أرشيف التصنيف: زواياي المحببة

يناير كان ..

يناير كان شهر إجازة بامتياز، إجازة ممتدة منحتها لنفسي ولا أعلم أين تتجه حتى الآن. بدأت من ١٥ ديسمبر تقريبًا وحاولت فيها بكل الطرق أن استرخي واستمتع بالبطء. نظفت غرفتي، نظفت رأسي، واستعديت بحماس للسنة الجديدة بخطة وحيدة وهدف وحيد. هدفي في هذا العام الوصول لأفضل نسخة من نفسي. بعد سنوات من التجربة والخطأ والبحث. لم يتأخر الوقت على الأقل بالنسبة لي.

يناير كان ممتع، هادئ ومكرّس بالكامل لاكتشاف الأشياء التي أحبها من جديد. تخلله رحلة قصيرة جدًا لدبي، زيارات عائلية هادئة. تعرف على مزيد من الأصدقاء. احتفال بمطبخ صديقتي وليلة طهي جماعية في بيتها.و التخطيط لورش عمل ستقام تباعًا خلال الأيام القادمة.

هذه قائمة عشوائية لأشياء أحببتها خلال يناير:

شاهدت مسلسل Manhunt: Unabomber على نتفليكس، يحكي قصة البحث والتحقيق في سلسلة جرائم تفجير حيّرت أمريكا لعدة شهور. المذهل في الفيلم أن البحث عن المجرم تمّ من خلال الكلمات والنصوص التي كان يكتبها. مدهشة هذه اللعبة وستفهمونها بعد مشاهدته. أظن أيضًا من عنوان المسلسل أنها سلسلة ستتابع نتفليكس تقديمها وكل موسم يتناول قضية مطاردة مماثلة.

شاهدت مسلسل قصير بني على رواية مذهلة أوصتني موضي بقراءتها قبل سنوات، وعندما سمعت خبر تحويلها إلى مسلسل تحمسنا كثيرًا للتفاصيل والتصوير والقصة. المسلسل والرواية بعنوان The Miniaturist للكاتبة جيسي بيرتن، والرواية تمثيل رائع لأدب الواقعية السحرية الذي نشترك أنا وموضي في حبّه. لن أحرق أي تفاصيل فقط سأخبركم أنّ القصة تدور أحداثها في القرن السابع عشر بمدينة امستردام الهولندية.

قرأت عدة كتب بالتزامن ولم انتهي منها جميعها لكنها ممتعة وعظيمة! أولها كتاب توايلا ثارب عن العادات الإبداعية كيف نتعلمها ونستخدمها مدى الحياة. أمشي في قراءته على مهل فهو مليء بالقصص والتمارين. ومن بينها تمرين اكتشاف الحمض النووي للإبداع لديكم! فيه ٣٣ سؤال تجلسون للإجابة عليها بكل صراحة وعفوية. أعمل على ترجمة هذه الأسئلة وسأشاركها معكم خلال الشهر القادم بإذن الله. الكتاب The Creative Habit – Twyla Tharp

أما الكتاب الثاني فكان منتظرًا وتفاجأت عندما وجدت نسخة وحيدة على رفّ مكتبة كينوكونيا بدبي تنتظرني. رواية ما وراء الشتاء لإيزابيل آييندي نُشرت بالإنجليزية خلال العام الماضي. وتابعت رحلتها على انستقرام وهي توقع الكتاب وتلتقي بجمهورها حول الولايات المتحدة الأمريكية. وكلما فكرت في قراءته بالإنجليزية أتردد وانتظر قليلًا. وجدته قبل أسبوعين بترجمة صالح علماني والتهمته في ثلاث ليالي. في الرواية تلتقي مصائر ثلاثة أشخاص، ريتشارد البروفيسور النيويوركي، ولوثيا الهاربة من ديكتاتورية تشيلي العسكرية، وإيفيلين الفارة من غواتيمالا وحروب العصابات الضارية. ستجمعهم مغامرة واحدة تتعرفون عليها من خلال الرواية. الكتابة بتفاصيل حابسة للأنفاس وتدعي للركض بين الصفحات ليست جديدة على إيزابيل هذا ما فكرت فيه وأنا أضعه من يدي. وفي مواضع كثيرة وجدت إيزابيل تحكي نفسها، وتحكي أفراد عائلتها مثل زوجها الأول ميغيل وزوجها الثاني ويلي الذي يشبه ريتشارد كثيرًا! كيف عرفت؟ من قراءة سيرها السابقة.

الكتاب الثالث رواية قصيرة، أشبه بسلسلة عذبة عن الحبّ. كتاب فصول الصيف الأربعة رواية كتبها الفرنسي غريغوار دولاكور . أحب مما يكتبه جدًا وأحببت كتابه الذي اكتشفته قبل ثلاث سنوات تقريبًا (لائحة رغباتي). في هذه الرواية قصص أربعة تحدث في مدينة ساحلية فرنسية، تتداخل حيوات أربعة أشخاص، من أربعة أجيال مختلفة دون أن يشعروا بذلك. كلهم عشاق ولكل منهم قصته. في نبذة الكتاب جاءت الفقرة التالية «هذه القصص تمثّل قصص حبنا المختلفة: حبنا الأول، حبنا الرومانسي، حبنا المؤسف، حبنا العابث، حبنا الأبدي..»

في كلّ رحلة إلى دبي أحب زيارة مكان محببّ ودافئ، طعامه لذيذ وصحي وشهي وقهوته ممتازة! أعتقد أن كثير منكم جرّبه لكن لا يمنع التذكير به The Sum of Us مكان ممتاز لغداء أو فطور متأخر، أو مشروبات فواكه باردة في منتصف اليوم. لم أجرّبه في المساء ولا أعرف لماذا لكن المكان أجمل في النهار.

مكان آخر قادتني إليه توصية من صديقة أحبّها، يشبه أماكن جميلة زرتها في بروكلين. Comptoir 102 هو عن مقهى ومتجر وبقالة صغيرة للأطعمة العضوية بحديقة وجلسات رائعة. تناولت الغداء مع أختي وكانت القائمة نباتية غالبًا مع بعض الخيارات الأخرى. كلّ شيء محضر من الصفر وبمكونات نظيفة وعضوية وخالية من الغلوتين. كانت أختي الصغرى ١٥ سنة – برفقتي وتوقعت أن تكره المذاقات المقدمة لكنها نالت استحسانها وهذا عظيم بالنسبة لمكان يقدم أغذية صحية. في المتجر أيضًا قطع منتقاة من المجوهرات والاكسسوارات والملابس. أيضًا هناك ركن لمستحضرات التجميل والشعر العضوية من مختلف أنحاء العالم. أحب أنني اكتشفت مساحة هادئة ومنعشة بعيدًا عن صخب المدينة. بالإضافة إلى أنّ هذا المكان يبعد دقائق من شاطئ لا مير الجديد الذي اكتشفته خلال هذه الرحلة. جلست هناك بصحبة النوارس والبحر المنعش. (الصورة في التدوينة من الجلسة الخارجية للمكان)

خلال يناير أيضًا تابعت مغامراتي في الطبخ وجربت وصفات جديدة. آخرها مساء أمس مع وصفة للكوكيز! إنها المرة الأولى التي أجرب فيها صناعة هذا النوع المحبب من البسكويت. كانت الفكرة إما ناجحة أو أصرف النظر تماما عن تكرارها. النتيجة جعلتني أفكر الآن، ربما يأخذني الحماس لتجهيز كميات وبيعها. أو على الأقل سأحمل معي دزينة في كل مرة أزور أحد أقاربي أو صديقاتي. الوصفة وجدتها في كتاب شامل للطبخ وتجدونها على هذا الرابط.استبدلت السكر البني بسكر جوز الهند مع الزنجبيل. والسمن بزيت جوز الهند. أيضًا أضفت مزيج من الشوكولاتة المرّة والشوكولاتة بالحليب، وأضفت الجوز المكرمل. لا حدود لهذه الوصفة وأتخيل أنني أضيف لها مكسرات أخرى، أو قطع الزبيب والفواكة المجففة. لقد التزمت تماما بطريقة ووقت الطهي وكانت النتيجة مذهلة.

.

.

.

غرفة متعددة الأغراض

عندما أفكر في الغرف متعددة الأغراض تعود بي ذاكرتي لأكثر من ٢٥ سنة إلى الوراء. عرفت هذا النوع من الغرف قبل التعرف على المصطلح بوقت طويل. كنّا نقضي الإجازات في مزرعة جديّ لوالدتي، وكانت المساحات المحدودة والأعداد الوفيرة من القادمين مشكلة حقيقية. لكن جدتي عالجت الموضوع بذكاء. عند وصولنا في النهار الغرفة مجلس هادئ بأرضيات مريحة وستائر ملونة قُصّت من بقايا شراشف الأسرة القديمة لتحجب شمس الصيف الحارقة. في ركن الغرفة تلفزيون صغير، خزانة بمرآة، وفي الطرف الآخر مجموعة من مراتب النوم التي صفت بعناية لو حركتها يد عابثة ستسقط كلّها بفوضى. في هذا المربع الصغير كنا نلعب ونرتب أغراضنا ونتابع التلفزيون. وعندما يحلّ الليل تمد المراتب من أقصى الغرفة لأقصاها وتتحول فورًا لغرفة نوم هائلة! حافظت جدتي والأمهات على هذا الترتيب باتباع جدول صارم، يستيقظ الجميع في وقت واحد، تُرفع المراتب وننطلق للفطور واللعب. كانت تلك الأيام من أجمل أيام حياتي، وكلما فكّرت في ممتلكاتي المادية أتذكر الحقيبة التي كنت أحملها من الشرق، مصنوعة من قماش الكانفاس وعليها صورة الكلب سنوپي، بداخلها مجلد مجلة ماجد الأحدث يشتريه والدي من المحطة عادة، ومجموعة كراسات للخربشة، وأقلام رصاص وأقلام للتلوين. كل شيء أحتاجه في تلك الحقيبة، لا يهمني نومي على الأرض ولا ضيق المساحة ولا شيء آخر. هذه الخفة التي أنشدها اليوم، لكنني لا أصل إليها للأسف. ما زال لديّ الكثير من الأحمال والأغراض والممتلكات التي تناسب عمري لا عمر طفلة التاسعة.

زارتني هذه الذكرى قريبًا، بينما كنت أتمرن مع فيديو على يوتوب وكلما زاد الحماس أجد نفسي اصطدم بقطع الأثاث حول المكان. سريري الضخم عقبة، وخزانة هناك، ووضعية المكتب كذلك. ينتهي بي الأمر أحيانا لقطع التمرين والذهاب لجهاز المشي والركض كي أعوض السعرات التي كنت سأخسرها مع التمارين في غرفتي.

فكرت في نقل التمرين لغرفة المعيشة لكنها لا تخلو من أحد أفراد العائلة خلال فترات اليوم كلها. فكرت في الاشتراك مجددًا في النادي الرياضي لكن الكلفة عالية ولا استطيع في هذه المرحلة من حياتي دفع هكذا مبلغ على اشتراك جديد.

كانت فكرة مؤرقة حقيقة، لأنني أعمل جاهدة على بناء روتين رياضي يومي لا يتأثر بأي شيء، والفكرة هي ضبط نفسي في المنزل أولًا قبل التفكير في نقل التمرين للنادي أو أي مكان آخر.

كلما حاولت رسم ترتيب جديد للغرفة يظهر سريري الضخم كوحش عصيّ على الترويض! خلال ٢٤ ساعة حسمت أمري. قررت التخلص من السرير والنوم على مرتبة مريحة على الأرض يمكنني تحريكها في كل الاتجاهات بحسب احتياجي. وجدت مكان جديد للسرير أسرع مما توقعت وفككته وأخرجته وبدأت حملة تخفف جديدة الأخيرة كانت في ديسمبر الماضي مع انتقالنا لبيتنا الحالي– . اشتريت صناديق بلاستيكية وخزنت كل شيء لن احتاج إليه قبل ستة أشهر ورفعتها فوق أعلى خزانة ملابس في الغرفة. غيرت مكان المكتب أيضا ومكتبة الكتب باقتراح من والدتي. بعد الانتهاء والتنظيف صنعت مساحة طولها ٤ أمتار ونصف وعرضها مترين ونصف. الآن يمكنني التمرن والعمل والاستمتاع بأسطح نظيفة من الغبار.

أتممت أكثر من أسبوعين منذ التعديل الأخير للغرفة. أنا سعيدة وأنام بشكل أفضل بسبب قربي من الأرض. تخلصت من الطاولات الجانبية للسرير واستبدلتها بقطعة من الخوص كانت مسند قدم في السابق. قطتي تلعب بطول الغرفة وعرضها ولم يعد مكان الاختباء الذي لا أحبه متاحًا لها. كل شيء ظاهر أمامي. الكتب والأوراق على المكتب وحتى ملابسي التي لم تجد مكانا للتكدس. وصلني أكثر من اقتراح لشراء سرير مفرد ووضعه جانبًا، ليكون أكثر راحة وأفضل من النوم على مرتبة أرضية. لا أفكر في ذلك حاليًا. ربما هي سعادة التنظيم الغامرة، أو حماسي لتجربته. ما أعرفه أن غرفتي أصبحت متعددة الأغراض أخيرًا. هي غرفة نوم، ونادي رياضي، ومكتبة، ومقهى صغير، ومساحة عمل مستقلة!

.

.

كيف تتخلصون من مشكلات ضيق المساحة في المنزل؟ شاركوني اقتراحاتكم المجرّبة.

.

.

*

*  الصورة في التدوينة للمصور Einar Falur

١٣-١٤ رمضان: وقوف متكرر

.

١٠:٤٥ص

استيقظ في هذا الوقت تقريبًا كلّ يوم من بداية الشهر، حتى لو كان موعد نومي بعد السادسة صباحًاصحيح أنني لا أخرج للعمل إلا في المساء لكنّي استقبل المهام وأعمل عليها خلال النهار.

.

١:٣٠م

لم أكتب تدوينة للثالث عشر من رمضان، كنت منغمسة تمامًا في المهام. بين الظهيرة وحتى السابعة صباحًا من يوم الرابع عشر (اليوم). عندما يكون التركيز تامّ أنسى كلّ شيء واحتاج لتذكير نفسي بالتنفس كل عدة دقائق.

.

٣:٣٠م

.

Screen Shot 2016-06-20 at 2.53.02 PM

.

قبل بداية الشهر اقتنيت مجموعة كتب واخترت رواية تاريخية مدهشة للكاتب الأمريكي أنتوني دوير All the Lights We Cannot Seeتتزامن أحداثها والحرب العالمية الثانية. وشخصياتها الأساسية فتاة فرنسية كفيفة، وجندي ألماني شابّ تتقاطع حيواتهم في مدينة سان مالو الفرنسية الواقعة تحت الاحتلال الألماني. فصول الرواية قصيرة ومتسارعة، لولا أن العمل يلتهم نصف يومي تقريبًا وبقيته بين النوم والعائلة لانتهيت منها خلال عدة أيام. قرأت قبل فترة احتمالية تحويلها لفيلم، وهذه حالتي إذا علمت بإعداد رواية للتصوير، أقرأ الكتاب بأقرب فرصة حتى لا أقتل متعة التعرف عليها لاحقًا واكتفي بالفيلم.

.

٤:٤٥م

قضيت نهاية المساء قبل الخروج للإفطار مع صديقاتي في قراءة المقالات الثلاثة التالية:

مقال عن الوضع الاقتصادي (الحزين) لمشاهير الشبكات الاجتماعية وتأرجح حياتهم بين إيجاد وظيفة حقيقية أو الاستمرار في تلقي الدعم من الشركات والمتابعين.

وهنا مقال عن متعة فعل الأشياء وحيدًا، لماذا ينظر الناس لها وكأنها سمة غرائبية؟

والمقال الثالث عن أهمية النوم، نعم مقال آخر عن أهمية النوم لأننا نحتاج أن نشعر بالهلع أكثر بسبب تقصيرنا وأرقنا.

.

٦:٢٠م

التقيت بصديقاتي لتناول الإفطار في مطعم ومقهى أوف وايتOff White” أحببت الأجواء جدًا وخيارات الأطعمة واهتمام الموظفين. قضينا عدة ساعات دون أن نشعر، وتبادلنا القصص والصعوبات والمشاريع المستقبلية.

.

١٠ م

العودة للعمل من جديد بعد قيلولة قصيرة جدًا. أحبّ ساعة فتبت التي أصبحت تعطيني جداول مفصلة حول نشاطي اليوم وحركتي، وساعات نومي بالتأكيد. الفكرة من القيلولة لم تكن بحثًا عن مزيد من ساعات النوم، بل للبقاء ساكنة في مكان مظلم. الخروج من المنزل وإن كان محببًا يشعرني بالتشويش. لكي أعود لما كنت أعمل عليه أو أكمل يومي مع أسرتي احتاج هذه الوقفة القصيرة المنعشة.

.

٣:٣٠ ص

تنبهت للوقت. لم انتهي من العمل بعد ولم أكتب تدوينة الثالث عشر والآن الرابع عشر من رمضان.

.

٤:٥٤ ص

.

forgraceposter

.

قبل الغفوة تذكرت أنني شاهدت وثائقي مؤثّر على نتفليكس “For Grace من أجل غريسالذي يروي قصة الطاهي الأمريكي الشهير كيرتس دفي، وإنشاء مطعمه الخاص Graceالوثائقي يعرض قصته مع الطهي وكيف أنقذ حياته من طفولة مأساوية ويسرد بالتوازي قصة تجهيز المكان والعمل عليه، ويعود بفلاش باك لطفولته وسنوات تدرّجه في العمل. كنت أفكر في أنّ امتلاكك لمطعمك الخاصّ مهمة ممكنة وفي متناول اليدّ. وثائقيات مثل هذه تجعلني أعيد التفكير، هناك الكثير والكثير من العمل!

.

.

.

نيويورك: شُرفة العالم (الحلقة الخامسة)

bhny

سكن جدّي لفترة من حياته في بناية مكونة من شقق. خلف تلك البناية كانت مساحة من المبنى حولها لمتاجر صغيرة وتمّ تأجيرها. أحد المتاجر أصبح قرطاسية وصاحبها والدي. كانت الرحلة اليومية لشراء شيء -أي شيء- من القرطاسية متعتي في العطل. وعندما انتهت كل أدوات القرطاسية الممكنة اقتنيت لعبة كاميرا ترش الماء من عدستها. قرب القرطاسية من البيت وتشاركها مع جدرانه كان خطرا على محفظتي الصغيرة.

في رحلتي الأخيرة لنيويورك تكررت الحكاية مع مكتبة 192 المذهلة! بيني وبينها ناصية واحدة، بضعة خطوات من الفندق إليها، وبطاقتي الائتمانية التي توقفت عن العمل في عدة متاجر لم تفعل ذلك هناك.

في المرة الأولى ذهبت لاستكشاف المكان. وما أحببته في المكتبة هو رفوفها المرتبّة أبجدياً، روايات وسير، وكتب فنية وكتب تصوير وقسمين أحدها للأطفال والآخر للناشئة. من كل كتاب نسخة واحدة -أو اثنتين على الأكثر- لكن في المكتبة مخزن خاصّ بالكتب. اذا انتهت النسخ على الرفّ تستبدل بجديدة، وهكذا تحتفظ المكتبة بترتيب حميم بأقل نسبة من الفوضى.

photo 4

192 books in Chelsea.

في زيارتي الأولى حملت عدة كتب وسألت عن كتاب “پاريس نيويورك” لصور فريد ستين وللأسف لم يكن متوفراً. أثرت حماسة البائع عندما أخبرته بأنني سأحضر اطلاق الكتاب خلال أيام وأردت الحصول عليه للاستعداد للتوقيع. طلبه من أمازون لكن المدة قصيرة جداً للانتظار.

واكتشفت بعد زيارة عدة مكتبات حول المدينة أن الكتاب لم يتوفر في أيّ منها، وكانت أول مرة شاهدته فيها يوم إطلاقه، ربّما أرادت المكتبة المستضيفة للمناسبة احتكاره لديها حتى انتهاء الحفل.

استمرت زياراتي للمكتبة الصغيرة قرب فندقي، مرة واثنتين، ومرة ثالثة مع أخواتي، ورابعة قبل عودتي للسعودية. وفي كل منها اكتشف كنزاً جديداً. اشتريت حكايات غريم لحصة أختي الصغرى، ورواية جديدة للفتيات ومجموعة قصص خيالية قصيرة. تحبّ قراءة روايات الخيال والرعب أكثر من الروايات الواقعية ولا أحاول تحديد مسار قراءتها ما دامت الكتب مناسبة لفئتها العمرية.

تغيرت طريقتي في شراء الكتب، وكلما قلت ذلك لأحد المقربين أجاب: لأنك وصلت لمرحلة اكتفاء ربما؟ ولكنني لا اكتفي، وهذا الولع والاهتمام يكلّفني كثيراً على ما يبدو.

المكتبة الثانية مكتبة پوسمان اكتشفتها في سوق تشيلسي، سوق ضخم بمتاجر الأغذية واللحوم، بعض المقاهي والمطاعم، ومحلات للانتيك والمجوهرات والملابس. مكان مثالي لقضاء نهار أو نهارات، وحتى في المساءات الممطرة وجدت نفسي أتجول بداخله. لديهم في هذه المكتبة تشكيلة أسميتها تشكيلة مناسبة للسياح، كتب جديدة أكثر مبيعاً، كتب قديمة، تذكارات نيويوركية ودفاتر ملونة وورق تغليف هدايا، صحيح مساحة المكتبة أكبر من تلك القريبة من الفندق لكنّ العناوين المثيرة للاهتمام قليلة جداً. أخذت منها كتاب پروست عن أيام القراءة، كتاب مقالات صغير ومميز. وأخذت مذكرة للعام ٢٠١٥م بلوحات فنية تصوّر نساء قارئات.

الشيء المهمّ الذي يلفت الانتباه في مكتبات نيويورك وربما في أغلب دول العالم: ثبات الأسعار. تذهب لأكثر من مكتبة وتجد الكتاب نفسه بنفس السعر المطبوع على الغلاف. لا زيادة وأحيانا نقصان في بعض المكتبات التي تعدّ عروضاً أسبوعية أو شهرية على ثيمة معينة.

photo 1

Strand Bookstore

Strand Bookstore

Strand Bookstore

في ليلة أخرى ذهبت لسهرة مع نفسي بين رفوف مكتبة ستراند -١٨ ميلاً من الكتب- . قلت بأنني في كل مرة أزورها أصاب بحالة هلع. كل هذه الكتب سأبحث بينها؟ سأشتري؟ أريدها كلها! بعد دراستي السابقة للممرات قررت الذهاب فوراً للدور الأرضي الموازي لخط سير المترو، هناك تباع الكتب المخفضة والمستعملة. وجدت كنوز في المرة الماضية وبحثت عن المزيد في هذه المرة، أخذت كتباً عن الكتابة الإبداعية، وفنّ كتابة المذكرات والسير الذاتية. أنا أكتب حالياً من الذاكرة لأنّ ما نسبته ٨٠٪ من الكتب التي اقتنيتها تنتظر خلف المحيط موعد شحنها للسعودية. لم يكن الوزن العائق الوحيد بيني وبين شراء المزيد. هناك انتباه من نوع خاص: هل سأقرأ هذا الكتاب الآن؟ بعد شهر؟ ثلاثة؟ وكلما زادت المدة التي أخمّنها كلما زادت المسافة بين يدي وبين الكتاب ومضيت مبتعدة بأسرع وقت قبل أن اضعف مجدداً.

من جديد لم يكن كتاب “باريس نيويورك” متوفراً على الرغم من سعة قسم كتب الصور والتصوير ورفوفه المهيبة.

Processed with VSCOcam with a3 preset

ثمّ جاء أحد أيامي المفضلة خلال السنة: زيارة جديدة لمكتبة مايكل السرية. هذه المرة لم اقتني الكثير من الكتب. كتابان في الفنّ أحدهما عن إدغار ديغا، والآخر عن روح الفنّ. الكتب مستعملة بطبعة قديمة نسبياً ولها رائحة عجائبية. أمضيت بقية الزيارة في تأمل الرفوف بلا هدف، والتحدث لساعات مع مايكل وضيوفه. حدثنا مايكل عن رأيه في تجمعات الـ AA المخصصة لمدمني الكحول المتعافين وما يحدث فيها من دراما وكثير من السخرية. يقول بعبارات بسيطة بأن مدمن الكحول يجد في زيارة هذه الاجتماعات إدمانا جديداً يشغله عن الأول. تفاصيل كثيرة قادته للحديث عن تجربته الشخصية وكيف قررّ الشفاء ذاتياً من مشكلته مع الكحول دون الحاجة لزيارة هذه الاجتماعات.

تحدث مع ضيوفه عن عالم جميل وددت لو انتقلت من أجله لنيويورك وبقيت هناك! اجتماعات قراءة شعر، توقيع كتاب صديق، وتعارف شباب الكتّاب في فصول دراسية للكتابة الإبداعية. كلّ هذا سيحدث خلال سبتمبر وفي الشهر الذي يليه وتستمر حياة الكتب في مدينة تحبّ الكتب كنيويورك.

تحدثنا عن الكاتب جوناثان ليثم الذي زرت توقيع كتابه العام الماضي ضمن مهرجان النيويوركر، وهو صديق قديم ومساعد لمايكل، كان يبيع الكتب في صغره في مكتبته ببروكلين قبل تحولها لمكانها السرّي. لجوناثان كتاب جميل لم انته منه بعد “The Ecstasy of Influence: Nonfictions, Etc.” مجموعة مقالات للكاتب تناولت عدة مواضيع عن حياته، حياته مع الكتابة، وغيرها. لديه أيضا كتاب مقالات آخر “The Disappointment Artist ” عن بدايته مع الكتابة وكل العناصر المؤثرة فيها. انتهت الزيارة بكثير من الأفكار، وكتابين فقط يا للدهشة!

photo 3

Three Lives and Company

في المنطقة الغربية من منهاتن، قرية غرينتش تحديداً. مكتبة الحيوات الثلاثة، “Three Lives & Company” أريد أن أقول لهم بأنني أحبّ اسم المكتبة كثيراً وكان داخلها أجمل! انتظرت لنصف ساعة في الخارج تحت الشمس لأنني لم أحمل مظلة، ولأنني وصلت باكراً. في المكتبة رفوف مزدحمة وكتب من دور نشر كبيرة وصغيرة، أحببت توفر المزيد من الروايات العالمية التي لا نجدها عادة في المكتبات التجارية أو التي تتبع خط استهلاك القرّاء. فيها تشكيلة جيدة من كتب NYRB ، و Penguin. كتب الشعر أيضاً كثيرة. هناك اقتنيت الكتاب الذي يشاركني آخر الليل مؤخراً، وأحمله في كلّ مكان.

كتاب “البحث عن فلسطين” لنجلاء سعيد ابنة إدوارد سعيد. قرأت فيه على عجل في الليلة الأولى وشغلتني عنه المدينة.

photo 1

في مطار جون كينيدي عدت لمواصلة القراءة وكان الكتاب رفيقي الجيّد خلال ساعات الصحو. في انتظار الرحلة جلس إلى جواري مجموعة من اليهود الارثودكس وكانت عين شيخ كبير منهم على الغلاف، ضحكت داخلي لمصادفة حملي للكتاب في هذا اليوم، في هذا المكان. تجاوزت منتصف الكتاب بالقراءة المتأنية، وفيه سيرة مرحة لفتاة تبحث عن هويتها الحقيقية. ذكرتني تساؤلاتها وصراعها الشخصي بكتاب والدها “خارج المكان” لكنّها ذكرتني أكثر بكتاب آميلي نوثومب “بيوغرافيا الجوع” أحد أقرب السير الذاتية إلى قلبي. ولا أمانع في قراءته مرة واثنتين وثلاث.

photo 3

في العاشر من سبتمبر الماضي توجهت لمكتبة PowerHouse Arena في بروكلين لحضور إطلاق كتاب المصور الشهير فريد ستين “پاريس نيويورك”. المصور توفي منذ سنوات لكنّ اطلاق الكتاب جاء على يدّ ابنه پيتر ستين المصور السينمائي وحفيدته كاثرين فريير. كان حديث عائلي بامتياز، تبادل الابن وابنته الحديث عن المصور، رحلته من ألمانيا مرورا بباريس وصولاً إلى نيويورك. مع التركيز على الأسباب التاريخية التي دفعته للهجرة القسرية ومن بينها الحكم النازي لألمانيا وتهديده لليهود. الفكرة من الكتاب جمع صور الحياة اليومية التي التقطها فريد ستين بين باريس ونيويورك، مع تفاصيل سيرته وصور لأشهر البورتريهات التي التقطها. بعضها نعرفها بالنظر لكننا لا ندري حقيقة من هو مصورها. كنت هناك لاكتشاف فريد ستين بعد رؤية أعماله خلال السنتين الماضيتين وهو الوقت الذي بدأت فيه الاهتمام بفوتوغرافيا الشارع وأهمّ مصوريها. لفريد ستين نمط معين فهو يمسك بالكاميرا قرب جذعه وينظر في شاشتها الصغيرة ليحدد مساحة التصوير، لم يكن يستخدم الكاميرا التقليدية التي يحتاج إلى النظر من خلال عدستها، هناك لقاء مباشر بينه وبين موضوع التصوير، يشعر الناس بالراحة فتكون صورهم كذلك. هناك قصة مهمّة عن تحول فريد ستين من تصوير الشارع لتصوير البورتريه ويوجزه ابنه بيتر في متاعب الظهر التي بدأ يعاني منها وعدم قدرته على المشي لمسافات طويلة حول نيويورك. هكذا، دبر له الأصدقاء فرصة اللقاء بشخصيات مهمة لتصويرها من بينهم على سبيل المثال لا الحصر: البرت آينشتاين، هرمان هسه، توماس مان، حنة آرنت وجورجيا أوكيف.

بيتر ستين وكاثرين فريير يقومان بعمل جبار للحفاظ على أرشيف فريد ستين. يجوبون العالم بحثاً عن ما يمكنهم إيجاده من الصور المفقودة، ويقيمون المعارض وخلال اطلاق الكتاب تحدثا عن وثائقي ضخم يعده الابن عن والده وشاهدنا جزء مقتبس محفز منه. حصلت على نسختي الموقعة واستمتعت كثيراً برؤية الصور وسماع الحكايات عن قرب. خلال كتابة هذه التدوينة وجدت في يوتوب وفي موقع المصور فريد ستين تسجيل فيديو عن مشروع بيتر وابنته وعن المصور بشكل عام يمكنكم مشاهدته هنا والتعرف عليه أكثر.


.
.

Fred Stein Fine Cut from Kate Freer on Vimeo.

photo 2

لم اقرأ الكتاب بعد، فقط تصفحته سريعاً ونظرت للصور مثل الأطفال. فكرة حصولي عليه أشعرتني بالأمان حتى أعود لاكتشافه.

 * * *

في كل رحلة لي خارج البلاد، أبحث عن الكتب كبحثي عن كنز وأكثر. في مدينتي فرع لمكتبة جرير وتحولت تدريجياً على مر السنوات إلى قرطاسية ضخمة لا أجد فيها ما احتاجه من الكتب. أعيش على رحلاتي السريعة لمكتبات تبعد عن مدينتي عشرات ومئات الأميال. وانتظر كل عام سفري وسفر الأصدقاء للحصول على الكتب. ما عادت الكتب الإلكترونية تمتعني كالسابق. أصبحت احتاج الورق لأقرأ وأحاول جهدي لتحمل الشاشات في حالة الكتب الممتعة. أحلم بمكتبة عظيمة توفر لي كلّ ما أبحث عنه، وإذا لم توجد، قد أكون أنا من يؤسسها بإذن الله : )

7 رمضان: بيت أحلامي

Via Google Images

Via Google Images

هل فكرتم من قبل في بيت أحلامكم؟

اليوم كنت أفكّر في سؤال “إذا كانت لدي ميزانية مفتوحة وكل الإمكانيات متاحة للحصول على بيت أحلامي، كيف سيكون شكله؟”.

أعرف بيوت كثيرة وأحبها، في كل مكان أزوره زاوية محببة وقد دونت عن بعضها فيما مضى. لا أفكر في قصر مترامي الأطراف، ولا جدران مرتفعة ولا حدائق ممتدة. أريد من بيتي أن يكون كحضن أمّ، تدخله الشمس من كل زاوية والأرض تدور. فيه عدد لا بأس به من الأشجار العطرة، فيه حديقة أجلس فيها وقت المطر. تتسع لطاولة وعدة كراسي، فيها عريشة ياسمين. أما المنزل فطابق وحيد يكفيني، نوافذ زجاجية كبيرة، وممرات واسعة كي لا تصطدم قدمي بالأثاث والجدران. أريد أقواساً تشبه بيوت المكسيك، أو إسبانيا. نافورة صغيرة داخل المنزل وهدير ماءها يريح أعصابي. أريد مطبخ واسع سطوحه مصقولة، فيه فرنين أحدهما للخبز وآخر للطهي، وحوض غسيل للأطعمة والأواني. وأرضيات المنزل من الجرانيت الذي يتنفس فيكون دافئ شتاء وبارد صيفاً. عدد غرف نوم معقول بحسب ما تقتضي حياتي، ومكتبة واسعة يتوسطها مكتب من الخشب الثقيل للكتابة. أريد كراسي مختلفة لغرفة الجلوس، ووسائد ضخمة لمن يحبّ الجلوس على الأرض. أريد جهاز تلفزيون وحيد وضخم في مكان واحد في المنزل، أريد غرف نوم خالية من الأجهزة والإضاءة الشديدة. أريد مراوح في السقوف وتكييف مركزي. أريد وأريد وأريد، وأنسى أنّ هذا كلّه حلم.

الريش في شعره.

dostoy

(أ)

اقضي الكثير من وقتي في الطبخ، مؤخراً لاحظت ذلك. وأفعله بشغف واهتمام. مفضلتي تنمو بمواقع الوصفات وأفضل البدائل في غياب المكونات من السوق. أحبّ تحليل مراحل حياتي واهتماماتي المؤقتة لم انتظر أن يفعلها أحد بالنيابة عني. في الطهي اليومي أجد نتائج حاسمة وواضحة، إذا أخفقت في مكوّن تدمر الطبق كلّه. في وجوه المتذوقين أشاهد حصيلة عمل ساعات. ينتفخ كاحلي ويؤلمني لكنني أفعل ذلك بحبّ شديد، لا اطهو الطعام لشخص لا يحبّه، أو ينتقي كثيراً ويتذمر كلما وُضع طبق أمامه، يستبعد الخضرة، ويتبعها بتفكيك الهرم الغذائي أمامي. مثل هذا الشخص لا أدري في الحقيقة ما يعجبه في الحياة؟ متى يشكر الله مثلاً أنه لا يتمدد على رصيف ما ينشد قطعة خبز يابسة. ولا أشغل تفكيري ولا وقتي بإجباره على أكل ما أعدّ. اتصال لمطعم للوجبات السريعة سيمنحه الكثير من الحبور!

أجرّب وصفات في أكثر من نوع من الأكل، حتى لنفسي، مذاقات جديدة لم أجرب المزج بينها وكانت النتيجة مذهلة. انشغل عن كثير من الأمور التي وضعت لها الوقت. أنام جيداً، أعمل بجدّ أكبر. وأركض بلا توقف. عندما نصل لنهاية الأسبوع أكون بحاجة للصمت أكثر من أي شيء آخر. كنت فقدت شهيتي للقراءة والكتابة أصبحت مثل حلم يزورني، استرجع مقاطع كتبتها وأحببتها، أتصفح أرشيف المدونة وتنعشني قدرتي على صنع كل هذا. ما زال هناك حبر، لكنه للأسف يشعر بالنّعاس. هل هو التقدم في السنّ؟ هل كانت الكتابة فعلاً قدري والمشروع الذي يجب أن أكرس عمري له؟ لا أعلم. لكنني متأكدة من شيء واحد، أنني أفعل كلّ شيء بحبّ. لا اجبر نفسي على إنهاء كتاب ممل لإضافة رقم أو غلاف لحصيلتي، لا أخرج من المنزل بلا حاجة، وأعتذر كثيراً عن أي شيء سأفعله مكرهه.

(ب)

استيقظ صباحاً وشعري يعلوه الريش، كنت أتساءل عن المكان الذي يأتي منه، واكتشفت أنّ غياب الشغف امتد لتغيير لحافي، استخدم حشوة اللحاف بلا غطاء والنتيجة الريش يتسلل منها لرأسي. تذكرت أسماء الهنود الحمر، ووجدت لنفسي اسما جديدا : الريش في شعره!

(ج)

كلما نزفت لثّتي تذكرت الإسقربوط – كتبت عنه أكثر من مره وعن فزعي- الحلّ الوحيد لهذا الهلع تناول المزيد من البرتقال والحمضيات عموماً. وهكذا فعلت وأسعدتني النتيجة. كلّ يوم لحظات رعب قصيرة قبل البدء بتنظيف أسناني. يقولون بأن نقص الفيتامينات مسبب أيضاً، لكنني توقفت عن تعاطيها بسبب تراكمات صحية من بينها انفراط عقد شهيتي والتهامي لكل شيء أضع يدي عليه. توقفت من يناير تقريباً عن تناول المكملات الغذائية وأشعر الآن بأن شهيتي استعادت توازنها.

(د)

تعرفون زوايا بيتكم جيداً؟

تحفظون روتين أيامكم؟ هناك تفاصيل لطيفة ومضحكة التفت لها، مثلاً الوقت اللازم لتناول فنجان القهوة بعد الغداء. أضع أطباقي في الحوض، والمساعدة المنزلية تنهي بعض المهام وتغسل الأطباق أطلب منها إعداد قهوتي وإحضارها لغرفتي، اصعد وانتظر. بينما تنتهي من التنظيف وترتيب المكان بعد الغداء تكون معدتي مستعدة لفنجان القهوة. وهذا المقياس لا يخيب.

تفاصيل البيت؟

لدينا سلة مهملات في كلّ زاوية تقريباً ربما عدد السلال أكثر من عددنا في المنزل! وفي كل سلة نوعية معينة من المواد. في غرفة الجلوس حيث تجلس والدتي قصاصات أقمشه، أوراق وخيوط صغيرة. حيث يجلس والدي قشور فواكه، أوراق صغيرة بها أرقام هواتف وقوائم تسوق، وأحيانا علب أدوية فارغة. في زاوية غرفة جلوس الضيوف لن تجدوا سوى قطع بخور متفحمة. وفي زاوية أخرى: لا شيء، وعلى سبيل المرح أحيانا أترك قشرة موز في سلة والدتي، أو مجموعة كبيرة من الأوراق والمجلات في سلة غرفة الضيوف. يبدو شكلها غريباً ومربكاً.

(هـ)

ماذا بعد؟

توقفت حلقات الپودكاست بسبب غياب الحبّ، لدي الكثير لقوله وإعداده لكنني لا أجد الحب والاهتمام اللازم لإنجاز الحلقات. أفكر في إعداد أربع أو خمس حلقات عن التخطيط للسفر والإجازة، خصوصاً وإنني أفعل ذات الشيء حالياً وسيكون جيداً الاستماع لاقتراحاتكم حول الموضوع بعد التحدث عن تجربتي.

أبحث فكرة لحلقات جديدة خلال رمضان قد تكون مفاجئة وممتعة. وكل هذا يعتمد على طاقتي والأفكار المتوفرة.

ماذا بعد لوثة الطهي؟

عاودتني شهية القراءة قبل أسبوع تقريباً، تأكدت من ذلك بعد استعادة سرعتي المعتادة ونشاطي في الانتهاء من كتاب. ما زالت هذه السنة سنة الكتّاب الروس، اقرأ لدوستويفسكي رواية “الأبلة” على مهل، وبدأت في أعمال كافكا الكاملة بكتاب يجمع مقالات وآراء حوله.

سأحاول كتابة تدوينات بلا ميعاد، كهذه التي أنجزتها قبل قليل.

كنت هناك: مكتبة مايكل سايدنبرغ السرية

 

كتبت التغريدة أعلاه في مارس 2013م، كانت أقرب إلى الأمنية مع إنني كنت أعلم حينها برحلتي المقبلة إلى نيويورك. توقفت عن التفكير في مكتبة مايكل سايدنبرغ في اللحظة التي نشرت فيها تلك التغريدة. ومضت الشهور سريعاً وصولاً إلى أغسطس، سافرت في نهايته تقريباً وتواصلت بالبريد الإلكتروني مع مايكل بخصوص زيارة مكتبته ولم أجد رد. أُحبطت قليلاً لكنني لم أتوقف عن البحث والمحاولة. ولكن، قبل أن استرسل في الحديث عن مايكل ومكتبته سأخبركم قليلاً عنها. مايكل سايدنبرغ كاتب وبائع كتب نيويوركي شهير، بدأ هذه المهنة في سبعينات القرن الماضي، ولكن ومع مرور الوقت وتراجع مبيعات الكتب وارتفاع الإيجارات النيويوركية قرر مايكل نقل مكتبته لشقته الخاصة، وبيع الكتب المستعملة والجديدة فيها بلا تصريح وبلا ملاحقة ضريبية! مكتبة خاصة تشبه حانات بيع الكحول وقت الحظر في بداية القرن العشرين Speakeasy وهذا ما ستفعله عزيزي الزائر. ستحاول البحث عن مايكل والتواصل معه ثم الوصول لمكتبته. ولكن مايكل لا يجيب على رسائلي، وشككت بأنّ البريد الإلكتروني الذي أرسلت عليه التماساتي وشرح لقصتي وأنني سآتي من خلف المحيط لنيويورك وأنّ مكتبته أكثر مكان سأحرص على زيارته. بلا ردّ. فكرت من جديد ووجدت أن التواصل مع رئيسة تحرير المجلة الإلكترونية التي يكتب بها سيقودني إليه، وكان ذلك ما حصل وكتبت لرايتشل روزنفيلت وأرفقت رسالتي السابقة لمايكل بها، لم تمض عدة ساعات حتى وجدت الردّ المبهج منها. قالت لي أنها تواصلت مع مايكل ليقرأ رسالتي ويعود إليّ، وفي حالة لم يحدث ذلك ستعود هي لتخبرني بالتفاصيل. أتذكر جيداً أين وصلني الرد الأول من مايكل – بعد عدة أيام طبعاً- كنت على شاطئ المحيط أتأمل النوارس والأطلسي العظيم. رحب مايكل بزيارتي وزودني برقم هاتفه الذي يقول في الفيلم التسجيلي القصير أنه متوفر للجميع في حالة بحثوا عنه في الدليل، ولكن من يستخدم دليل الهاتف اليوم؟.

بدأت بالتفكير في رحلتي، وانتظر تواجدي في نيويورك على أحرّ من الجمر. وجاء سبتمبر سريعاً كما تمنيت. بعثت برسالة قصيرة لمايكل استفسر عن عنوانه في منهاتن. سكنت في رحلتي الأولى في بروكلين في منطقة بعيدة عن شمال شرق منهاتن حيث يسكن واحتجت لمعرفة الوقت للخروج والعودة لأن غروب الشمس كان بمثابة ساعة سندريلا وإعلان للعودة. لم يزودني بعنوانه وعلق: عندما تتواجدين في منهاتن وقبل وصول بحوالي 30 دقيقة سأبلغك بمكان السكن. سرية أكثر من هذا؟ شعرت بالرعب قليلاً وضحكت أختي من جنوننا واقتحامنا لهذه المغامرة. ماذا لو كان مايكل شخصاً مختلاً يستخدم الكتب لاستدراج القرّاء لكهفه لقتلهم والتهامهم؟ لم نكثر من هذه الأفكار الدرامية.

تحمسنا للوصول وخلال الوقت المتفق اتصلت به وبعث بعنوان الشقة 7. حملت معي مبلغ نقدي جيد –أو هكذا اعتقدت- ووصلنا للمبنى. حاولت أختي إثارة رعبي للمرة الأخيرة. على باب المبنى وبجانب كل جرس للشقق يظهر اسم الساكنين. لكن الشقة 7 لم تحمل اسماً. وهذا شيء آخر يعطينا إشارة للعودة.

SeidenbergA-edit

Warby Parker Blog

لم أتردد في ضغط الزرّ وبلا سؤال فُتحت البوابة أمامنا، صعدنا كما شرح لي ووصلنا للشقة، كان مايكل أمام الباب ومشهد الكتب التي وصلت حتى الباب سبب لي الدوار واختلطت بداخلي المشاعر. احتجت لعدة دقائق حتى استعدت توازني واعتذرت منه لأكثر من مرّة، دمعت عيناي وخذلتني بشكل لم أتوقعه. أنا هنا، أنا في مكتبة مايكل سايدنبرغ السرية بعد عدة أشهر من الانتظار والحلم. تبادلنا الاحاديث الخفيفة في البداية، التعارف وقصة رحلتي واهتماماتي. حدثته عن مهرجان بروكلين للكتب والذي لن استطيع حضوره للأسف لتعارضه مع موعد بدء دراسة أخوتي وعودتنا لبنسلفانيا. ضحك مايكل وعلّق: هكذا أفضل. أبدى امتعاضه من هذه المهرجانات “الصورية” والتي لا تخدم الكتاب والقراء على عكس ما تعلن. واعترف لكم، شعرت بالراحة واختفى شعور الحسرة الذي عشته لأيام بسبب ضياع الفرصة. بدأنا باستكشاف الرفوف وحاول مايكل جاهداً مقاومة التوصية بأحدها. تكلمنا كثيراً وعن كلّ شيء، من الكتابة للكتب للسياسة والربيع العربي والثورات العالمية والماركسية – يبدو أنّ مايكل شيوعي متخفّي تفضحه كتبه- والإخوان المسلمين! تحدثنا أيضا عن تجسس الحكومات وضحكت منى من تشاركنا للخوف الطفولي الذي أثبت حقيقته اليوم “في أجهزة التلفزيون زُرعت شرائح للتجسس علينا”. تحدثنا لثلاث ساعات متواصلة، لم انتبه معها لحرارة منهاتن الخانقة، ولا لغروب الشمس. وجدت كلّ كتب الحياة الممكنة، حتى لم استطع شراء أيّ منها بسبب الحيرة. مايكل يؤكد أنني لم أكن احتاج لشراء الكتب وأنّ زيارتي للمكان ولقائي به كافٍ. وجدت منى غرفة صغيرة في الشقة تكدست فيها كتب الفنون والرسم والتصوير، حملت بعضها معها وقررنا التبضع. في غرفة أخرى، طبعات أولى لدور نشر عالمية، بنغوين وراندوم هاوس وكتب أخرى لنيويورك رفيو أوف بوكس. رؤية الكتب ذكرتني بالترجمة التي كنت أعمل عليها آنذاك. ترجمة رواية “كل شيء يمضي” للكاتب الروسي فاسيلي غروسمان. أخبرت مايكل بالكتاب واتبعت جملتي بـ إنه كاتب روسي إذا كنت تعرفه. أعرفه؟! علق مايكل بدهشة وأبدى إعجابه بمشروعي الهائل! إنه كاتب عظيم. وأنت تصنعين شيئا مذهلاً، ترجمة رواية للمرة الأولى بلغتك الأمّ. اعترف بأنّ مشاعري تغيرت 180 درجة بعد تعليقه، كنت أعلم بأنني أصنع شيئا مدهشا واستمتع بذلك. لكنّ، تغيرت نظرتي للموضوع بعد أن استمتعت للملاحظة الخارجية. خارج عقلي، خارج رؤيتي ومشاعري الخاصة.

secret1

Via The New School Free Press

اخترت كتب عن همنغواي، وكتاب عن جون شتاينبك. وعرض عليّ مايكل رواية للكاتب النيويوركي جوناثان ليثم. قال لي هل رأيتِ هذا الكاتب المشهور؟ لقد كان يعمل في مكتبتي وهو صغير. والآن ينشر رواياته ويقدم نصائحه للكتاب. الرواية التي اقترح علي شراءها هي “Chronic City” لماذا هذه بالذات؟ يقول لأنها الشخصية الرئيسية فيها مقتبسه عنه، حتى الكلب ذي الثلاثة أرجل فيها، كلبه هو. تبنى مايكل الكلب منذ زمن، وذات مرة قابلته سيدة في الشارع وأخبرته بأنّ كلبه يشبه كلباً قرأت عنه في رواية لجوناثان ليثم وحدثته عنها. ضحك مايكل من هذه الصدفة وأخبرها بأنّ الكلب الذي يرافقه هو بطل تلك الرواية وأن البطل مقتبس عن حياته، يقول أنها ابتسمت ومضت، ربما لم تصدقه!

عندما انتهينا من التسوق وبعد تأمل النسخ القديمة التي حصلنا عليها وبعضها توقفت طباعته منذ عقود مضت. اقترحت على منى الذهاب لماكينة الصرف الآلي وسحب المزيد من المال لتفادي الإحراج. لكنها وبعد عودتها وحساب تكلفة ما حملناه صعقنا – قليلا – ثمّ سألنا مايكل عن المبلغ الذي نحمله وأخبرناه بأننا نحمل 140 دولاراً تقريباً، قال هاتوا ما معكم واكتفى به. شعرت برغبة عارمة في البكاء. بعض الكتب الفنية القديمة والنادرة التي أخذتها منى تصل قيمتها إلى أكثر من 100 دولار. هذا إذا استبعدنا قيمة كتبي. لم يكن مايكل يحاول استدراجنا لشراء المزيد من الكتب، ولا يبحث عن المكسب المادي الضخم، إنه يريد فقط دفع فواتير إيجار المكان – الذي لا يسكن فيه فبيته يبعد عدة شوارع- ويريد اللقاء بالمهتمين والشغوفين بالقراءة حول العالم.

secret2

The New School Free Press

في مكتبة سايدنبرغ اجتماعات أسبوعية يلتقي فيها أصدقاءه من الكتاب والفنانين. مكتبته مكان للقاء الشبان والشابات الذين يحلمون بتغيير العالم ونشر السلام. حدثني عن انطلاقة “Occupy Wall street” الحركة الاحتجاجية النيويوركية وأن أحد الذين اطلقوها كان يجلس على الكرسي الجلدي العتيق حيث جلست لأستريح وتحدى أصدقاءه – ومايكل – بنشر تغريدات تحشد الآلاف من البشر في ذلك المكان وفي وقت قصير. بعد هذا السرد التاريخي المميز عرض علينا البقاء ومشاركتهم الاجتماع الأسبوعي لكننا اضطررنا للمغادرة، وأخبرني بأنّ العناوين التي أريد شراءها في المستقبل سيجهزها ويمكن لمنى استلامها منه وإرسالها للسعودية.

hemingway11

لم استوعب تفاصيل ذلك المساء سريعاً. حتى الكتب التي حملتها لم أتصفحها حتى عدت إلى بنسلفانيا بعد عدة أيام. ووجدت في الكتاب الذي يختصر حياة همنغواي في صور وتعليقات وقصص مكثفة، فاصل كتاب أثار اهتمامي. يبدو فاصل الكتاب كبطاقة أعمال يقدمها مكان ما، اسم المكان Bookforum”” وعنوانه في برودواي، مقابل جامعة كولومبيا ويفتح أبوابه سبعة أيام في الأسبوع ليلا ونهاراً، ويبيع الكتب الأكاديمية، وكتب بأغلفة ورقية، وأغلفة متينة، وكتب مستعملة ومخفضة! كلّ هذا في مكان واحد! استغربت في الحقيقة من اسم المكان وخدماته ولماذا لم أجده في دليل مكتبات نيويورك وبحثي الذي قضيت فيه ساعات وساعات للتجهيز لتسوقي الورقي خلال تواجدي. لم يكن هناك عنوان لموقع الكتروني فخمنت أنّ المكان قديم، أو على الأقل هذا الفاصل. بحثت في غووغل عن المكتبة وموقعها ولم أجد أيّ شيء، في كل مرة كنت اكتب فيها العنوان المفصل يظهر لي مطعم سوشي “Vine Sushi” هذا عنوانه وهذه جامعة كولومبيا مقابلة له. كانت هناك مكتبة صحيح، ولكنّها أقفلت أبوابها في 1995م – قبل حوالي 20 عاماً- بسبب ديون متراكمة لم أجد هذه المعلومات بالتفصيل وكل ما وصلت إليه هذه المقالة التي نُشرت في 1998م في جريدة نيويورك تايمز ويأتي فيها إشارة للمكان الذي أصبح اليوم مطعماً للسوشي. هذه القصة الطريفة والغريبة تظهر علاقة البشر بالقراءة والكتب والطعام وتفاوت هذه الأولويات وتفاوت أهميتها مع مرور الوقت.

كنت قد وعدت مايكل سايدنبرغ بعدم الإفصاح عن مكان مكتبته، أو نشر موقعها على الإنترنت، ولم التقط صور للمكان لأنني ببساطة خجلت من رفع هاتفي واقتحام خصوصيته. وجدت لاحقاً الكثير من الصور التي نشرها الزوار وأصدقاءه وأرفقوها بكتابتهم عن المكان وندمت لأنني لم أفعل. ربما في رحلتي القادمة. قبل عدة أيام أرسلت رسالة الكترونية لمايكل أخبره عن نشر الترجمة ووعدته بإحضار نسخ من الكتاب المترجم للمكتبة في المرة القادمة. سيضع الرواية مع الكتب العالمية في مكتبته السرية، وقد يجد قارئ عربي نفسه هناك ذات يوم وسيسعدني اكتشافه لترجمتي. لم أجد ردّ على رسالتي حتى لحظة كتابة التدوينة. وقد استعين برايتشل من جديد!