We’ll always have Paris

جلست لكتابة هذه التدوينة بعد تأجيل. الجزء الثالث والأخير من تدوينات باريس الجميلة. ما الذي ذكرني بالعودة للكتابة؟ مررت بصفحة في ويكيبيديا تحدثت عن جوزفين بونبارت. تذكرت لوحة تتويج نابليون الهائلة التي كان الوقوف أمامها إحدى لحظات رحلتي المميزة. الأسبوعين الماضية كانت مزيج من تعافي وانتكاسة صحية ومن ثم التعافي من جديد. ومن جهة أخرى استكمال حفلة ترميم حياتي الاجتماعية واللقاء بأفراد العائلة والصديقات بعد انشغال طويل. وأخيرًا الاستعداد للعودة للعمل. هناك تجارب جديدة واكتشافات لكن سأتركها لتدوينة أخرى، هذه التدوينة عن مونيه والزنابق وباريس المشمسة.

مع فواصل سعال قصيرة عدت للكتابة واستعادة ذكرياتي من ملف الصور في هاتفي، الصور بمثابة فتات الخبز الذي يعيدني إلى ذكرى معينة في حال نسيتها.

أربع أيام هذا ما يقوله الهاتف. بين وصولي والخروج لمتحف أورانجري في حديقة تويلري. يحتضن المتحف مجموعة غنية من لوحات المدرسة الانطباعية، وبالتأكيد زنابق الماء لمونيه. أصبت بالإحباط عندما علمت أن منزله ومتحفه والحديقة في جيفرني ستكون مغلقة لموسم الشتاء.

بدأت الصباح الضبابي بالمشي باتجاه الحديقة التي تبعد حوالي ربع الساعة من فندقي، الأجواء تقول يوم بارد جدًا. أراه في وجوه المارّة والطريقة التي يشدون فيها معاطفهم على أجسادهم. أما أنا فيبدو أن بقايا الحمّى ما زالت رفيقتي. لا أفهم سرّها لكن بالنسبة لي الجو في الخارج يشبه الربيع. لم ارتد شالا حول عنقي ولا قبعة صوفية. معطف ضخم وكنزة صوفية وسروال جينز وما إن عبرت البوابة للمتحف حتى قررت وفورا التخفف من القطع التي ارتديها. كيف لكل هذه التدفئة أن تتسق مع فكرة معاناة أوروبا مع الوقود؟ رتبت حقيبتي على هذا الأساس والنتيجة أن كل مكان في المدينة مدفأ أكثر مما يجب! والأيام الوحيدة التي استمعت بها هي تلك التي تخففت فيها من قطع ملابسي الصوفية.

قبل الدخول للغرف الشهيرة التي صممت لاحتضان زنابق الماء، يقف موظف المتحف ويشير بإصبعه على فمه: ششش. وعلى الجدار عبارة تقول إننا بصدد الدخول إلى مساحة صممها الفنان لتكون للتأمل. ونرجو منكم تأملها في صمت. الخط العريض لكلمة في صمت هيأني للحظة انتظرتها طويلًا. لا أذكر متى عرفت أن هذا النوع من الرسم انطباعي. لكن مونيه كان من أوائل الفنانين الذين حفظت أسماءهم. حول المنزل تذكارات صغيرة يحملها معه كل من يعرفني. مغناطيس على الثلاجة. كتب ضخمة لطاولة القهوة. شال من الكشمير اشترته أمي قبل سنوات من متحف ما. الزنابق مثنيه وملتفه حول عنقي ومتسقه مع كثير من قطع ملابسي. لو ارتديته اليوم!

يمكنكم الإحساس بمشاعر الناس وحركتهم من حفيف ثيابهم ومحاولاتهم في الوقوف في زاوية جيدة للتصوير. لا شيء سوى هواتف مرفوعة في كل مكان. والبعض يحتل مساحة أكبر مما يجب. وأنا أحاول الانتقال بينهم بعينين مبللة. حسنًا قد لا تكون اللوحة جميلة لدى الآخرين لكن المشاعر التي تدفقت في تلك اللحظة لا ترتبط بجمال اللوحة. أنا هنا، في باريس، في متحف للانطباعيين، أقف أمام هذا العمل الأصيل.

شاهدت نسخ أخرى من السلسلة، صغيرة وكبيرة. أحدها في متحف الفن المعاصر في نيويورك لكنها لم تعطني هذا الحماس والابتهاج. تركت المتحف بعد جولة مقتضبة وخرجت لنزهة في الحديقة. الهواء بارد والمنظر لا يحفز على النزهة. وبينما كان الناس يبتعدون في كل اتجاه بحثًا عن الدفء. قضيت وقتًا لا بأس به في مطاردة النوارس.

ما تبقى من أيام الرحلة قضيته في تخطيط محموم للاستفادة من الساعات وزيارة الأماكن التي خططت لها مع مساحة صغيرة للدهشة. هذه المساحة كانت أفضل ما اعتمدته لرحلتي. مع تردي صحتي قررت استبعاد أي أنشطة تتطلب الاجهاد والمشي وصعود السلالم. لكن في إحدى الليالي شاركتني ابنة خالي صورة لبطاقة أعمال من مطعم صغير. مطعم ومقهى استرالي وله فروع في برشلونة وباريس وملبورن. قائمة طعام صغيرة ودافئة وقهوة شهية! والهدية الأجمل توصيتها. ليس عليك صعود كل سلالم مونمارت والوصول لكنيسة القلب المقدس ومنظرها المبهر المطلّ على العاصمة.

انتهينا من الفطور بعد مطر خفيف غلف كل شيء بسحائب من الجمال. وصعدنا سلم مخفي في ظهر الكنيسة، ثم التففنا على الشارع لنجد أنفسنا في نفس الموقع الذي يصعد إليه الجميع. قضينا الوقت في تلقي المنظر الجميل نحنُ والعشرات من الزوار.  في هاتفي صورة لي وأنا أحاول النظر في العدسة وعيناي مقفلة من أشعة الشمس التي غمرت كلّ شيء. هذه اللحظة في يومٍ غائم. وأنت تتحرك لتدفئ نفسك من الهواء الذي يلفك من كل اتجاه وتظهر الشمس. شعور وددت لو أعلبه لاستعادته في أيامي القادمة.

 صور كثيرة وباعة يمدون لنا الاقفال والمفاتيح لنعلقها على الحاجز المعدني للكنيسة. ألعاب ملونة وإضاءة راقصة تدور وتدور بين التذكارات الأخرى. ميرسي ميرسي ميرسي .. ونمشي مبتعدين. كانت أجمل مساحة عفوية في الرحلة. إفطار مشبع وجولة قصيرة جميلة. عدتُ بعدها للفندق حيث تركت اختي لمواصلة عملها وانتقلت لمحطتي التالية.

قبل رحلتي بعدة أيام كنت ابحث عن معارض مؤقتة أو زائرة، وأي فعاليات ثقافية أخرى قد يكون من المناسب الاطلاع عليها وزيارتها ولن تكون متاحة في زيارة قادمة للمدينة.

مررت بإعلان لمعرض يجوب العالم للفنانة فريدا كالو. اسم المعرض «ما وراء المظهر» ويهدف إلى عرض قصة الفنانة بعيدًا عن الصور النمطية التي عرفناها عنها. يمكن للزوار استكشاف جوانب خاصة وحميمة من حياة الفنانة والتعرف على كيفية تشكل شخصيتها وفنّها بناء على هذه التفاصيل.

ضمت المجموعة صور أصلية للعائلة والمنزل الذي كبرت فيه الفنانة، بالإضافة للكثير من قطع الملابس والإكسسوارات والرسائل والوثائق الخاصة. هذه المجموعة كانت مطوية ومنسية حتى العام ٢٠٠٤.

يمكنني القول إن المعرض هذا كان بمثابة سيرة ذاتية مصورة وأحببت الطريقة التي صمم بها. ففي البدء نهبط السلم لغرفة مظلمة ودهاليز تنتقل بنا كمتاهة. اصطففنا جميعًا في ممرات لا تتسع لأكثر من شخص. نمشي بصمت وعلى الجدار الملاصق لنا اصطفت الصور والمتعلقات الخاصة محمية في زجاج. مكتوفي الأيدي، نتحرك ببطء ونقترب من الزجاج لقراءة ما كُتب. الكل منغمسون في اللحظة إلا من بعض لحظات التململ وانعدام الصبر لمن يود تجاوز الآخر والانتقال لمجموعة أخرى.

لفتت انتباهي لغة الرسائل واستوقفتني رسالة اشتكت فيها فريدا من كراهية باريس والمرض الذي أصابها حال وصولها لتصبح المدينة التي تحفزت للقائها أشبه بسجن كبير. ضحكت في سرّي! لا أحد يفهم هذا التفاعل المعنوي الذي جسدته كلمات فريدا. كلانا أصبنا بمرض ما حوّل مسار هذه الرحلة. التقطت بعض الصور على استحياء فالإضاءة الخافتة لفّت كل شيء بكآبة غريبة.

تفحصت المنتجات في المتجر وهالني ارتفاع سعرها. أتوقع لو اشتريتها من باعة في المكسيك لن تتجاوز عُشر قيمتها هنا وبالإضافة لذلك، ليست من تصميم أو صناعة فريدا فما المبرر لتسعيرها بهذه الطريقة؟

تركت المتحف وأنا في حالة من الفرح المجنون. بينما لفتني الظلمة في الداخل حقق منتخب السعودية فوزه الرائع على منتخب الارجنتين. وظهرت الشمس في باريس بعد غياب. مشيت من المتحف لفندقي في طريق مجاور لنهر السين. القائمة الذهنية الطويلة التي راودني الشكّ في إتمامها بدأت بالاكتمال.

المشي في المدينة لأكثر من ساعة – تمّ. المشي بجوار السين في يوم لطيف – تمّ. في أذني سماعات لاسلكية والفنان عبادي الجوهر يصدح بأغنيته الشهيرة «الإعصار الأخضر». ابتسم للمارة وأحييّهم وأود لو أضيف: منتخبنا فاز!

واصلت نزهتي وقضيت باقي ساعات المساء في زيارة بعض المتاجر، وزرت محلّ عطورات مفضّل كانت تصلني صناديقه المعطرة والمنتجات التي كُتبت بطاقاتها باسمي بخطّ اليد. اتخيل كيف يبدو هذا المتجر الذي تأسس في ١٨٠٣؟ وكان خيار زيارته بعد مشية طويلة أفضل خيار.

دخلت بعد غروب الشمس بقليل وتمهلت قليلا عندما دفعت الباب وسمعت الجرس الصغير يقرع. موسيقى خافتة يأتي صوتها ويغيب مع حركة المروحة المعلقة في السقف. كل شيء مثل حلم! صناديق الخشب التي تحمل المنتجات والعلب المصفوفة على الجدران الخشبية والرسومات اليدوية. الزجاجات التي تدفع الهواء عبرها من مضخة صغيرة وتقرب أنفك لتشمّ الرائحة. كان ذهولي واضحًا وقررت كسر هذا الصمت العميق بابتسامة وتحية.

وقلت بالضبط ما كنت أفكر فيه! قضيت عدة سنوات من التسوق الالكتروني من متجركم والآن يمكنني رؤية هذا السحر من أين يأتي. الموظفات يرتدين زي مرتب جدًا. تنانير بكسرات وقمصان بيضاء بياقة دائرية وكنزة من الصوف الكحلي وجوارب ملونة. زيّ موحد يمكنكم التعرف عليه لو سرن في الشارع باتجاه المحل.

اخترت عطرًا جديدًا تعرفت عليه في اللحظة. من مجموعتهم المرتبطة بمتحف اللوفر، شعرت بأنّ اللحظة مناسبة! غدًا أزور المتحف الضخم وسأحتفي به من الآن. العطر سمي على تمثال النصر المجنح في ساموثراس. ورائحته؟ الورد والماجنوليا والياسمين وزهر البرتقال والمرّه. نسيج متكامل من أرجاء الكرة الأرضية وعطري الذي سأذكر به رحلتي الأولى للمدينة. ابتعت الصابون بنفس الرائحة ومرطب لليدين من اليوكاليبتوس.

لم تكن أختي برفقتي لكن وفي لحظة من الإصرار قررت: ستأتي معي غدًا.

أجلت زيارة اللوفر لليوم الأخير قبل العودة، لم يكن المرض أحد أسباب التأجيل. لكن كنت اختبر نفسي ربّما. ما هو مقدار صبري ومقاومة فضولي؟

اشتريت التذكرة لزيارة الساعة الحادية عشرة صباحًا. فكرة جيدة للتروي وتناول الفطور والخروج على مهل. أظهر تطبيق الطقس في هاتفي أن الامطار ستستمر طيلة النهار. شعرت بالأسف على أختي التي لم تشاهد المدينة لانشغالها والمطر يعني البقاء في الداخل والتنقل بالسيارة. لكن لاحقًا اكتشفت أن الشمس ستشرق بعد الثانية ظهرًا. ممتاز! سنقضي ساعتين في اللوفر وعدتها بذلك.

شكرًا للكثير من فيديوهات جولات يوتوب والمدونين الذين أتابعهم فقد اقترحوا اختصار الجولة على المقتنيات الأبرز للمتحف. حصة أختي الصغرى هددتني بشدة لو زرت الجناح الذي يضم الآثار المصرية. اختصرت الكثير من الاجنحة وقررت رؤية قسم الآثار الاغريقية والرومانية، ولوحات فرنسا، وإيطاليا وبريطانيا. في الصالة التي يتجه لها الجميع لرؤية الموناليزا كنت اقفز فرحًا لمعرفة أن لوحة تتويج نابليون قريبة.

لدي على مكتبي قاعدة كوب نسيت متى أُهديت لي. لكنها كانت مثل التذكرة التي احتفظت بها لحدث مستقبلي. وقفت في منتصف يومٍ خريفي في باريس. وبينما الفوضى والحركة والبشر من حولي. صمت كلّ شيء واقتربت تدريجيا حتى وصلت الحد الفاصل الذي لا ينبغي عليّ تجاوزه.

الصور لا تفي هذه التحفة التي انجزها جاك لوي ديفيد قبل ٢١٥ سنة بالضبط! نعم لقد أتمّ العمل عليها في نوفمبر ١٨٠٧. لوحة بعرض عشرة أمتار وارتفاع ستة.  

بقية الجولة كانت مزيج من مقاومة الحرّ والازدحام والتوقف للحظات أمام اللوحات. سآتي مجددًا رددت في سري. ونظرت على عجل للموناليزا وتساءلت عن التسويق الناجح للوحة صغيرة واعتياديه. هذا السرّ الذي لن أفهمه أبدًا.

خرجنا إلى باريس وقد اشرقت شمسها أخيرًا، أشرت إلى ساعتي وابتسمت بهدوء: حققتُ وعدي لك يا عزيزتي. قضينا بقية المساء أنا ومنى في التجول والتسوق والتقاط الصور الذهنية التي ستعيدنا لشهر نوفمبر المدهش.

وبعد الغروب وقبل التوجه لتناول عشاءنا الأخير في المدينة طلبنا من السائق الذهاب إلى برج ايفل لنراه سريعًا في الليل. وبعد العشاء طلبنا من سائق آخر التوقف قرب قوس النصر. توقع أن نقف في منتصف الشارع لالتقاط الصورة التي يجتهد من أجلها الزوار. لكنه وبينما استدار بالسيارة حول القوس وصرخ مشيرا بأن التقطوا الصورة هنا هنا! أشرت بيدي لا.

قطعت الشارع لزاوية غريبة التقطت فيها صورة لأختي ومن ثم فعلت نفس الشيء معي. بعد عودتنا للسيارة تساءل مذهولا لماذا لم تفعلوها؟ لم يكن مستعدًا لما سمعه: الموضوع هو أن والدي قبل ثلاثين سنة تقريبًا وقف هنا والتقط نفس الصورة أمام قوس النصر. هذه محاولتنا لتسجيل نسختنا من القصة.

لقد وضعتني هذه الرحلة في مواجهة الكثير من التحديات بداية من الوقت القصير الذي قضيته في الاستعداد لها، مرورًا بالمرض، وانتهاء إلى أنّ الوقت ينفد بشكل أو بآخر. ولم أتمكن من رؤية كلّ شيء! أو تجربة كل ما وددت بتجربته. ويرن في أذني الاقتباس الشهير من فيلم كازابلانكا: We’ll Always Have Paris.

ومع اختلاف السياق هنا، إلا أنها الحقيقة التي فكرتُ فيها بينما ابتعدت الطائرة عن مطار شارل ديغول. لقد وجدت مدينة جديدة أحبّها ولن تكون هذه المرة الأخيرة لزيارتها بإذن الله.

.

.

.

تعليقان (2) على “We’ll always have Paris”

  1. دخلت عالم من الجمال وانا اقرأ وصفك الرائع، مدينة فعلا تشبهك وحالمة مثلك، لم ازر باريس من قبل او اي مكان اخر في العالم واجد مثل هذه التدوينات نافذه اتنفس منها وارى عالم مذهل من خلال كلماتك، لتكون قائمة مدنك المفضلة كبيرة ويكون في كل زاوية من هذا العالم مكان تحبينه♥️

  2. تدوينة رائعة شكراً لك هيفاء ع المشاركة و الكتابة الراقية، باريس بنسخة هيفاء الخاصة، جميلة جداً و دافئة و حميمية🤍🌹ج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.