بدأت الأسبوع بخطة طموحة وكتبتها علنًا على حسابي في انستقرام. قلت طموحة لأني متأكدة من شكل الأسابيع نحو نهاية العام. خططت لزيارة معرض فني مع أختي وكتابة تدوينتين بالإضافة لأهداف أخرى. أنهيت رواية انجليزية طويلة وهذا جديد بعد سنوات من القراءات المتقطعة. قدرتي على قراءة الروايات بلغة غير العربية تضاءلت واخترت دائما كتبًا بمواضيع متنوعة واقعية وخفيفة.
أحبّ هذا الوقت من العام وفيه اكتشف تدريجيًا ما هي العادات التي سأتبناها في العام الجديد. أبدأ تدريجيًا من سبتمبر وصولًا إلى يناير. ومثلما أقرر وجهات السفر والقراءات القادمة والمشاريع الإبداعية التي سأنفذها، أبدأ باختيار عاداتٍ صغيرة أمررها في أيامي.
اخترت العمل من المنزل يوم الخميس لتفعيل نهاية الأسبوع الطويلة وترتيب مكتبي المنزلي. بعد مقاومة طويلة من جديد صنعت مساحة عمل في المنزل بالإضافة للمكتبة والنادي. الشيء الجميل الذي فعلته هذه المرة هو العمل ببطء. لم اشترِ كلّ شيء في نفس الوقت ولم أجهد نفسي بترتيب المكان في نهاية أسبوع واحدة.
بدأت الخطة بجرد مكتبتي جردة عظيمة وتخففت فيها من مئات الكتب التي جمعتها على مدى العشرين سنة الماضية. قضيت أيامًا طويلة في التصفح والتأمل. لم أتوقع أن تغمرني كل هذه المشاعر خلال العمل. امتدت نهاية الأسبوع إلى أسابيع وانتهيت منها أخيرًا بعد شهر ونصف. جمعتها في صناديق وتبرّعت بها لمكتبة سلوى للكتب المستعملة في الرياض. ومجموعة أخرى ذهبت للصديقات.
في الكتب إهداءات وقصص وشخصيات مختلفة كنتها في وقتٍ ما. أقلب الصفحات ولا أجد نفسي. أجد شخصًا حاولت أن أكونه في وقتٍ إما بسبب اهتمام مؤقت أو توصية وثقت بها ولم تناسبني. حملت هذه الكتب معي بيت لآخر -من مدينة لأخرى! والمحصلة؟ امسح عنها الغبار وأكدّسها على أمل امتلاك الشهية لاكتشافها أو إكمال قراءتها يومًا ما.
انتهيت من جرد المكتبة وقررت في تلك اللحظة ألا اتبع أي خطة قرائية مطولة وأن اختار الكتب للترفيه وشهيتي القرائية فقط. أعدت بناء الفراغات التي تركتها الجردة العظيمة بكتب جديدة ورؤية مختلفة لمفضلاتي. مزيج من الكلاسيكيات القديمة والمؤلفات المعاصرة في مواضيع مختلفة، من القرطاسية للقطط للمدن الحاضنة للفنّ.
جهّزت زاوية المكتبة برفوف خفيفة بيضاء جاهزة لكتابة قصص جديدة. وتفرّغت للجهة المقابلة للرفوف: النادي المنزلي. تخففت من الأجهزة عديمة الفائدة. حدثت رفوف التخزين وتخلصت من كلّ غرض بلا مهمة. نخطئ بتخيل احتياجنا للمقتنيات ونتجاهل التخفف لسببٍ خفيّ. أظنه نفسي أكثر من أي شيء آخر فالحقيقة أني لا أريد التخفف من أشياء ظننت يومًا ما أني لا اتقن العمل أو العيش بدونها. تمامًا مثل كتب المكتبة.
انجزت المهمة الثانية ونظرت للمساحة الواسعة التي تبعت الترتيب وتذكرت أنا بحاجة للعودة لهواياتنا المنسية وابتكار مسار للعمل والتفكير بتركيز. لا أريد أن استمر بكتابة كتابي في مساحة ضيقة أو بين الصحو والنوم على سريري. أريد أن أفعل كلّ شيء بتركيز وانتباه. أن انتظم من جديد بعد سنواتٍ من الفوضى.
هل سيغير هذا المكتب الأبيض حياتي؟ لا. هل سيساعدني في رحلة التغيير؟ نعم بالتأكيد. وهكذا أتممت طلب المكتب وكرسيين مريحين لي ولأختي. وقطعة سجاد لطيفة تخفف من صدى المكان.
هذا الأسبوع التقينا كل يوم بعد نهاية العمل على مكتبنا هذا وشربنا القهوة وتصفحنا البريد الالكتروني وتبادلنا الأفكار لمشاريع قادمة. تأكدت حينها من نجاح الفكرة. مساحة محايدة خارج غرفنا الشخصية ومكان للتفكير والاحتفاء بنهاية الأسبوع.
وربما أضفت بهذه الطريقة عاداتي اليومية في مكانٍ واحد. أريد أن أقرأ للترفيه والاكتشاف، وأريد أن اتمرن، وأن أشاهد حلقة جديدة من مسلسل مفضل وكل هذا بلا ترتيب محددّ.
أحبّ الشتاء في مدينتي وأحبّ انتعاشي وانسجامي مع تبدل الجو. اتشجع للخروج من المنزل عدة مرات في الأسبوع وأميل للتمدد والكسل في نهايته.
بدأت هذه التدوينة وفي ذهني الكتابة عن تحديثات الحياة وما الذي أطمح لتحقيقه خلال الأشهر القادمة. واستطردت كالعادة. وسأفعلها دائمًا.
وجدت في كومة القرطاسية خلال الجرد مذكرة غلافها لوحة لمونيه. وفي الصفحات الأولى دروس اللغة الفرنسية مع ملاحظات وترجمة. في الصفحة الأولى من المذكرة كتبت تعهدًا ظريفًا:
في مايو ٢٠٢٠
خلال منع التجول للحدّ من انتشار فيروس كورونا قررت البدء بتعلم الفرنسية.
مع الالتزام التام والتركيز.
ضحكت من التعهد وتذكرت الفترة. كانت نفس السنة التي قررت فيها تعلم القيادة وأيضًا تعهدت لنفسي بالالتزام والتركيز. لكن الهدف تأجل لأسباب كثيرة حتى بداية هذا العام. أحبّ التعلم وأنوي العودة لتعلم لغة ثالثة لستُ أكيدة منها بعد. وفي سياق التعلم المستمر تذكرت منتصف هذا العام حين بدأت مقررًا مطولا عن الاستراتيجية مع جامعة أكسفورد وندمت واحتفلت وأُنهكت من كثرة الواجبات والالتزام. وقلت لنفسي لن أفعلها مجددًا وإذا أردت التعلم سأختار مقررًا قصيرًا بلا مهامّ مجهدة.
حسنًا، في منتصف الشهر الماضي سجلت في مقرر جديد لشهادة مهنية احتاج أربعة أشهر لإتمامه بواجبات وقراءات ومهامّ. اشتعلت بداخلي شهية التعلم من جديد وأظن أن القاسم المشترك في كلّ هذا هو محاولتي للتركيز والالتزام. أحاول الآن ختم هذه التدوينة قبل خروجي لموعد مع أختي وصديقة عزيزة.
أتمنى لكم نهاية أسبوع سعيدة وغنيّة!
.
.
.
كنت أتمنى لو تزودينا بصورة لمكتبتك ومكتبك ورفوف النادي المنزلي