ما كان يوم أمس. قدّمت أولى ورش السنة في مجال الكتابة الإبداعية بالتعاون مع بيت كلمات. كانت ورشة ممتعة تعلّمت منها الكثير والتقيت بمجموعة منعشة من الحضور. أتطلع لتقديم مزيد من الورش خلال هذه السنة وسيكون منها نسخ متنقلة بين مدن المملكة وأخرى أقدّمها رقمية.

بدأت كتابة مسودة هذه التدوينة قبل أسبوعين تقريبًا، يومها أغلقت جهاز سخّان الماء وهذا التقليد السنوي يعلن انتهاء الشتاء رسميًا، واستعدادي لصيفٍ طويل على ما يبدو. تخففت من فكرة التدوينات الأسبوعية أيضًا، اثقلت نفسي بوعد قطعته في لحظة سعيدة بكتابة تدوينة كلّ خميس. لكنّ القفز بين مهام الكتابة في العمل، وإتمام فصول كتابي ليظهر هذا العام أرهقني! لديّ هدف كبير واحد، وسأزور المدونة لأتنفس من حين لآخر ولأشارككم تحديثات أحبّها.

أبريل ومايو ذابت على بعضها مع ارتفاع درجات الحرارة وهكذا تفاعلت مع كلّ الأحداث التي أحاطت بي. ذهبت في رحلة ممتعة وغريبة خططت لها منذ بداية السنة. كانت زيارتي الأولى لمدريد الإسبانية محفوفة بالمغامرات. ولذلك أقول لكلّ من سألني عن رأيي وتجربتي: احتاج إعادة لهذا المشهد! خلال عدة أيام جربت تبدل الفصول وزرت حدائق ومشيت في الشوارع التهم العمران الرائع بعينيّ. وكلّ هذا بلا خطة مسبقة. لم أفعلها من قبل في أيّ رحلة. هذه المرة فقط تحققت من حجز رحلة يومٍ واحد لغرناطة وقصر الحمراء، وحجزت كلّ تفاصيلها قبل شراء تذكرة السفر إلى مدريد.

كنّا أن ومنى أختي نقضي النهار في التجول الهادئ والتسوق واكتشاف المنطقة ونقرر خطوتنا القادمة حسب طاقتنا واهتمامنا. فاجأتنا ماراثونات متتالية، وإضراب عمّال النظافة، ويوم كامل بلا كهرباء في حادثة غير مسبوقة. فقدت السيطرة على خطة مدريد بالكامل، وغرقت في الضحك ومررت بكلّ الفصول. لو لم تكن خطتي الابتدائية هي المرونة والتحرك مع التغييرات لشعرت بالقنوط فورًا.

خلال عطلتي الربيعية تنقلت بين المشاعر والاهتمامات واكتشفت الكثير عن نفسي. أقول لمرشدتي بأن الأشهر الماضية كانت بمثابة الوصول للقاع، أردت السقوط العشوائي حتى تلمس قدماي نهاية هذه الحفرة. وسأحمل نفسي حينها وأعود. أهملت كلّ شيء وتوقفت عن الانتظار والاكتشاف. طال الوقت وتأملت نفسي لأجد أن الجلوس في هذه الحفرة كان ممتعًا ولا يبدو أنّي أعارضه أو أعمل على إصلاحه. كان قاعًا مفتعلًا. حفرة حفرتها لنفسي وتسللت إليها.

عامل الحركة والتغيير بدأ منذ حصلت على رخصة القيادة، هذا مشروع ميّت استيقظ وأتممته بأجمل صورة، لماذا لا ينجح الأمر مع كلّ شيء؟ بدأت بنفض حياتي بالمعنى المجازي والحقيقي. ما الذي كنت انتظره قبل هذه اللحظة؟ العودة لتقديم ورش العمل في الكتابة؟ بدء برنامج رياضي صارم استعيد معه لياقتي؟ محاربة الأرق؟ إنعاش علاقات؟ إنهاء أخرى؟ وهكذا وضعت قائمة مطوّلة تنتظر العلاج والانتباه.

شعار المرحلة هو تغيير المنظور، وبدأ الأمر مع شهر رمضان الماضي وامتدّ لعطلة العيد وعطلة الربيع والأمر مستمرّ. ما الذي يحدث عندما أغير المنظور؟ مع تغييره اكتشف أنّ ما أظنّه نهاية الطريق هو منعطف أو بداية ممرّ. أو كما اخترت عنوانًا للتدوينة «محطّة تبديل». محطة التبديل هي منشأة تستخدم لتغيير الجهد الكهربائي وتحويله من مستوى إلى آخر، بالإضافة إلى توفير الحماية والتحكم في تدفق الكهرباء في الشبكة الكهربائية (يبدو أني ما زلت متأثرة من انقطاع الكهرباء في مدريد).

 لقد عبرت هذه المحطة خلال الأسابيع الماضية، وتعلمت أن الراحة لا تأتي من الانتهاء كما خمّنت بل أحيانًا بمجرد البدء! كانت الخطوة الأولى التخفف والجرد والتفكير العميق في أولوياتي -من جديد. واعترفت لنفسي أن التعطل المربك كما رأيته لم يكن سوى هدوء ما قبل الحركة. تغير المنظور وآمنت أن البطء فرصة تستحق الاقتناص.

تعلّمت أن الراحة لا تأتي دائمًا من الانتهاء، بل تبدأ من الخطوة الأولى، من الاعتراف أنّ ما كنت أظنه “تعطّل” هو فقط “هدوء ما قبل الحركة”. تغيّر المنظور يعني أن أنظر للبطء كفرصة، وليس كفشل. أن أرى الفوضى كمساحة لإعادة ترتيب الأشياء، لا ككارثة.

حالة التوقف تمامًا عن كلّ شيء لم تكن توقفًا حقيقيًا حتى. كانت حركة غيّرت شكلها. من جري سريع باتجاه هدفٍ بعيد، إلى مشيٍ هادئ داخل النفس. بدأت أتعلّم أن بعض الطرق لا تظهر إلا حين أخفض رأسي، أو ألتفت قليلًا، أو أتطلع لوجهةٍ اقترحها الآخر. الأمر لا يتطلب شجاعة خارقة، ولا قرارًا دراميًا. أحيانًا، مجرد تعديل بسيط في زاوية الرؤية يفتح احتمالات جديدة.

شيء آخر اكتشفته في بحثي هذا، أن زاوية الرؤية ليست بالضرورة مطابقة لما يحدث حولي، بل كيف أقرؤه. وهذا الاكتشاف خفف عنّ كاهلي ثقلا كنت أحمله بلا وعي مني. كنت أهرب من الركود هروبي من المرض والملل. وكنت أرى اختلال الخطّة هزيمة. الموضوع يشبه تعديل جلستي على الكرسي بعد انحناء طويل. تفصيل صغير ومهمل لكن تنفسي تحسّن وظهري سيشركني لاحقًا.

في تطبيق الملاحظات على هاتفي، أؤرخ اللحظات التي غيرت فيها زاوية رؤيتي، فناجين قهوة أقلّ، كتاب واحد يُقرأ ببطء لشهر كامل، ترتيب مكتبتي بشكل مختلف، إعادة مشاهدة مسلسل قديم، والأكثر متعة هو تغيير طريق الذهاب للعمل كلّ عدة أيام واكتشاف مرونتي مع ذلك.  لم أعد أبحث عن إنجازٍ عظيم يؤكد لي أنني على المسار الصحيح؛ يكفيني أثرٌ صغير يهمس لي أنني ما زلت هنا، وأن في داخلي طاقة للحركة، وإن كانت أبطأ مما ظننت.

أشعر بأني استطردت كثيرًا في هذه التدوينة، لكنّه فيض الكلام عندما يداهمني ويصعب تجاهله. قبل مدة كتبت ملاحظة خاصّة لنفسي تذكّرتها الآن، وأظنّها تصبّ في موضوع التباطؤ وتبديل الحركة.

لسنوات طويلة كنت أبحث عن حبّ عاصف يغمرني ويغير نظرتي لنفسي والعالم.

لم يحدث ذلك.

لكنّ اللحظة التي قررت فيها إيقاف محركات هذا البحث المجهد والغريب والمؤذي أحيانًا.

تنبهت إلى أي درجة أصبحت أحبّ نفسي.

أحبّ نفسي بعمق هائل يحتضنني ويعيد ترتيبي كما أتمنى.

بوصلتي واضحة.

كل شيء واضح.  

.

.

.

 

 

 

١١ | القاهرة أخيرًا!

في كلّ رحلة إلى وجهة جديدة أحمل معي توقعات مسبقة واستعد بصورة ذهنية حالمة أحيانًا ومتوجسة أحيانًا أخرى. تسمّي مرشدتي هذا الشعور: بالتفاؤل الحذر! رحلة القاهرة هذه كانت مختلفة فلم يكن هناك توقعات أو بحث أو تخطيط فقد وضعت ثقتي في أخواتي وحماسهنّ للسفر. لم تكن أيضا ضمن خطط رحلات العام، وبدأن بالحجز والترتيب لها وأنا أنظر لهنّ بحماس واشجعهن فقد كانت وجهة منتظرة لسنوات طويلة وحان الوقت لاكتشافها. وعندما اقترب رمضان نجحن في إقناعي، وقررت الانضمام للرحلة. لقد تيسرت الخطة بأجمل صورة وكانت إجازة العيد كافية للانطلاق ولم نحتج لأيام إضافية نقتنصها من العمل. القاهرة عرفتها من القصص والكتب، من الأفلام القديمة والأغنيات التي أحبّ. لكنها كانت ماثلة أمامي، مدينة تتنفس وتتلون وتهمس لي: هنا الحياة كاملة!

سكنٌ على أطراف الضوء

اخترنا في هذه الرحلة السكن بعيدًا عن قلب المدينة وقريبًا من منظر الأهرامات الساحر. منطقة تبدو عليها الجدّة والهدوء والبطء تقع على بعد دقائق من مدينة الشيخ زايد، والمتحف المصري الكبير والأهرامات. هذا ما كنّا نبحث عنه. الأمر السلبي الوحيد في الموضوع هو حاجتنا لقطع مسافة طويلة ووقت للوصول إلى قلب المدينة وأكثر وجهاتنا. لكنّ الطريق كان فرصة للضحك والاكتشاف وتأمل مشاهد الحياة حول القاهرة. لا تسمع هنا أصوات سيارات مسرعة أو منبّهات عالية، فطور هادئ وقهوة ثمّ الانطلاق ليوم حافل.

أمسية وصولنا الأولى قضيناها في القاهرة الجديدة، تحديدًا مجمع Garden 8. تجولنا في المتاجر المتنوعة وأحببت على وجه التحديد متجر Maison 69 متعدد المقتنيات. يضم المتجر مجموعة كبيرة من المنتجات المنزلية والملابس والأثاث والاكسسوارات وغيرها. قضينا وقتًا أطول مما توقعنا هناك وخرج الجميع بمشتريات مختلفة. ذهبنا في رحلتنا لاحقًا لفرع آخر للمتجر في منطقة الزمالك لكنني شخصيًا فضلت الفرع الأوّل.

خيارات القهوة والمطاعم في Garden 8 كثيرة لكن مع ازدحام أول أيام العيد كانت فكرة جيدة حجز العشاء قبل عدة أيام. فكل زاوية في المكان ممتلئة بالزوار والمتسوقين. كان عشاء لذيذ متنوع ومشبع وبه ختمنا ليلة وصولنا للقاهرة.

النهار الأول

صباح اليوم التالي بدأناه بزيارة للمتحف المصري الكبير -وهو كبير فعلاً بمساحة مذهلة! علمنا قبل زيارتنا أنّ الكثير من الأجزاء لم تفتتح رسميًا بعد. لكن هذا لم يقلل من حجم المجموعة الموجودة حاليًا واستمتاعنا بها. المبنى فسيح بنوافذ ضخمة تضيء الزوايا وسقوف مرتفعة -نقطة مفضلة في المتاحف-.

استقبلنا تمثال رمسيس الثاني في البهو الكبير. نظراته الثابتة كأن الزمن توقف ولم يتغير. لدى أخواتي الكثير من المعلومات عن تاريخ مصر القديم والآثار وكل المتاحف والمجموعات التي سنطلع عليها اليوم. أصغي لهنّ والتقط القصص بينما أدور حول التمثال وأفكر في نحته وبنائه ونقله. في زيارتي للمتحف المصري الكبير شهدت جانبًا مختلفًا من شخصيتي: زيارة المتاحف والاطلاع على مجموعات لا أعرف عنها شيئًا.

في كلّ رحلة أو زيارة لوجهة أتطلع لزيارة المتاحف أو المعارض الفنية لرؤية عملٍ بعينه، أو الاطلاع على تاريخ حضارة قرأت عنها كثيرًا وعرفت عنها أكثر. هذه المرة اعتمدت تمامًا على المحتوى المقدم من المتحف لزائريه، على الخرائط واللوحات الإرشادية. ولفتني جدًا جمال توزيع المقتنيات وطريقة كتابة المحتوى. والاستعانة بالتقنيات الحديثة كالضوء والصور المعكوسة عند غياب المحسوسات. كلّ شيء متناغم بين المكتوب والمسموع والمعروض. وبين كل زاوية وأخرى تسمع مرشدًا مصريًا يتحدث للزوار بلغة مختلفة، أعرف أنه مصري لأنّ لهجته تتضح في الاسبانية والإيطالية والفرنسية. لفتني أيضًا طرق العرض والاضاءة التي تعزز من ظهور المقتنيات. ففي مرة كنت أنظر لتابوت خشبي ملون وضع في صندوقه الزجاجي مرآة لنرى الجانب الآخر من التابوت. وهكذا يمكن للزائر وهو يقف في مكانه رؤية كلّ التفاصيل. ربما انتبهت لكثير من هذه الجزئيات لارتباطها بمجال عملي وربما ببساطة لأنّي أرى في كل شيء قصة وكانت قصة المقتنيات تروى بشكل مثالي.

تضمّ مساحة المتحف الكبير عدة متاجر للتذكارات والهدايا بالإضافة للمقاهي والمطاعم مما جعله مكان مثالي لقضاء نصف نهار قبل التوجّه للفندق للاستراحة الأولى قبل المساء.

في المساء كنّا على موعد مع تجربة ممتعة واختبار حقيقي لشخص عالي الحساسية للأصوات والأضواء والسلع المعروضة. نعم، كانت الوجهة خان الخليلي! والطريف في الأمر أنا اختر أكثر الأيام ازدحامًا. عيد واحتفالات وأهل الضواحي والقرى توافدوا إلى المدينة كما يحدث في كلّ المدن الرئيسية. كانت نزهة ممتعة غارقة في العجب والضحك. خرجت منها بشال كشمير مطرّز سيرافقني في عطلتي القادمة. بينما احتضنت أخواتي مقتنياتهم الأثيرة من التحف الصغيرة والحلي الجميلة والملبوسات. في زاوية من المكان التقطت أذني العزف والغناء من قهوة أم كلثوم. ازدحمت الطاولات بالزوار والقهوة والتصفيق. في خان الخليلي، لا تشتري شيئًا بقدر ما تشتري لحظة، لحظة تعلق في الذاكرة، مثل ضوء ذهبيٍ صغير لا ينطفئ. تلاشت الأصوات تدريجيًا وانسحبت حينما غادرنا المكان. لاحقًا، التقطنا أنفاسنا واستعدنا العاصفة الممتعة التي كنّا فيها وتناولنا العشاء في مطعم ياباني واستسلمنا للنعاس باكرًا.

موعد مع أبو الهول

لو كان هناك مقياس للحماس خلال الرحلة سيرتفع إلى حدّه الأقصى هذا اليوم. رفقة الرحلة كلّها متأهبة للانطلاق نحو الأهرامات التي نظرنا إليها بخجل خلال اليومين الماضية.

لم أحمل معي توقعات مسبقة أو قصص أو مشاعر، كانت معي كاميرا فيلم أبيض وأسود لالتقاط المشاهد وسعدت كثيرًا بالأجواء المشمسة كي لا أعتمد على الفلاش. لم تكن الزيارة من ترتيبي لكنّ أختي اختارت شركة Orascom Pyramids Entertainment  لتنظيم جولتنا الخاصة. بدأنا من مركز للزوار مع مقدمة تاريخية ووقفة مرطبات ووجبة خفيفة. حظينا برعاية ملكيّة في الجولة!

دخلنا بعض المدافن الخاصة، واقتربنا من الأهرامات واختصرنا الكثير من الوقت بالتنقل بسيارة الجولف. لم يخفف ذلك من ازدحام المكان أو شدة حرارة الشمس! خفت أن اتعرض لحالة إغماء من شدة الاجهاد الحراري لكن الوقفات القصيرة التي ندخل فيها إلى ظلمة مدفن ما والبرودة فيه كانت تعيد لنا الانتعاش. لم تكن ضخامة حجارة الأهرامات هي ما اذهلني، رغم أنها تثير الذهول بحجمها ودقتها، إنما ذلك الصمت العميق والكثيف الذي يجردني من ضجيجي الداخلي لأتفكر فيما يحيط بي. مفهوم مرور الوقت والتاريخ وقوة الانسان عندما يصمّم على تنفيذ أمر ما كلها كانت أفكار تدور في ذهني. ولم أنكر ولم أخف حماسي الصاخب عندما حانت لحظة الوقوف أمام أبو الهول، فهو النجم المنتظر من هذه الزيارة. أنظر إليه وأفكر في لولو وهي تجلس بوداعة في بيتنا البعيد.

كلما جلست بهدوء وضمت إليها ذيلها باستدارة ناعمة تذكرت أبو الهول. التقطنا الكثير من الصور التذكارية – صور سياح كما أحب تسميتها. وانطلقنا إلى محطتنا الأخيرة في الزيارة بغداء مشبع ومرطبات تروي الروح قبل الجسد في مطعم خوفو. كانت تجربة من تجارب العمر التي ستبقى حيّة في ذاكرتنا وستثبتها الصور بالتأكيد، صممت الجولة بحبّ واهتمام وحظينا بمرشدين يحبون الحديث عن التاريخ وتفاصيله.

جمهور المومياوات!

كان هذا اليوم تجربة مختلفة لشخص لا يهتمّ كثيرًا برؤية المومياوات. على العكس من ذلك، سببت لي هذه الجولة فوضى في مشاعري وخوف من الكوابيس اللاحقة. زرنا هذا اليوم المتحف القومي للحضارة المصرية. الإضاءة خافتة وطريق دخولك مستمر وإجباري حتى تنتهي من زيارة الملوك والملكات. وجوههم ما زالت تنبض بالحياة بشكل غريب! ليس رعبًا خالصا ما شعرت به، بل دهشة من ينظر لجسد غادرته الروح منذ آلاف السنين. عضلات الجسد الضامرة والشعر الذي بقيت بعض ملامحه البعيدة وألوانه الباهتة. كان أكثر ما أزعجني في هذه الجولة أن الكثير من الزوّار لم يلتزموا بالهدوء كما أشارت اللوحات الإرشادية، وارتفعت أصواتهم فوق المعقول!

في نفس اليوم اخترنا زيارة متحف الفنّ الإسلامي وكان إحدى اختياراتي المحددة للزيارة في هذه الرحلة. كان توقيت الزيارة مثالي فالمكان لا يعجّ بالزوار. ربما مصادفة رحلتنا وإجازة العيد خففت من ازدحام بعض الأماكن. رُتّبت المجموعات حول المكان على نحو مريح للتجول والاستكشاف. ينتقل الزائر في المكان عابرًا العصور والدول الإسلامية وتقابله أبواب خشبية، وخزف ومخطوطات ومصاحف. قضينا في المكان حوالي الساعة أو تزيد قليلًا وكان لكلّ منّا زاويته المفضلة. بقية نهار هذا اليوم قضيناه في جولة متنوعة في حي الزمالك، وختمنا المساء في أركان بلازا بعشاء مبكّر شهي.

في وداع القاهرة

يومنا الأخير في المدينة قضيناه بالتنقل حولها. زرنا أولًا المتحف المصري بالتحرير. والذي تشير المعلومات إلى أنّه أقدم متحف أثري في الشرق الأوسط، وأول مبنى ينشأ في العالم ليكون متحفاً. بدأت فكرة إنشائه عام 1895، حين فاز المعماري الفرنسي مارسيل دورنيو بالمسابقة الدولية التي تم إقامتها لتصميم مبنى المتحف، وافتتحه الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1902م. حجم المتحف وحجم المقتنيات التي يضّمها لم يتناسب مع الوقت الذي قررت منحه إيّاه. كان الازدحام ملحوظ والكلّ يبحث عن القناع الذهبي لتوت عنخ آمون.

وتظهر أيضا استعدادات نقل المقتنيات والتطوير المنتظر. يبدو المكان كمتحف وورشة عمل ضخمة في نفس الوقت. بعض القطع كانت على ألواح خشبية، وأخرى في صناديق، والحركة والمسارات عشوائية فكلّ منا يبحث عن شيء مختلف! يشبه فتح صندوق ذكريات ضخم وكل زاوية فيه تسرق انتباهك. لا تنظيم صارم، ولا تسلسل واضح لكن الخرائط وسؤال الزوار أو الموظفين كان أفضل مرشد. أحببته حقيقة مع أن التجول فيه وحرارة الجو حينها أتعبني. كان حقيقي لا يحاول التجمل أو الإبهار، متحف واثق من حصيلته! قضينا المساء في شارع المعز مع جولة جديدة بين المحالّ الصغيرة والاستعراضات الظريفة ومظاهر بهجة العيد الممتدة.

انتهت رحلتنا في القاهرة سريعًا، وكنا نعرف ذلك مسبقًا فخمسة أيام غير كافية. وبينما اقتربت الطائرة من مطار الرياض كنا نخطط فعليًا لرحلة قادمة نستكمل فيها حديثنا مع صديقتنا الجديدة. وددت لو شاركت كل التفاصيل والقصص لكن كلما طالت التدوينة كلما ترددت في كتابتها أكثر. وعندما شاهدت تاريخ اليوم أدركت أن الشهر مرّ ولم أشارك القصة بعد.

.

.

.

 

Tapestry in image: The Ramses Wissa Wassef Art Center

.

.

١٠ | خطوة واحدة إلى الأمام

تعيش بعض المشاريع في رأسي لسنوات. اكتفي منها بفكرة أو صورة عابرة شبه مكتملة أو ناقصة أحيانًا. في محاولة جادة لفهم ما أمرّ به فكرت في الأسباب التي أوصلتني هنا. وحتى أكون شفافة وصادقة معكم، الأمر بدأ يتطور ويمتد لكلّ جوانب حياتي. لن أفكر في المشاريع الإبداعية أو المهنيّة التي بدأت وقتلت منها الكثير! لكن الأمر اشتدّ علي عندما أحاط بي في حياتي الشخصية. لا أعلم هل هذا تسويف وحسب؟ أو يأس؟ كسل؟ فوضى؟ – مع إن الفوضى بالنسبة لي رفيقة محببة! كتبت هذه التدوينة في ثلاثة أجزاء رئيسية: تأمل شخصي، ثم حلول لطيفة مجرّبة، وأخيرًا مشاركة لمقتطفات من تدوينة جميلة قرأتها في نفس السياق للمدون ليو بابوتا.

عندما تأملت أسبابي خلصت إلى خارطة معقّدة من المشاعر والتفاصيل والعقبات غير المرئية. وأجملتها في التالي:

الخوف والتردد: كلّ جديد يشعرني بإنزعاج غريب، حتّى الأشياء التي أحبها. يزعجني التغيير المفاجئ والخطوات السريعة التي لا أعرف نتائجها.

توقع الفشل قبل البدء: أحيانًا أضع سيناريو نهائي مخيّب للآمال وإن لم يحدث فعلا. أرى فكرة تتلاشى، أو ردود فعل باردة تجاه تواصل دافئ، حماسي ينطفئ بعد الرفض. الفكرة هنا أني أوفر على نفسي ألم التجربة. يحدث هذا في المشاريع الإبداعية أكثر من أي شيء آخر ربّما لأن قدرتي في تصوّر الشكل النهائي لها محدودة بتقدمي الفعلي في العمل. ربما لهذا السبب بقي كتابي حبيس المستندات لأكثر من ست سنوات، وأيّ صراع أمرّ به حاليًا لأفي بوعدي لنفسي بإطلاقه قبل نهاية العام الحالي.

اعتياد منطقة الراحة: روتيني مألوف ومتكرر وواضح، والخروج منه يحتاج طاقّة هائلة. كل مشروع جديد يعني التزام وقلق وأشياء كثيرة قد لا احتملها كلّ مرة.

الغرق في البحث والاستطلاع: أقرأ عن المواضيع المختلفة، كيف تفعل كذا وكذا؟ كيف تجرب؟ أين تتجه؟ كيف يمكنني تقديم شيء مختلف هذه المرّة؟ يفقد الأمر بريقه تدريجيًا بكثرة التحليل والإعداد وهذا ظلم لنفسي ولما أنوي فعله.

يسهل عليّ تجاهل أمر لم أبدأه: الموضوع سهل إذا لم يكن هناك من خطوات فعلية، لا شيء يطالبني بالمتابعة. لا خيبة وخذلان! يمكنني دفن الفكرة بهدوء في زاوية مظلمة من ذهني، أكتب الأفكار، وأحفظها وأغلق الملف وكأنّ وجودها في مستند الملاحظات يكفي.

الانشغال بالتفاصيل ونسيان الصورة الكاملة: يشبه ذلك محاولة بناء بيت لكنني لا أبدأ لأنني مشغولة باختيار ألوان الستائر قبل وضع الأساسات.

قائمة الأولويات: طالما لم يكن المشروع أو الفكرة حاجة ملحة فالبداية لن تلوح في الأفق. حتى في غمرة حماسي يتلاشى الاهتمام أمام الأولويات الأخرى التي تملأ جدولي.

الاحتراق: أمر بفترات احتراق تطول وتقصر بحسب مسبباتها. في هذه الفترة بالذات رأسي مزدحم وقلبي متعب، لا أبحث عن التزام جديد حتى وإن كان في ظاهره جميلًا وممتعًا.  

نوع التحفيز: عندما تعرف نفسك بشكل أفضل تتعرف أيضًا على طرق تحفيزك ودوافعك. ومع الوقت عرفت أنّ محفزي داخلي. لا يحركني تشجيع الآخرين بسهولة ولا الحماس الجماعي. أحيانًا أعجب بفكرة أو مشروع، لكن لا أشعر بأي غيرة إيجابية أو دافع للمنافسة. لا أخاف فوات الفرص وأنتظر دائمًا صوتي الداخلي وإن تأخر.

أحببت تأمل أسبابي والوقت الذي قضيته في اكتشافها. هكذا قطعت شوطًا في تصحيح وجهتي والوصول الثابت والمتزن.

والسؤال الآن: كيف أحيي مشروعًا أو فكرة ميّتة؟

يجب أن أشير لأمر مهمّ هنا، بعد معرفتي لأسبابي وتحديد أسلحة التسويف التي يهاجمني بها كلّ مرة لا يعني ذلك أنّ كلها تتلاشى وأنّ الحلول تنبثق بلا صعوبة. لا استيقظ يومًا بلا مخاوف أو ترددّ. يمتلئ قلبي بالحماسة تدريجيًا وتعلّمت مع الوقت لا يحتاج إلى قفزة خطيرة. خطوة واحدة تكفي لتغيير مشاعري تجاه فكرة ولتقريب الحلم قليلًا.

ما الذي أفعله؟

لا أبدأ بل أحضّر للبداية. أجهز الملف، أنشئ مجلد، اختار وجهة، اكتب ملاحظة، اشتري معدّات بسيطة. كل هذه الأشياء تحوّل المشروع من حيز الخيال إلى الحقيقة.

أضع الفكرة في مدى النظر. أترك ملاحظة أمام عيني، أو صورة ملهمة على خلفية هاتفي، وتذكيرات المنبهات الأسبوعية واليومية لتنفيذ خطوة صغيرة تجعلني لا أنسى أو أدفن الفكرة باكرًا. هذه المرحلة مهمّة جدًا لاكتشاف مشاعري الحقيقية تجاه المشروع، أعطيه هذه المرحلة التي تشبه تبرعم البذور.

احتفل بالنيّة لا النتيجة. أذكّر نفسي أن تأثير النيّة عظيم، وأنها تكفيني كبداية وتخفف من توتري وبناء السيناريوهات المربكة في رأسي. كل ما يأتي لاحقًا يبنى عليها وتصبح بوصلتي المفضلة.

اختار الوقت الأفضل. لا أبدأ مشروعًا جديدًا في فترة مرض أو إرهاق ولا في لحظة فورة مشاعر طاغية. تعلمت أن أكون حنونة مع نفسي متفهمة اختار لحظات الصفاء والرؤية الواضحة.

التخلّي في الوقت المناسب. حتى وإن نجحت في البدء ورأيت التوقف حلا، أفعلها. بلا توبيخ أو قسوة فالتوقف جزء من الرحلة وقد تكون العودة بعد التوقف أجمل وأكمل.

أعد نفسي بالشعور، لا بالإنجاز. لا أحدث نفسي بالإنجاز النهائي، بل أقول سأمنح نفسي مشاعر مختلفة وجديدة. هذا التفكير يسمح لي بالحضور والتركيز في كلّ لحظة دون أن أفسدها بالنظر للمستقبل وتوقعه.

هذه مجموعة من الخطوات التي كنت أختارها لمعالجة التسويف والتردد خصوصًا في المشاريع الشخصية. وبينما كنت اقرأ وأبحث عن حلّ لهذه المشكلة مررت بتدوينة غنيّة في مدونة Zen Habits  للكاتب ليو بابوتا. أحببت تحديدًا جزئية التمرين على البقاء مع مهمّة واحدة/ مشروع واحد والتركيز عليه.

يقول ليو أنّ المطلوب هنا ليس أن «تقهر نفسك» بل أن تدرّبها بلطف. وطريقته في ذلك:

تخصيص وقت كلّ يوم للعمل على مهمة واحدة. وقت قصير جدًا حتى دقائق معدودة ستكون كافية. مهمة واحدة بلا تشتت أو وعود بالإتمام، فقط التواجد معها.

  • اختر مهمة كنت تؤجلها واضبط مؤقتًا لخمس دقائق فقط.
  • امنع نفسك من العمل على أيّ شيء آخر.
  • لاحظ شعورك ورغبتك بالهروب من اللحظة الحالية.
  • أشعر بها وتعرف عليها: هل هذا ملل؟ أو توتر؟ أو إحساس بعدم الكفاءة؟ راقب بفضول بلا قسوة.
  • عد للمهّمة بلا إجبار.

مع التكرار، ستغير علاقتك بالتسويف، ويصبح لديك مهارة جديدة: أن تبقى في مهمّة رغم رغبتك في الهروب. وهذا إنجاز كبير! هذه مهارة واحدة ضمن المئات وربما الآلاف من المهارات التي لا تكتسب دفعة واحدة. نتمرن ونجرب ونعود ونتحرر من شكوكنا ومخاوفنا. نحتفل بالإبداع ونجد المعنى الحقيقي وراء رغبتنا في الأشياء وفعلها من الأساس.

ما أعرفه عن نفسي أنني لن أتمكن من تنفيذ كلّ مشروع رغبت به أو فكرت فيه. ولن أتجاوز كل العوائق في لحظة. ما أتمناه فعلا أن أكون قادرة على أخذ خطوة إلى الأمام والباقي سيأتي لاحقًا كما تأتي كلّ الأشياء الجميلة ببطء وصدق.

.

.