ثقّالة ورق

الأسبوع هذا غريب!

وعندما جلست في الموعد الأسبوعي لكتابة التدوينة الجديدة فكرت في كلّ الأفكار والملاحظات التي كدّستها في رأسي وقررت أن تأتي الكتابة كما تأتي بلا تبويب أو تحديد.

فكّرت في المدن التي زرتها دفعة واحدة. ولا أتذكرها هنا بوصفها مواقع على الخريطة. أفكّر في كل مدينة وما تركته في نفسي والنسخ المتعددة التي كنتها وأصبحتها مع كلّ زيارة. أتساءل أحيانًا: أيّ المدن اكتشفتُ نفسي فيها؟ أيّها شعرتُ بأنني أكبر منها؟ وأيّها تجاوزتني وأشعرتني بالتردد؟ أسئلة كثيرة وممتعة، لكنها تقودني دائمًا إلى سؤال مهمّ: ما الذي تعلّمته هناك؟ وما الذي أحببته في نفسي وأنا أمشي في شوارعها للمرة الأولى؟

تعلّمت في الجبيل أن المدينة الصناعية يمكن أن تكون محضونة بالخضرة. تعلمت فيها الكثير عن الحدائق المنزلية والزرع الممتد والمماشي الواسعة القادرة على تليين صرامة المكان ومنحة الرقة. وفي نيويورك واجهت السرعة والوفرة والمفاجآت وتعلمت الحديث مع الغرباء! ذلك الشيء الذي لم أتقنه يومًا ولم أظن بأني احتاج إليه. تعلمت فيها قراءة الخرائط وإيجاد الطرق المختصرة واستخدام وسائل النقل العامة. في نيويورك تعلّمت أن الحذر لا يحرمني المرح، والفضول طريقة للنجاة والاكتشاف معًا.

وباريس كانت المدينة التي بنيت فيها قصتي الخاصة ربما لأنها المدينة التي كثُر الحديث عنها حولي واستمتعت للعشرات من الآراء الغاضبة والنصائح التي لم أطلبها. مدينة يختف الناس حولها لكني وجدت فيها شيء أحبّه. الألفة الغريبة التي أعادت لي ذكريات اكتشاف نيويورك للمرة الأولى وحدي. كأنني كنتُ هنا من قبل. عرفت في باريس البطء والتمهّل وتأجيل الخطط والركض بين الفعاليات. لا شيء يشبه شعور العودة لمدينة لاستكمال قصة. لقد جرّبت فيها السفر بصوره المتعددة ومشيت على قائمة مفضلات وأحلام من الطفولة في قلبي. وحدي أجول حول اللوفر، ومرة مع أخواتي، ومرّة في المساء مع صديقة. باريس كانت انطلاقة صباحية لزيارة منزل مونيه مع لبنى ورؤية بحيرة الزنابق التي عرفتها وتبعت خطوط رسمها في التذكارات والأغلفة والوثائقيات. وهذه ذكرى واحدة أحملها في قلب قلبي فما بالكم بالباقي من القصص والاكتشافات؟

ثمّ جاءت روما لتوقظ شيئا أقدم في داخلي: حبّى الطفولي للظهور ولأن أكون مرئية وحاضرة ومستعدة. أحببت الأثر الذي تركته روما بمعمارها وألوانها الخاصة جدًا. تركت هذه المدينة الجميلة أثرها على خزانتي وطعامي. روما أعادت لي شهية الطهي من الصفر وبألذ المكونات. وأعادت شهيتي لارتداء الألوان والالتفات من جديد لما أقتنيه من ملابس وأحذية واكسسوارات.

أغمضت عينيّ ذات مساء واستعدت كلّ هذا وشكرت الله على نعمة السفر والاكتشاف العظيمة. أن أعود من رحلاتي وأغرق في الجمال أكثر واستعيده وأقلّبه بين كفيّ. وربّما أحبّ العودة لهذه الذكريات لأنها تريني من كنت ومن صرت وتذكّرني بكل الاحتمالات القادمة.

 

عشوائيات أخرى من الأسبوع

هذا الأسبوع، وجدت نفسي أختبر مشاعري أكثر من المعتاد. لم يكن الاختبار كبيرًا أو دراميًا، بل جاء على هيئة سؤال بسيط لكنه ظلّ يتردد في داخلي: ما الذي يحدد جودة قرارٍ ما؟ هل هو السبب الذي اتخذنا القرار من أجله، أم النتائج التي جاءت بعده؟ أحببت هذا السؤال وأضاء بداخلي مصباح! من الآن وصاعدًا سأستخدمه في تحديد قراراتي واقترح أن تفعلوا ذلك فهو يخفف من الشعور بالندم والثقل ويمنعنا من المحاكمة القاسية التي نقيّم بها قراراتنا بعد اتخاذها. لا يمكن النظر للقرارت من الزاوية الضيقة: هل نجحت؟ إذا هذا قرار حكيم. ولو تعثّرت النتائج قلنا هذا قرار سيء؟ لكن هل النتائج دائمًا عادلة بما يكفي لتكون هي المعيار؟ ومن هنا جاءت الفكرة الأخرى لتقييم القرار من زاوية المحفزات لاتخاذه أو ما كان دافعًا له. أحيانًا اتخذ قرار من مكان صادق وبعقل حاضر ونوايا واضحة ثمّ تأتي النتائج مرتبكة لأن هذه الحياة كذلك، ولا أستطيع امتلاك أو التحكّم بكل الظروف المحيطة بقراري. وأحيانًا يحدث العكس: اتخذ قرار ضعيف متسرع ومبني على الخوف وتكون النتيجة رائعة ومقبولة. فهل يجعله ذلك جيدًا أو متهورًا؟ ولذلك يا أصدقاء جودة القرارات لا تقاس من جهة واحدة. أظن أن السبب مهمّ لأنه يكشف عن وعينا في لحظة الاختيار، والنتيجة مهمّة لأنها تعلمنا ما لم نكن نعرفه من قبل. السبب يقول: من كنا حين اتخذنا القرار والنتيجة تقول ماذا فهمنا بعد أن حدث ما حدث؟ وبين الاثنين تقع مساحة رائعة للتعلم ولفهم الذات.

 

طريقة حلوة لتقييم الأسابيع! مررت بهذه الفكرة الجميلة وسأسميها اختصارًا «وردة وشوكة وبرعم» الوردة هي ما أزهر خلال هذه الأسبوع أو الشيء الجميل الدافئ الذي يستحق أن التفت إليه واحتفي به. يمكن أن يكون كتابًا أتممته، أو وثائقي شاهدته، أو جلسة لطيفة مع صديقة نفضت عن قلبي الهم والأذى. والشوكة بالمقابل الشيء المؤذي أو المزعج في الأسبوع واختار بوعي أن استبعده أو اقترب منه بحذر. أما البرعم فهو الشيء الذي لم يكتمل بعد لكنّه يستحق الرعاية. مثل الأفكار في بدايتها أو كتاب بدأته ولم تتضح ملامحه بعد. أحبّ في البراعم بدايتها والفضول الذي تحفزه بداخلي.

أكتب أحيانًا كي لا تتراكم الحياة بداخلي.

وهذه التدوينة محاولة : )

.

.

.

Painting by Ephraim Rubenstein

تعليق واحد على “ثقّالة ورق”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.