الرّبيع في باريس

تلاشت أصوات باريس من رأسي تدريجيًا خلال الأيام القليلة الماضية. صفارات سيارات الشرطة والاسعاف الأوروبية المميزة لا تشبه صفاراتنا المحلية أو التي في نيويورك. العجلات ترتطم بالطرق غير المستوية وانحراف السائق السريع وزحلقتي وأغراضي على كراسي السيارات الجلدية. صوتي يرتدّ في رأسي وأنا أحيي الباعة: بون جور بون سوا اورفوا! صوت المصعد الآلي لسيدة تذكر الدور الذي سكنته: سيتيم إيتاج آش الدور السابع H. بدأت جردة كتابة التدوينة في مكان ما على الطريق السريع المتجه لمطار شارل ديجول.

تحسست أذني واكتشفت أن قرطي المفضل مفقود، والآخر في الأخرى يتساءل عن رفيقه. لم يكن باهض الثمن لكن القيمة المعنوية التي يحملها أكبر بكثير من ذلك. خلعت القرط الوحيد وخبأته في جيب معطفي، ربما يعود ذلك يومًا ما؟ تحققت لاحقًا عندما وصلت للرياض في الحقائب والملابس ولكن لا أثر له. عندما أقول تركتُ بعضي في باريس لن تكون مبالغة.

هذه الرحلة اللطيفة حصلت بلا تخطيط مرهق، مزيج من عمل وبحث وعزلة ومتنفس واكتشاف وتعويض. عندما كتبت التدوينة الماضية وقلت ستكون باريس هنا دائمًا. عنيت ذلك بشدة. أردت تعويض رحلتي المتعبة في أقرب فرصة لكن لم يخطر ببالي أنّها ستتيسر هكذا، الحمد لله.

زيارة باريس هذه كانت بمثابة استكمال حكاية أو دردشة مع صديق بعد فاصل زمني ومكاني قصير. أين كنّا؟ قضيت أسبوع غنيّ بالمشي في شمس الشتاء الغامرة – لم تمطر يومًا واحدًا وأنا هناك، لن أمانع لو حصل ذلك لكنّها كانت هدية من الله للمشي والمزيد من المشي. تحقّقت من قائمتي الممتدة السابقة والتي لم التفت لها بسبب المرض وقصر الوقت، وانهمار المطر. وكانت هذه الرحلة أيضًا من جهة أخرى غنيّة بالمصادفات الجميلة! صديقتي منذ أكثر من عشرين عامًا تزورها لعطلة قصيرة وبرنامج تدريب، وصديقة جديدة انضمت لها قبل الرحلة بوقتٍ قصير.

كانت نيتي قضاء الكثير الوقت مع نفسي، لكن هذه اللحظات التي شهدت مشاركة التجارب مع الآخرين زادت من حماسي للانطلاق كلّ صباح.

وانتهت الرحلة بلقاء المدونة التي أحبّ واتابع منذ سنوات Garance Dore. أسست المدونة مجتمعًا صغيرًا وحصري للسيدات نسجل فيه باشتراك سنوي. وهذا اللقاء هو واحد من لقاءات أخرى سابقة وستأتي وصادف أن وصلتني النشرة البريدية الأسبوعية لتبلغني أن اللقاء القادم سيكون يوم ٢ مارس! سعدت كثيرًا بأنها ترتبت هكذا.

حجزت تذكرتي بأميالي التي جمعتها خلال السنوات الماضية، ووجدت غرفة بسعر جيّد في فندق انتظرت تجربته طويلًا. سكنت نفس المنطقة التي زرتها المرة الماضية ولذلك كان الانطلاق والاكتشاف أسرع. هنا الصيدلية، وهناك السوبرماركت، هنا مطاعم تقدم وجبات شهية، وفي هذه الزاوية تقف سيارات أوبر والأجرة بشكل أفضل.

مذكرات باريس

اليوم الأول

  • يوم الوصول المبكر والراحة قليلًا واستقبال الجوّ.
  • الإفطار في مطعم Immersion Vendôme.
  • قهوة لذيذة من Café Nuances – اقتنيت منهم لاحقًا كبسولات القهوة لصنعها في الفندق والمنزل.
  • عصرية قهوة وحلوى في صالون بروست في الريتز.
  • وفي المساء زرت مركز استجمام حصلت على كوبون هديّة وقررت اختيار المساج بعد أسبوع حافل ومرهق.
  • العشاء في مطعم Nanaumi ياباني تقليدي، هادئ جدًا وسأذكر دائمًا الباذنجان بصلصة الميسو الذي تناولته هناك.

اليوم الثاني

  • الإفطار في مطعم كاريت مع الصديقات – أحبّ البيض والجبن والفطر ومخبوزات الزبيب.
  • اشتريت بابكا الشوكولا والبندق من Babka Zana – زاد السكّر لاحقًا.
  • زيارة متحف فيكتور هوغو باريس. منزل تاريخي سكنه الكاتب وفيه قطع فنية ومسودات ومراسلات خاصة به. أحببت أن الدخول للمتحف مجاني.
  • جولة في محلّ Merci متعدد الأغراض.
  • من ثم أكملت الجولة في المنطقة Le Marais التي أحبّها كثيرًا، زرت محل قرطاسية جميل اسمه Papier Tigre، وتوقفت للقهوة في Typica للقهوة المختصّة ومن ثمّ توجهت لغاليري متخصص في الكتب الفنيّة Yvon Lambert Gallery.
  • الغداء في مطعم لبناني Kubri – الوجبة كانت غنية وكبيرة جدًا وكثيرة على شخص واحد فقط.
  • عدت للفندق عدة ساعات للعمل وخرجت مجددًا.
  • مررت بمحل Aigle الفرنسي واشتريت حذاء بساق متوسطة الارتفاع قليلًا مصنوع من الكانفاس.
  • قهوة في Noir ومشية قصيرة في الدائرة السابعة.
  • استكشاف محل العطور الذي زرته المرة الماضية وكان مغلقًا Parfums d’Orsay

اليوم الثالث

  • تناولت الإفطار في غرفتي بالفندق وقضيت ساعات الصباح الأولى في القراءة والعمل.
  • دعتني صديقتي إلى وجبة برنش brunch  طويلة وغنية امتدت لحوالي الثلاث ساعات في La Bauhinia
  • كان يومًا مشمسًا وبديعًا قضينا جزء منه في المشي حول منطقة Chaillot
  • عدت للفندق وقضيت بقية المساء في الراحة والدفء وتناولت وجبة سريعة شهية للغداء من مطعم برغر اسمه Blend.
  • بعد عدة ساعات من العمل تناولت العشاء مع رفقتي في مطعم هندي Annapurna

اليوم الرابع

  • بدأ اليوم مبكرًا فقد قررت مشاركة سرّي الصغير في الوصول بسرعة لمطل كنيسة القلب المقدس على تلة مونمارت.
  • تناولنا الإفطار في المطعم الأسترالي الذي أحببته Hardware Societe
  • صعدنا للمطلّ، التقطنا الصور وتجولنا حول المكان ومن ثم هبطنا عشرات السلالم باتجاه مقهى مختصّ أردت تجربته.
  • أمام آخر عتبات السلّم وجدنا محلّ العطور الفرنسي الشهير Fragonard تذكرت توصية ابنة خالي باكتشافه وعطوره وقضينا فيها وقتًا لا بأس به وخرجت منه بحصيلة جيدة كذلك.
  • في الجهة المقابلة وعبر زقاق مرتفع تدريجيًا وجدنا المقهى المطلوب Clove تناولنا المزيد من القهوة ولفائف الهيل السويدية اللذيذة!
  • عدت للفندق لاستراحة قصيرة وخرجت لاحقًا لزيارة متحف الرسام يوجين ديلاكروا أحد رسامي المدرسة الرومانسية الفرنسية. له لوحات شهيرة كثيرة لكنّ أشهرها في متحف اللوفر «الحريّة تقود الشعب». المتحف صغير جدًا وبه مسودات قليلة وبعض البورتريهات.
  • تناولت الغداء مع صديقتي في مطعم Huguette المتخصص بالأطعمة البحرية وكانت وجبة شهية وغنية بثمار البحر.
  • تابعنا المشي باتجاه حدائق لوكسمبورغ ولم ننتبه للوقت، جلسنا على الكراسي الخضراء الموزعة حول المكان وتلقينا الشمس بوجوهنا لنسمع صفارة الشرطي لاحقًا. نشير لأنفسنا مستنكرين هل نحن المقصودين؟ ويجيب بصفرة جديدة! مشينا باتجاه المخرج وطالني بعض الانزعاج فلم أشاهد نافورة مديتشي في هذه الزيارة ولا أظن أن الوقت سيسمح بعودتي. وبينما نحن متجهين للمخرج كانت هناك على يميني تنتظرني. التقطت لها عدة صور بينما سبحت بطة وحيدة في مائها. وتبعنا شرطي آخر ليتحقق من خروجنا أخيرًا.

اليوم الخامس

  • إفطار شهيّ وهادئ في مطعم Sunday in Soho
  • زيارة لمتحف القصر الصغير Petit Palais أو متحف مدينة باريس للفنون الجميلة. المتحف رائع ولم يكن مزدحمًا أبدًا ولم أفهم ما السبب حقيقة. المعمار في المبنى يستحق التأمل، واللوحات والقطع الفنية المتنوعة كذلك. المكان فسيح بسقف مرتفع وحديقة جميلة تتوسّطه قضينا فيها بعض الوقت للتأمل بهدوء.
  • قضيت بقية النهار في التسوق أو كما أسميته: إعادة تأثيث حياتي!
  • تناولت الغداء في مطعم مكسيكي لطيف اسمه Bocamexa
  • ملأت علبة صغيرة ببعض الحلوى الشرقية المغرية من Maison Aleph
  • تناولت العشاء مع صديقتي في مطعم Shirvan الذي يستوحي اطباقه من دول طريق الحرير. قائمة الطعام متنوعة وشهيّة لكن اختيارنا الأساسي وقع على كتف الخروف المطبوخ عدة ساعات. يستحق أن يكون وجبة احتفالية.
  • قضينا بقية الأمسية بمحاذاة النهر ننتظر التماع برج ايفل على رأس الساعة. كنا والعشرات المصطفين معنا نحاول إعادة الدفء لأطرافنا بالقفز والحركة.

اليوم السادس

  • بدأ الصباح باكرًا بانتظار مطعم Paperboy والافطار، وبينما أشار الموظف بأن الدخول للمكان سيستغرق ١٥ دقيقة توجهت وصديقتي إلى قهوة  Dreamin Man القريبة شربنا هناك ألذّ Flat white في الرحلة بلا منازع!
  • بعد الإفطار تمشينا قليلًا في الجوار لحين موعد زيارة اللوفر المرتقبة وشربنا القهوة من جديد في Fringe وهي قهوة مختصة تقدم وجبات إفطار متنوعة والغرانولا المصنوعة لديهم مميزة. حملت معي كيس من غرانولا التشاي ببهارات لذيذة!
  • أخذت صديقتي في جولة مختصرة جدًا في اللوفر – وامتدت لثلاث ساعات حتى شعرنا بأن أقدامنا تصرخ.
  • تناولت العشاء في الفندق وانتهت ليلتي باكرًا.

اليوم السابع

  • بدأت صباحي بهدوء والتقيت برفيقاتي عضوات مجموعة Garance Dore في باريس. كان اللقاء لطيف وشيّق! اعتذرت عن المتابعة لنهايته وانطلقت في سلسلة من جولات شراء احتياجات العائلة التي وصلتني توصياتهم عليها.
  • زرت متحف Musée Cognacq-Jay صغير وهادئ في منزل من القرن الثامن عشر، وكذلك الأعمال الفنية التي احتضنها. الدخول للمتحف مجاني والجولة سريعة جدًا.
  • جلست لتناول القهوة في Fika المقهى التابع للمركز الثقافي السويدي في باريس، لم أكن مستعدة لجولة في المكان لكن حتمًا سأعود له في زيارة قادمة فهو يضم مجموعة فنية وأنشطة ثقافية متنوعة.
  • ذهبت للعشاء في المطعم الإيطالي Big Love ودعت المدينة بمشية قصيرة وعدت للفندق لاتمام حزم حقائبي قبل رحلة الصباح الباكر.

هذه التدوينة محاولة لجمع كل التجارب بشكل سريع، وقد تكون دليل لأماكني المفضلة الجديدة، أو احتفال برحلة جميلة ستبقى في الذاكرة طويلًا. يمكنكم أيضًا مشاهدة الصور عبر حسابي في انستقرام، وخصوصا القائمة المثبتة تحت عنوان Paris 23.

.

.

.

We’ll always have Paris

جلست لكتابة هذه التدوينة بعد تأجيل. الجزء الثالث والأخير من تدوينات باريس الجميلة. ما الذي ذكرني بالعودة للكتابة؟ مررت بصفحة في ويكيبيديا تحدثت عن جوزفين بونبارت. تذكرت لوحة تتويج نابليون الهائلة التي كان الوقوف أمامها إحدى لحظات رحلتي المميزة. الأسبوعين الماضية كانت مزيج من تعافي وانتكاسة صحية ومن ثم التعافي من جديد. ومن جهة أخرى استكمال حفلة ترميم حياتي الاجتماعية واللقاء بأفراد العائلة والصديقات بعد انشغال طويل. وأخيرًا الاستعداد للعودة للعمل. هناك تجارب جديدة واكتشافات لكن سأتركها لتدوينة أخرى، هذه التدوينة عن مونيه والزنابق وباريس المشمسة.

مع فواصل سعال قصيرة عدت للكتابة واستعادة ذكرياتي من ملف الصور في هاتفي، الصور بمثابة فتات الخبز الذي يعيدني إلى ذكرى معينة في حال نسيتها.

أربع أيام هذا ما يقوله الهاتف. بين وصولي والخروج لمتحف أورانجري في حديقة تويلري. يحتضن المتحف مجموعة غنية من لوحات المدرسة الانطباعية، وبالتأكيد زنابق الماء لمونيه. أصبت بالإحباط عندما علمت أن منزله ومتحفه والحديقة في جيفرني ستكون مغلقة لموسم الشتاء.

بدأت الصباح الضبابي بالمشي باتجاه الحديقة التي تبعد حوالي ربع الساعة من فندقي، الأجواء تقول يوم بارد جدًا. أراه في وجوه المارّة والطريقة التي يشدون فيها معاطفهم على أجسادهم. أما أنا فيبدو أن بقايا الحمّى ما زالت رفيقتي. لا أفهم سرّها لكن بالنسبة لي الجو في الخارج يشبه الربيع. لم ارتد شالا حول عنقي ولا قبعة صوفية. معطف ضخم وكنزة صوفية وسروال جينز وما إن عبرت البوابة للمتحف حتى قررت وفورا التخفف من القطع التي ارتديها. كيف لكل هذه التدفئة أن تتسق مع فكرة معاناة أوروبا مع الوقود؟ رتبت حقيبتي على هذا الأساس والنتيجة أن كل مكان في المدينة مدفأ أكثر مما يجب! والأيام الوحيدة التي استمعت بها هي تلك التي تخففت فيها من قطع ملابسي الصوفية.

متابعة قراءة We’ll always have Paris

Je ne parle pas français

بعد انتهائي من التدوينة الماضية بدأت صحتي بالتحسن تدريجيًا. قال جسمي توقفي عن محاولة الهرب. استلقيت ليوم كامل في الفراش مع زيارات قصيرة للنافذة والعودة مجددًا للنوم. موجات حمى وسعال، وأدوية مضبوطة انضباط الساعة. قالت لي الموظفة في الصيدلية أن التعافي يحتاج لأسبوع كامل وقلت في نفسي الراحة والدعاء ستساعدني بالتأكيد! عادت أختي مساءً للغرفة وأخبرتها بأن متحف رودان ينتظرني صباح الغدّ. اشتريت التذكرة التي ذكرت بوضوح: سارية لمدة سنة كاملة! يعني في حال سقطت في هوة التعب ستكون التذكرة سارية لبقية الأسبوع.  

كان الجو غائمًا يومها وتذكرت أن الجمعة كانت المدينة تغتسل بالشمس وفاتني ذلك. وصلت المتحف قبل منتصف النهار والسماء تمطر ولم أتمكن من الوقوف في الحديقة وتأمل المنحوتات فيها. تجولت في الأروقة وتعرفت على أعمال رودان عن قرب. أتساءل دائمًا عن التدفق الإبداعي ومتى يصل إلى الذبول؟ لا شيء هنا يقول ذلك. دخلت غرفة كاملة خُصصت لنماذج الأيدي والأقدام. وأخرى للقطع غير المكتملة. اقترب من المنحوتات كثيرًا وأودّ لو أغافل الموظفين وأمرر يدي على انحناءات الأجساد المحفورة بعناية وجنون.

بينما شُغلت بالأعمال الداخلية تنبهت لخيوط الشمس تتسلل بهدوء داخل المكان. توقيت جيد لأنني انتهيت من زيارة كلّ الغرف. وركضت باتجاه الحديقة. الآن يمكنني رؤية الخريف. الأوراق بتدرجات الذهبي والبني والكراميل. والتماثيل مغطاة برذاذ المطر الأخير.

متابعة قراءة Je ne parle pas français

الخريف في باريس

هذه المرة الأولى التي أزور فيها باريس. وصلت والمدينة غارقة في الظلام. لم يقلل ذلك من حماسي أو تطلعي للأيام التي سنقضيها معًا. وصلت بشهية مفتوحة وقائمة لا نهائية للأماكن التي سأزورها والمذاقات التي سأجربها. خلال الساعات الأولى من اليوم بدت علي مظاهر التعب وتجاهلتها تماما، فكرت: هذه آثار السفر بعد أيام من الركض ودون راحة. أو هو التوتر الممزوج بالحماس؟ تجاهلت الإشارة وخرجت للمشي تحت المطر، زرت أقدم متحف في المدينة كما تشير النبذة الخاصة به. ومشيت بمحاذاة حديقة تويلري مع كوب قهوة دافئة بالحليب. أشعر بالاحتقان يتسلل لحلقي واستمتع بدفء القهوة وهي تعبره. لا مجال للاستسلام للمرض الآن! ليس لدينا وقت نضيعه في الراحة. 

عدت إلى الفندق بعد غروب الشمس وتحولت المدينة لوجهها الآخر. واجهات المحلات المضاءة، والناس متراصين على الكراسي ليستمتعوا بحرارة المدافئ المعلقة فوق رؤوسهم. 

مررت بمخبز شهير عرفته فقط بطابور المنتظرين تحت المطر، ومطعم آخر يقدم الشوكولا الساخنة وطابور ممتد للمتحفزين. شكرًا لكني لا أجد نفسي أبدًا مستعدة للوقوف وانتظار الطعام. 

واصلت المسير عبر جادة فخمة وأعيد في ذهني قائمة المحلات التي سأزورها للتسوق قبل العودة. لدي ذاكرة صورية جيدة، بالاضاف إلى معرفتي بموقع الفندق الذي يقع بالقرب من معلم معماري بارز. أسير باتجاهه كما لو كان بوصلتي. أتذكر موعد حجز العشاء لأحفز معدتي للجوع. لم يكن ذلك نافعًا. شهيتي تعاني من ركود غريب، هل كانت الرحلة هي السبب؟ أو تغير الجو المفاجئ؟ أو الحماس لباريس؟ أختي هنا في رحلة عمل وأنا رفيقتها. كانت فكرة جيدة بما أنني ألغيت رحلتي المنتظرة في أكتوبر الماضي لظروف العمل. هذه رحلة ميلادك الأربعين تأتي متأخرة بشهر!  انتهى اليوم في مطعم إيطالي صاخب -نعم إيطالي. من جديد لستُ متأكدة من سبب اختياري. أردت وجبة حنونة بأقل قدر من التفكير. التهمنا طعامنا وغادرنا.

بدأت أعراض جديدة في منتصف الليل. توقظني أختي وترجوني لتعديل وضعية نومي ليتوقف الشخير. لكن وضعيتي لم تكن السبب بس حنجرتي المقفلة تمامًا. 

في الصباح تجاهلت الألم وكالعادة تحاملت على نفسي: أقول سأتذكر هذه المدينة بين نوبات السعال وهلاوس الحمّى. ذهبت لتناول الإفطار في مقهى صغير في حارة مجاورة لمتحف أورسي. أنا هنا لأجل الانطباعيين، وغداء على العشب، ومعرض مؤقت لإدوارد مونك. السماء صافية نوعًا ما، أحمل معي مظلة لن استخدمها لعدة ساعات على ما يبدو. وقفت في الصفّ الأقصر إذ كانت فكرة شراء التذكرة صائبة. رحلة مدرسة تغادر المكان وابتسم في سرّي: الحمد لله! تذكرت رحلتي الأخيرة إلى لندن حيث اصطدمت بصفوف الأطفال في كلّ أروقة المتاحف. رحلات مدرسية بلا توقف. 

المتحف قائم في محطة قطار قديمة، كما أشار أحد المدونين الذين اتابعهم: لدى الفرنسيين هوس بتحويل محطات القطار المتقاعدة إلى متاحف. تركت معطفي في الخزانة فالمكان دافئ جدًا، دافئ أكثر مما يجب. وددت لو تخلصت من بقية القطع التي ارتديتها ظنًا مني بأن الجو سيكون باردًا وتفاديًا لمزيد من المرض. 

كانت صحتي تتداعى تدريجيا، مع كلّ ممر أتساءل: هل يمكنني احتمال أجواء المكان وازدحامه بالقطع؟ هل توقفت عن الإحساس بالمتعة؟ بعد ساعتين ونصف الساعة تقريبًا قررت المغادرة. احتجت للهواء النقي والمشي باتجاه محل للعطور انتظرت زيارته طويلًا. يبعد المحل من المتحف حوالي السبع دقائق مشيًا. وصلت المكان لأجد الباب مغلق، مع أن ساعات العمل الموضحة في خرائط قوقل كانت تشير إلى كونه مفتوح. محبطة قليلا قررت المشي باتجاه مختلف حتى أصل لوجهة مفضلة أخرى. في الشارع المقابل صادفت حديقة صغيرة، أو ربما جزيرة خضراء في منتصف الشارع. وللمفاجأة كانت تعلوها لوحة تحمل اسم غابرييل غارسيا ماركيز. هذا المكان الصغير في باريس يحمل لوحة باسم عرّاب الواقعية السحرية اللاتينية. التقطت صورة للوحة وبدأت دفاعاتي تتهاوى. لا مزيد من المشي اليوم. طلبت سيارة لتأخذني إلى شرق النهر حيث أسكن. وبحثت عن قصة اللوحة التي مررت بها قبل قليل. إنها تذكار للسنة التي قضاها ماركيز في المدينة وسكن بالقرب منها. وغير ماركيز الكثير من كتاب أمريكا اللاتينية الذين وجدوا أنفسهم في العاصمة الفرنسية هربًا من الدكتاتورية أو بحثًا عن الإلهام، أو كلاهما معًا. 

وصلت للفندق وتناولت وجبتي الأخيرة في اليوم، وقضيت ساعات النهار القصيرة الباقية في القراءة، وهنا أشكر نفسي بشدة. لأنني قررت اصطحاب الجزء الأول من سباعية مارسيل بروست «بحثًا عن الزمن المفقود» معي على الرغم من ثقلها في الحقيبة. تحتفل المدينة بذكرى وفاة بروست المائة. وعدة مكتبات ومتاحف تخصص له جانب من مجموعاتها المعروضة. بين غفوات قصيرة وقراءة عدة فقرات. احكم الالتهاب قبضته على حنجرتي. أصبحت عملية بسيطة كشرب الماء أو البلع ضربًا من ضروب التعذيب. مرّ الليل ببطء وبؤس حتى ظننت أنني لن أنجو من الألم. نمت جلوسًا وحاولت التحايل على السعال قليلا وأملت رأسي. ظهر الصباح أخيرًا وبدأت مخططات اليوم تصطفّ في ذهني. اليوم سأزور متحف رودان وأشاهد منحوتاته. وإذا كانت لدي دفعة من الطاقة سأزور متحف اورانجريه وأقف في الغرفة أمام رائعة مونيه زنابق الماء. قطع هذياني القصير صوت أختي وهي تتوعدني: لا خروج من الغرفة اليوم. استجمعي قواك وتعافي. وسيكون لدينا كل الوقت للمرور على قائمتك الطويلة. 

لقد بقيت حبيسة الغرفة منذ صباح الجمعة-مع استثناء خروج قصير لشراء المزيد من الأدوية-قضيت الساعات في قراءة، أفلام على التلفزيون بعضها شاهدته عشرات المرات. والبعض الآخر وهذه هي الصدفة الطريفة شاهدته في بداية العام في فندق آخر. تمكنت مساء البارحة من تناول البطاطا المهروسة، والأرز المسلوق، وقطع من السالمون المطهو في زيت الزيتون. تطببني أختي مع مقاومة شديدة أعبر عنها بالصمت أو الإشارة باليد. حنجرتي مقفلة تمامًا ولا يمكنني التحدث بصوت مسموع كما يجب. أشبه صوتي حاليا بنسخة مصغرة عن هيفاء. أو وكأنني سحبت نفسًا من الهيليوم. 

اتحقق من صحتي كل عدة ساعات واخطط للخروج من سجني الصغير المرتب. هذه التدوينة قد تكون جزء أول عن رحلتي إلى باريس. أتمنى استعادة صحتي سريعًا واكتشاف ما جئت لأجله والاستمتاع بالخريف في المدينة. 

.

.

.