بيت صغير بمنهاتن.

Screen Shot 2015-12-18 at 3.40.30 PM

كنت سأجلس لكتابة هذه التدوينة قبل عيدي الثالث والثلاثين – أكتوبر الماضيلكنّني فشلت كالعادة في صنع الوقت. لا وقت أفضل من ديسمبر للحديث عن سنة ملوّنة شهدت تغيرات كثيرة. لكن تجربة السفر وحيدة غيّرت حياتي كلها وليس سنتي. لم تكن هذه الخطة الابتدائية طبعاً، لكن انشغال أخوتي بدراستهم جعلتني أواجه المدينة الضخمة واستمتع بإجازة مستحقة.

أعتقد بشدة أنك تحتاج للسفر وحيداً لتحتفل بنضجك وقدرتك على مواجهة أصوات روحك، ركضنا المستمر في العمل وروابطنا الاجتماعية التي لا تنقطع يجعل مهمة التركيز على أنفسنا صعبة وأقرب لدى البعض للمستحيلة. فكرت في كل المنافع التي سأجنيها من السفر وحيدة، بينما كان البعض يتساءل عن جدوى الذهاب لآلاف الأميال لترافق ظلك، لتشعر بالرعب في الشوارع الخالية، وتلتفت كل لحظة لتشارك دهشتك مع أحد ولا تجد رفيق.

الآن وبعد عودتي بشهور أتأمل التجربة بسعادة، لقد سيطرت على كل مخاوفي، النوم في بناية مرتفعة قرب الموقع الذي سقطت به أبراج التجارة في ٢٠٠١م، المشي مع شروق الشمس لمقهى قريب والوقوف في طابور مع عمال البناء الروس، واستكشاف خطوط القطارات التي لم أجربها من قبل، والصمت الطويل وأنا أراجع ملفاتي المعلقة لأصل لقرار بشأنها. لم تكن هناك ضمانات بأنني لن أشعر بالملل أو الخوف، حصلت على وقت فائض مع نفسي، أخذتها في مواعيد، واشبعت دهشتها.

آلان دي بوتون في كتابة فنّ السفريقول شيئا بمعنى أننا حينما نسافر وحدنا نتخلص من أثر رفقتنا التي تعجن آراءنا وتفاعلنا مع ما هو حولنا وبالتالي تكبح فضولنا. السفر مع الآخرين يقوم بفلترة التجارب حتى قبل أن تقدم عليها. أحبّ السفر مع أخوتي وصديقاتي كثيراً لكنّ هذه المرة كانت لي.

قرأت قبل عدة أيام مقالة لطيفة عن أهمية السفر وحيداً للكتّاب والمبدعين بشكل عاملم يكن ذلك هدفي من الرحلة، لكن هل ساعدتني؟ نعم كثيراً! ووجدت أنني بلا وعي منّي أطبق النصائح التي جاءت في المقالة لتفيدني لاحقاً بما سأكتبه.

خلال العشرة أيام التي قضيتها تأملت المبدعين وهم يعملون بحماس وتركيز، الرسام والنحات والموسيقي ونادل المقهى ومتسابقي الرسم على القهوة وقاطع تذاكر المسرح.

السّفر وحيدة ساعدني على تجاوز خجلي وخوفي من الحديث مع الآخرين، السؤال عن الاتجاهات ومكونات الاطباق وقياسات الملابس ومحتويات المشروبات، كانت مهمة رفقتي وكنت أتأمل وانتظر. السفر وحيدة منحني الوقت الكثير من الوقت. والشيء الأجمل من هذا كلّه: لم يكن معي خطة. كانت هناك بعض الفعاليات التي حضرتها وعدا عن ذلك لا شيء يلزمني بالخروج والعودة في وقت محدد أو الالتزام بطريق أقلّ ازدحاماً.

مشيت كثيرا حتى شعرت بأن قدمي كُسِرت واحتجزني الألم لساعات الظهيرة حتى انتهيت من تكميدها والتحقق من سلامتها.

التقطت خلال رحلتي هذه صوراً أقل بكثير من كل مرة، كان رأسي يقول ارفعي هاتفك والتقطي الصورة الآن، وكنت اتحسسه في جيبي واتجاهله. الآن كلما بحثت عن قصة لأرويها يطلب مني المستمع صورة وأخبره بكل حماس: لا يوجد صورة، الصورة هنا في قلبي.

هل سأكرر التجربة؟ بالتّأكيد، حتى لو كان الذهاب وحيدة لعدة ساعات يومياً داخل المدينة. لقد وجدت الكثير من الاجابات وواجهت الكثير من المخاوف. وتذكرت على طول الطريق أوسكار وايلد وهو يذكرنا بحاجتنا لتعلم الوحدة.

مخرج

art-of-travel

كتاب آلان دي بوتون عن فنّ السفرتوصية خاصة، ورفيق مبهج في السفر.

.

.

.

.

4 تعليقات على “بيت صغير بمنهاتن.”

  1. أحس كل المخاوف في كفة وقدرتك على عدم التقاط صور لتجربة فريدة مثل هذه في كفة
    أنا من المؤمنين بعيش اللحظة وترك الهواتف جانبا في لحظات الاستمتاع لكن أظن في تجربة كهذه حأصور ولو صورة لكل موقف لأن من شدة فرحتي بهذه التجربة أخاف نسيانها.
    عموما ماأنسى تدويناتك عنها، كانت جميلة جدا وشعورك فيها جميل. ويارب تجارب حلوة أكثر في مستقبل الأيام❤️

  2. سأكون ممتنا ً إن ذكرت ِ لنا تلخيصا ً بسيطا ً للنقاط الواردة في تدوينتك عن الجزئية المتعلقة بسفر المبدعين فرادى ..
    لأن هذا الموضوع يهمني جدا ً ,
    ربما يأتي الوقت الذي اقرأ فيه الكتاب , لكن إلى ذلك الحين .. أتمنى أن أتذوق عبق التلخيص آنف الذكر .
    و شكرا ً سلفا ً ,,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.