نيويورك: شُرفة العالم (الحلقة الخامسة)

bhny

سكن جدّي لفترة من حياته في بناية مكونة من شقق. خلف تلك البناية كانت مساحة من المبنى حولها لمتاجر صغيرة وتمّ تأجيرها. أحد المتاجر أصبح قرطاسية وصاحبها والدي. كانت الرحلة اليومية لشراء شيء -أي شيء- من القرطاسية متعتي في العطل. وعندما انتهت كل أدوات القرطاسية الممكنة اقتنيت لعبة كاميرا ترش الماء من عدستها. قرب القرطاسية من البيت وتشاركها مع جدرانه كان خطرا على محفظتي الصغيرة.

في رحلتي الأخيرة لنيويورك تكررت الحكاية مع مكتبة 192 المذهلة! بيني وبينها ناصية واحدة، بضعة خطوات من الفندق إليها، وبطاقتي الائتمانية التي توقفت عن العمل في عدة متاجر لم تفعل ذلك هناك.

في المرة الأولى ذهبت لاستكشاف المكان. وما أحببته في المكتبة هو رفوفها المرتبّة أبجدياً، روايات وسير، وكتب فنية وكتب تصوير وقسمين أحدها للأطفال والآخر للناشئة. من كل كتاب نسخة واحدة -أو اثنتين على الأكثر- لكن في المكتبة مخزن خاصّ بالكتب. اذا انتهت النسخ على الرفّ تستبدل بجديدة، وهكذا تحتفظ المكتبة بترتيب حميم بأقل نسبة من الفوضى.

photo 4
192 books in Chelsea.

في زيارتي الأولى حملت عدة كتب وسألت عن كتاب “پاريس نيويورك” لصور فريد ستين وللأسف لم يكن متوفراً. أثرت حماسة البائع عندما أخبرته بأنني سأحضر اطلاق الكتاب خلال أيام وأردت الحصول عليه للاستعداد للتوقيع. طلبه من أمازون لكن المدة قصيرة جداً للانتظار.

واكتشفت بعد زيارة عدة مكتبات حول المدينة أن الكتاب لم يتوفر في أيّ منها، وكانت أول مرة شاهدته فيها يوم إطلاقه، ربّما أرادت المكتبة المستضيفة للمناسبة احتكاره لديها حتى انتهاء الحفل.

استمرت زياراتي للمكتبة الصغيرة قرب فندقي، مرة واثنتين، ومرة ثالثة مع أخواتي، ورابعة قبل عودتي للسعودية. وفي كل منها اكتشف كنزاً جديداً. اشتريت حكايات غريم لحصة أختي الصغرى، ورواية جديدة للفتيات ومجموعة قصص خيالية قصيرة. تحبّ قراءة روايات الخيال والرعب أكثر من الروايات الواقعية ولا أحاول تحديد مسار قراءتها ما دامت الكتب مناسبة لفئتها العمرية.

تغيرت طريقتي في شراء الكتب، وكلما قلت ذلك لأحد المقربين أجاب: لأنك وصلت لمرحلة اكتفاء ربما؟ ولكنني لا اكتفي، وهذا الولع والاهتمام يكلّفني كثيراً على ما يبدو.

المكتبة الثانية مكتبة پوسمان اكتشفتها في سوق تشيلسي، سوق ضخم بمتاجر الأغذية واللحوم، بعض المقاهي والمطاعم، ومحلات للانتيك والمجوهرات والملابس. مكان مثالي لقضاء نهار أو نهارات، وحتى في المساءات الممطرة وجدت نفسي أتجول بداخله. لديهم في هذه المكتبة تشكيلة أسميتها تشكيلة مناسبة للسياح، كتب جديدة أكثر مبيعاً، كتب قديمة، تذكارات نيويوركية ودفاتر ملونة وورق تغليف هدايا، صحيح مساحة المكتبة أكبر من تلك القريبة من الفندق لكنّ العناوين المثيرة للاهتمام قليلة جداً. أخذت منها كتاب پروست عن أيام القراءة، كتاب مقالات صغير ومميز. وأخذت مذكرة للعام ٢٠١٥م بلوحات فنية تصوّر نساء قارئات.

الشيء المهمّ الذي يلفت الانتباه في مكتبات نيويورك وربما في أغلب دول العالم: ثبات الأسعار. تذهب لأكثر من مكتبة وتجد الكتاب نفسه بنفس السعر المطبوع على الغلاف. لا زيادة وأحيانا نقصان في بعض المكتبات التي تعدّ عروضاً أسبوعية أو شهرية على ثيمة معينة.

photo 1
Strand Bookstore
Strand Bookstore
Strand Bookstore

في ليلة أخرى ذهبت لسهرة مع نفسي بين رفوف مكتبة ستراند -١٨ ميلاً من الكتب- . قلت بأنني في كل مرة أزورها أصاب بحالة هلع. كل هذه الكتب سأبحث بينها؟ سأشتري؟ أريدها كلها! بعد دراستي السابقة للممرات قررت الذهاب فوراً للدور الأرضي الموازي لخط سير المترو، هناك تباع الكتب المخفضة والمستعملة. وجدت كنوز في المرة الماضية وبحثت عن المزيد في هذه المرة، أخذت كتباً عن الكتابة الإبداعية، وفنّ كتابة المذكرات والسير الذاتية. أنا أكتب حالياً من الذاكرة لأنّ ما نسبته ٨٠٪ من الكتب التي اقتنيتها تنتظر خلف المحيط موعد شحنها للسعودية. لم يكن الوزن العائق الوحيد بيني وبين شراء المزيد. هناك انتباه من نوع خاص: هل سأقرأ هذا الكتاب الآن؟ بعد شهر؟ ثلاثة؟ وكلما زادت المدة التي أخمّنها كلما زادت المسافة بين يدي وبين الكتاب ومضيت مبتعدة بأسرع وقت قبل أن اضعف مجدداً.

من جديد لم يكن كتاب “باريس نيويورك” متوفراً على الرغم من سعة قسم كتب الصور والتصوير ورفوفه المهيبة.

Processed with VSCOcam with a3 preset

ثمّ جاء أحد أيامي المفضلة خلال السنة: زيارة جديدة لمكتبة مايكل السرية. هذه المرة لم اقتني الكثير من الكتب. كتابان في الفنّ أحدهما عن إدغار ديغا، والآخر عن روح الفنّ. الكتب مستعملة بطبعة قديمة نسبياً ولها رائحة عجائبية. أمضيت بقية الزيارة في تأمل الرفوف بلا هدف، والتحدث لساعات مع مايكل وضيوفه. حدثنا مايكل عن رأيه في تجمعات الـ AA المخصصة لمدمني الكحول المتعافين وما يحدث فيها من دراما وكثير من السخرية. يقول بعبارات بسيطة بأن مدمن الكحول يجد في زيارة هذه الاجتماعات إدمانا جديداً يشغله عن الأول. تفاصيل كثيرة قادته للحديث عن تجربته الشخصية وكيف قررّ الشفاء ذاتياً من مشكلته مع الكحول دون الحاجة لزيارة هذه الاجتماعات.

تحدث مع ضيوفه عن عالم جميل وددت لو انتقلت من أجله لنيويورك وبقيت هناك! اجتماعات قراءة شعر، توقيع كتاب صديق، وتعارف شباب الكتّاب في فصول دراسية للكتابة الإبداعية. كلّ هذا سيحدث خلال سبتمبر وفي الشهر الذي يليه وتستمر حياة الكتب في مدينة تحبّ الكتب كنيويورك.

تحدثنا عن الكاتب جوناثان ليثم الذي زرت توقيع كتابه العام الماضي ضمن مهرجان النيويوركر، وهو صديق قديم ومساعد لمايكل، كان يبيع الكتب في صغره في مكتبته ببروكلين قبل تحولها لمكانها السرّي. لجوناثان كتاب جميل لم انته منه بعد “The Ecstasy of Influence: Nonfictions, Etc.” مجموعة مقالات للكاتب تناولت عدة مواضيع عن حياته، حياته مع الكتابة، وغيرها. لديه أيضا كتاب مقالات آخر “The Disappointment Artist ” عن بدايته مع الكتابة وكل العناصر المؤثرة فيها. انتهت الزيارة بكثير من الأفكار، وكتابين فقط يا للدهشة!

photo 3
Three Lives and Company

في المنطقة الغربية من منهاتن، قرية غرينتش تحديداً. مكتبة الحيوات الثلاثة، “Three Lives & Company” أريد أن أقول لهم بأنني أحبّ اسم المكتبة كثيراً وكان داخلها أجمل! انتظرت لنصف ساعة في الخارج تحت الشمس لأنني لم أحمل مظلة، ولأنني وصلت باكراً. في المكتبة رفوف مزدحمة وكتب من دور نشر كبيرة وصغيرة، أحببت توفر المزيد من الروايات العالمية التي لا نجدها عادة في المكتبات التجارية أو التي تتبع خط استهلاك القرّاء. فيها تشكيلة جيدة من كتب NYRB ، و Penguin. كتب الشعر أيضاً كثيرة. هناك اقتنيت الكتاب الذي يشاركني آخر الليل مؤخراً، وأحمله في كلّ مكان.

كتاب “البحث عن فلسطين” لنجلاء سعيد ابنة إدوارد سعيد. قرأت فيه على عجل في الليلة الأولى وشغلتني عنه المدينة.

photo 1

في مطار جون كينيدي عدت لمواصلة القراءة وكان الكتاب رفيقي الجيّد خلال ساعات الصحو. في انتظار الرحلة جلس إلى جواري مجموعة من اليهود الارثودكس وكانت عين شيخ كبير منهم على الغلاف، ضحكت داخلي لمصادفة حملي للكتاب في هذا اليوم، في هذا المكان. تجاوزت منتصف الكتاب بالقراءة المتأنية، وفيه سيرة مرحة لفتاة تبحث عن هويتها الحقيقية. ذكرتني تساؤلاتها وصراعها الشخصي بكتاب والدها “خارج المكان” لكنّها ذكرتني أكثر بكتاب آميلي نوثومب “بيوغرافيا الجوع” أحد أقرب السير الذاتية إلى قلبي. ولا أمانع في قراءته مرة واثنتين وثلاث.

photo 3

في العاشر من سبتمبر الماضي توجهت لمكتبة PowerHouse Arena في بروكلين لحضور إطلاق كتاب المصور الشهير فريد ستين “پاريس نيويورك”. المصور توفي منذ سنوات لكنّ اطلاق الكتاب جاء على يدّ ابنه پيتر ستين المصور السينمائي وحفيدته كاثرين فريير. كان حديث عائلي بامتياز، تبادل الابن وابنته الحديث عن المصور، رحلته من ألمانيا مرورا بباريس وصولاً إلى نيويورك. مع التركيز على الأسباب التاريخية التي دفعته للهجرة القسرية ومن بينها الحكم النازي لألمانيا وتهديده لليهود. الفكرة من الكتاب جمع صور الحياة اليومية التي التقطها فريد ستين بين باريس ونيويورك، مع تفاصيل سيرته وصور لأشهر البورتريهات التي التقطها. بعضها نعرفها بالنظر لكننا لا ندري حقيقة من هو مصورها. كنت هناك لاكتشاف فريد ستين بعد رؤية أعماله خلال السنتين الماضيتين وهو الوقت الذي بدأت فيه الاهتمام بفوتوغرافيا الشارع وأهمّ مصوريها. لفريد ستين نمط معين فهو يمسك بالكاميرا قرب جذعه وينظر في شاشتها الصغيرة ليحدد مساحة التصوير، لم يكن يستخدم الكاميرا التقليدية التي يحتاج إلى النظر من خلال عدستها، هناك لقاء مباشر بينه وبين موضوع التصوير، يشعر الناس بالراحة فتكون صورهم كذلك. هناك قصة مهمّة عن تحول فريد ستين من تصوير الشارع لتصوير البورتريه ويوجزه ابنه بيتر في متاعب الظهر التي بدأ يعاني منها وعدم قدرته على المشي لمسافات طويلة حول نيويورك. هكذا، دبر له الأصدقاء فرصة اللقاء بشخصيات مهمة لتصويرها من بينهم على سبيل المثال لا الحصر: البرت آينشتاين، هرمان هسه، توماس مان، حنة آرنت وجورجيا أوكيف.

بيتر ستين وكاثرين فريير يقومان بعمل جبار للحفاظ على أرشيف فريد ستين. يجوبون العالم بحثاً عن ما يمكنهم إيجاده من الصور المفقودة، ويقيمون المعارض وخلال اطلاق الكتاب تحدثا عن وثائقي ضخم يعده الابن عن والده وشاهدنا جزء مقتبس محفز منه. حصلت على نسختي الموقعة واستمتعت كثيراً برؤية الصور وسماع الحكايات عن قرب. خلال كتابة هذه التدوينة وجدت في يوتوب وفي موقع المصور فريد ستين تسجيل فيديو عن مشروع بيتر وابنته وعن المصور بشكل عام يمكنكم مشاهدته هنا والتعرف عليه أكثر.


.
.

Fred Stein Fine Cut from Kate Freer on Vimeo.

photo 2

لم اقرأ الكتاب بعد، فقط تصفحته سريعاً ونظرت للصور مثل الأطفال. فكرة حصولي عليه أشعرتني بالأمان حتى أعود لاكتشافه.

 * * *

في كل رحلة لي خارج البلاد، أبحث عن الكتب كبحثي عن كنز وأكثر. في مدينتي فرع لمكتبة جرير وتحولت تدريجياً على مر السنوات إلى قرطاسية ضخمة لا أجد فيها ما احتاجه من الكتب. أعيش على رحلاتي السريعة لمكتبات تبعد عن مدينتي عشرات ومئات الأميال. وانتظر كل عام سفري وسفر الأصدقاء للحصول على الكتب. ما عادت الكتب الإلكترونية تمتعني كالسابق. أصبحت احتاج الورق لأقرأ وأحاول جهدي لتحمل الشاشات في حالة الكتب الممتعة. أحلم بمكتبة عظيمة توفر لي كلّ ما أبحث عنه، وإذا لم توجد، قد أكون أنا من يؤسسها بإذن الله : )

1 رمضان: لماذا Clippings؟

(أ)

مرحباً بكم!

بالأمس تحدثت عن سلسلة تدوينات بلا موضوع محدد خلال شهر رمضان المبارك. والبداية الطبيعية مع اسم المدونة. مع أنني اذكر بأنّ التدوينة الأولى تحت هذا العنوان الجديد وضحت الفكرة لكنني سأعيد الحديث عنها: قصاصات أو Clippings بالإنجليزية هي مجموعة الصور أو النصوص أو الملفات التي سأدرجها هنا. بالعادة يطلق هذا المصطلح على الألبومات أو الدفاتر الخاصة بالشخص والتي يجمع فيها قصاصات ورقية لأمور تهمه ويحبها. أتوقع أن هواتفنا المحمولة وأجهزة الكمبيوتر الخاصة بنا أصبحت دفتر قصاصات جديد ومطوّر. محركات البحث أيضاً ساعدت ولم تعد هناك حاجة للاحتفاظ بصورة أو نصّ، متى ما أردتم الحصول عليه كلمات البحث سترشدكم. في السابق كنت أجمع قصاصات للأشياء التي أريد اقتناءها أو الأماكن التي أحلم بزيارتها، واحتفظ بالصورة أو القصاصة في وسط كتاب أو دفتر خاص وأمزقها عندما أحصل عليها. طقس غريب ومحبب!

لماذا غيرت عنوان مدونتي؟ لم يكن الموضوع باختياري – كان العنوان farfalla.ws- انتهت الاستضافة مع الشركة السابقة وخسرت العنوان لأنه مرتبط بها. كانت لدي فترة بسيطة لأقرر واستعيد بيانات الموقع واخترت الاسم الجديد الذي لحسن حظي كان متوفراً.

تدوينة اليوم مثال على القصاصات التي اجمعها وانشرها وتمنح المدونة التوجه الخاص بها: مدونة غير متخصصة فيها من كل شيء شيء.

(ب)

g192

شاهدت قبل عدة أيام وثائقي رائع عن المرأة والفنّ من إنتاج بي بي سي “The Story of Women and Art” وتقديم البروفيسورة أماندا فيكري المؤرخة والكاتبة البريطانية. الوثائقي يقع في ثلاثة أجزاء يتناول الأول منها الرسم والرسامات اللاتي سجلن أنفسهن في التاريخ كمبادرات ومقاومات للضغوط والعقبات التي جاءت مع عملهن في مجال استبعدهن آنذاك. والحلقة الثانية من الوثائقي تتحدث عن الحرف اليدوية التي أتقنتها النساء في عصور أوروبا الوسطى وما تلاها وكيف استطعن الحصول على الاعتراف العالمي بأنّها جزء لا ينفصل من الفن الإنساني. والحلقة الثالثة تلتفت للفنّ في الأزياء وحياكة الملابس والديكور المنزلي وكل النماذج الرائعة من صنع أيادي النساء. السلسلة وجبة شهية وملونة لمن يحبّ الفنّ. وقمت بتحميله بواسطة التورنت من موقع EZTV لو أردتم الحصول عليه. وهنا مراجعة تختصر الوثائقي.

(ج)

BrSNI0MCIAIY9rQ

استيقظت اليوم على خبر جميل ومبهج.

صدر الكتاب الأول لمشروع تكوين للكتابة الابداعية بعنوان “لماذا نكتب؟” لميريديث ماران وأنا سعيدة جداً لأنني ساهمت بما استطعت في ترجمة محتواه، أنا وعدد من الزملاء والزميلات من الوطن العربي. سعيدة لتكوين المشروع الرائع وشاكرة للكاتبة والروائية بثينة العيسى على دعوتها للمشاركة وإتاحتها لهذه الفرصة الممتعة. تفاصيل الخبر في جريدة آراء الإلكترونية هنا.

ثلاثة أيام مع غابو: اليوم الثاني \ الثالث.

vcm_s_kf_repr_722x721

الثلاثاء، 9 أبريل 1996م

التاسعة صباحاً

أضاع غابو آلته الكاتبة الأولى قبل خمسين عاما من اليوم. الآلة التي كتب عليها قصته “الإذعان الثالث” وهي أول قصة نشرت له. كان طالب قانون تعيس، يسكن في نزل للشباب بأجر زهيد في بوغوتا. كان يشتاق لحرارة ساحل الكاريبي ونادراً ما كان يذهب لمحاضراته. القانون تخصصّ لم ينجح في جذب انتباهه كما كانت عائلته تتوقع. خلال وقت الغداء، في التاسع من أبريل 1948م وبينما كان غابو يستعد للجلوس وتناول طعامه وصله خبر اطلاق النار على الناشط السياسي والمرشح الرئاسي خورخي غايتان. كان غايتان المرشح الذي هز التركيبة السياسية التقليدية لكولومبيا. يخبرنا غابو باللحظة التي وصل فيها إلى الشارع ليجد الناس وقد تلوثت مناديلهم بدمائه. احترقت شوارع بوغوتا وضاعت آلته الكاتبة في الأحداث. شُلّت كولومبيا وتعطلت الجامعات. وبعد عدة أشهر في قرطاجنة وعندما كان غابو بعمر التاسعة عشرة بدأ حياته الصحفية بكتابة الافتتاحيات.

“كنت أمشي في أحد الأيام وقابلت زافالا، محرر جريدة الاونيفرسال جالسا أمام آلته الكاتبة خارج الميدان ثم قال لي: أعرفك، أنت الشاب الذي يكتب القصص القصيرة في الاسبكتادور، لماذا لا تجلس معي هنا وتساعدني في هذه الافتتاحية؟

كتبتُ شيئاً ثم أخرج قلمه الرصاص وشطب الكثير من الأجزاء. كتبت مرة ثانية ولم يشطب سوى بعض المقاطع. في اليوم الثالث من هذه المهمة أصبحت أكتب بلا تعديل. لقد أصبحت صحفياً”

لم يجلس غابو بجانبي اليوم. ولم يرتدي قميص الغوايابيرا الأبيض. لكنه يرتدي اليوم قميصاً فيروزياً بأكمام قصيرة. ما زال حذاؤه أبيض. تواصلنا بعيد لكنني ما زلت معلقة بقصصه.

“بدأتُ أكتب لكسب المال بعمر الثالثة والأربعين” يخبرنا غابو ويتابع “اشتريت منزلي الأول بكويرنافاكا المكسيكية في 1970م، بعد نشر قصتي الأولى بخمسة وعشرين عاماً. كانت حساباتي كالتالي: إذا أردت أخذ الأولاد للسينما عليّ كتابة اثني عشر صفحة، وإذا أردت أخذ الأولاد إلى السينما ثم تناول البوظة سأحتاج إلى كتابة عشرين صفحة.

عندما كنت في باريس لم التزم بجدول كتابة معيّن، كتبت غالبا في الليل. وفي النهار كنت أقلق بشأن طعامي. الآن أعرف أنه من الأفضل الكتابة خلال النهار، على جهاز كمبيوتر، وبمعدة ممتلئة وفي برودة جهاز التكييف”

gabo_y_fidel

الواحدة بعد الظهر

لم يكن بالإمكان مقاومة ذلك. أعني بدء الحديث عن فيدل كاسترو. كنا –أو بدقة أكبر كنت انتظر ذلك- ننتظر اللحظة المناسبة. أراد غابو الحديث عن الأخلاقيات الصحفية: هل يقرأ الصحفي مستنداً مهمل يحمل إمكانيات خبطة صحفية؟ كان سؤاله فرصة مناسبة. وأجبته.

“لقد حدث معي موقف مشابه. في العام 1991م كنت في الاحتفالية الأولى لمؤتمر الدول الايبرو-أمريكية في غوادالاهارا. قيل لكاسترو أنّ عليه تحديد كلمته بسبع دقائق، هو وغيره من الرؤساء. انتظر الجميع على أحرّ من الجمر موعد كلمته، فهو معروف بكلماته المرتجلة الطويلة – في اليوم التالي لانتصار ثورة 1959م القى في الجموع كلمة امتدت لسبع ساعات – لكنّ كاسترو التزم بالوقت، وتحدث لسبع دقائق بالضبط. بينما تحدث رئيس جمهورية الدومينيكان لخمسة وأربعين دقيقة. خلال الاستراحة تدافع الصحفيون وأنا معهم حول فيدل كاسترو. كان أكبر من الحياة نفسها بحضوره اللامع. زيّه العسكري حائل اللون وياقته مهترئة. سار للخارج والحشد يتبعه. بدت عليه علامات السعادة والإعجاب، لقد أحبّ ذلك بالتأكيد.

مدّت له سيدة صورة بالأبيض والأسود مطالبه بتوقيعه. وسأله شخص آخر “هل كان التحدث لسبع دقائق صعباً؟” “لقد خُدِعت!” قال كاسترو “قيل لي أنني إن واصلت الحديث لمدة أطول فإن أجراس غوادالاهارا ستُقرع”.

لاحظتُ ورقة صغيرة مجعدة إلى جانب كراسة صفراء حيث كان فيدل كاسترو جالساً. عندما غادر الحشد وراءه، عدت إلى مكانه والتقطت الورقة وفتحتها لأجد عبارة كُتبت بخطه الصغير والمتراكم ” كم كانت مدة حديثي؟” وعلى الكراسة الصفراء كتب كاسترو قائمة بأسماء الرؤساء ومدة حديث كلّ منهم بالثانية. تركت الورقة ورائي وندمت على ذلك للأبد”

قال غابو “كنت سألتقطها بالتأكيد! صدقيني لو كان يعتقد بأنها مهمة لن يتركها وراءه. كنتُ سأحتفظ بها كتذكار”

وكما تمنيت بدأ غابو بالحديث عن كاسترو. تحدث عن كوبا بصراحة، باهتمام وشغف. تحدث كطالب جامعي علق على جداره صورة تشي غيفارا. لكنّه عندما تحدث عن كاسترو لم يتحدث عنه بسوء، ولم يفش شيئاً. قال إنه يتحدث عنه بعاطفة ولا يصدر عليه أحكاماً. وأخبرنا بأنه من أحبّ الأشخاص إليه في العالم أجمع.

“إنه دكتاتور” علق أحد الحاضرين.

“أن تكون لديك انتخابات ليست الطريقة الوحيدة للديمقراطية” علّق غابو.

لكن الصحفي الأمريكي في المجموعة تابع استفزازه لغابو فاضطرّ للإجابة. تحول صوته للصرامة وقال له “هذه ليست مقابلة صحفية. إذا أردتُ التعبير عن رأيي في كاسترو سأكتب ذلك بنفسي وصدّقني سأفعل ذلك بشكل أفضل”.

يبدو أن شعر بالذنب بعد انفعاله. وصف لنا غابو تقريراً كتبه عن فيدل كاسترو “أعطيته إياه ليقرأ. كان تقريراً ناقداً. تحدثت فيه عن وضع حرية الصحافة الكوبية. لكنه لم يعلق على ذلك. ما أثار انزعاجه حقاً حديثي عن تناوله لثمانية عشر ملعقة بوظة بعد وجبة غداء في أحد الأيام. هل تناولت هذه الكمية فعلا؟ سألني بصورة متكررة.”

العشاء

تناول العشاء معنا في “لا فيترولا” أكثر مطاعم قرطاجنة كوزموبوليتانية. ديكور المكان كولونيالي إنجليزي أكثر منه إسبانياً. مجموعة من العازفين الكوبيين يعزفون أغنيات تقليدية بملابسهم البيضاء. في ذلك المكان يجتمع أفراد الطبقة العليا في كولومبيا ويتناولون طعامهم في العطلات. قد يمر الرئيس الكولومبي لتناول شراب. وممثلي المسلسلات التلفزيونية الشعبية، تجار المخدرات، ويحظى أبناء كولومبيا الأرستقراطيون بمواعيدهم الغرامية الأولى. يأتي بعض المترفين المحليين إلى المكان أيضاً. لائحة الطعام هنا تشبه التي تقدم في مطعم نيويوركيّ. صلصة السلطة أعدت بخل البلسميك وجبن الموزاريلا هنا طازج والنبيذ كذلك. هذا جيد بالنسبة لكولومبيا. جلسنا للانتظار في غرفة صغيرة. نحتسي شراب البنش –عصير فاكهة وبهارات يضاف له شراب كحولي عادة – وصل غابو مرتدياً بزة كاملة Jumpsuit بلون أزرق داكن، اقفل سحابها من سرته وحتى صدره. كاريبي في النهار، أما في الليل فيبدو وكأنه قفز من البوم موسيقي للديسكو أو الفنك Funk.

لحذائه المسائي نفس تصميم الذي يرتديه في النهار إلا أنه رمادي في هذه المرة. طلب الويسكي. ثم صحبنا لغرفة خاصة عند المدخل. جلس بيني وبين آندريا.

اللائحة ثابتة “كوسة مقلية يتبعها اختيارك بين الربيان المطهو في صلصة جوز الهند، أو السمك الأحمر المطهو في الكريمة”

“هذا ثقيل علي” قال غابو متبرماً.

اقترب المضيف منه وسأله “يمكنني تقديم السمك الأحمر مشوياً وبلا صلصة أو مع الباستا.”

“أي نوع من الباستا؟” سأل غابو

“كيف تريدها؟” رد المضيف.

“بسيطة” قال غابو.

“ما رأيك بالباستا في المرق؟” سأل المضيف.

“رائع، أريد هذه”

ثم طلبتُ نفس الطبق، كنت محمومة طوال اليوم.

“اثنان من هذه” قال له غابو.

عندما قُدّم لنا النبيذ لم يشرب معنا، وواصل شرب الويسكي.

المطعم يمتلئ. طاولتنا في الواجهة والكلّ ينتبه لغابو. طلب إقفال الباب، وطلبتُ ذلك من النادل.

مراسل من نيوزويك يجلس بجانبي، جاء من بيونس آيريس ليقابل غابو. أتحدث معه قليلاً لكن ما أريده حقاً هو الحديث مع غابو وعدم اقتسامه مع زملائي. التفتّ إليه وتحدثنا في مواضيع شتّى. يريد أن يعرف لماذا وأين أسكن في نيويورك؟ أخبره بأنني أعيش في قرية غرينتش وأسأله هل يحبّ نيويورك؟ ويجيب: جداً. إنما ليس في الشتاء لأنه يحب المشي في شوارعها أكثر من أيّ شيء آخر. قلت له بأنني سأصحبه إلى قرية غرينتش ووعدني بالاتّصال. تحدثنا عن كوبا، وبارانكيا، وبيل كلينتون، مجلة النيويوركر ومجلات الأحد. يخبرني بالتفصيل عن قصة يريد كتابتها عن قميص حريري أصفر يرتديه عندما يشعر بالحبّ. كأسه فارغ فيشرب من كأسي. ويقول “أحب صحبة النساء. أعرفهم أكثر من معرفتي بالرجال. أشعر بالراحة حولهم. كبرتُ محاطاً بالنساء”

tumblr_m48kx6eRoS1qhby6so1_1280

الأربعاء، 10 أبريل 1996م

التاسعة والنصف صباحاً

غابو يجلس على رأس الطاولة من جديد، يقرأ في أوراق يبدو أنّها مسودة لشيء ما. ينتظر وصول الجميع. يعرف أنّ الطلاب خرجوا للتنزه بعد العشاء. ينظر بدهشة لآخر الواصلين، ربما بشيء من الحنين. آثار النعاس بادية على الجميع. لم نستحمّ. نقاوم صداعاً رهيباً. بينما يبدو غابو نظيفاً ولامعاً في لباسه الأبيض.

أجلس وانتظر رأيه وتعليقه على ما كتبته. الوقت يمرّ. بقيت ساعة على انتهاء الورشة. ينظر إليّ أخيرا ويقول “لسيلفانا ذائقة موسيقية جيدة. إنها مثلي تحبّ فان موريسن” كانت مقالتي عن الصعوبات التي يتعرض لها موسيقيو الروك الشباب في كوبا حيث يغيب الدعم الحكومي لفنّهم. قال غابو بأنني كتبت مقالة جيدة، ولم يكن بحاجة إلى تعديلها. لكنه اعترض على بعض التشبيهات التي استخدمتها واعترض على الحديث بشكل متكرر عن مشكلات اجتماعية وثقافية في كوبا قد تحدث في أيّ مكان في العالم. هل كنت سأكتب عنها لو لم تكن في كوبا؟ وبعد نقاشنا يعود غابو إلى كرسيه. قدماي لا تلمسان الأرض. أشعر بأنني ريميديوس الجميلة، إنني ارتفع في الهواء.

لدى غابو تعليق أخير “أراكم الآن، في خوفكم، في تصرفاتكم الخرقاء وتساؤلاتكم وأتذكر نفسي عندما كنت في عمركم. أخبركم عن تجاربي وأحظى بفرصة رؤية نفسي. لقد مضت خمسون عاماً على بدايتي بالكتابة في كلّ يوم من حياتي. إذا لم تحب عملك، اتركه. لا يقتلك شيء أكثر من عمل لا تحبّه. وإذا كنت تحبّ عملك فلديك طول العمر والسعادة الأكيدة”.

اصطففنا في طابور باتجاهه، نحمل نسخاً من كتبه. “مئة عام من العزلة” و “قصة موت معلن” و “ليس لدى الكولونيل من يكاتبه” وغيرها. نطلب منه توقيعها ويفعل ذلك ثمّ يصافحنا جميعاً. اطلب من روبن رؤية ما كتبه له غابو على نسخة “خريف البطريرك” خاصته وأقرأ “من بطريرك ورشة العمل” أما سيزار فيطلب منه توقيع الكتاب لطفله الجديد ويكتب له “إلى رودريغو، في بدايته”.

لم أحضر معي كتاباً ليوقعه. انتظرت بجانب الباب. نظر إليّ مبتسماً ابتسامته العابثة نفسها التي رأيتها أول مرة. قال لي “وأنتِ سيلفانا، ألستِ حزينة على نهاية الورشة؟ ألن تبكي؟” 

* لقراءة النصّ الأصلي لهذه المقالة تجدونها في كتاب “Latin American Writers At Home”

ثلاثة أيام مع غابو: اليوم الأول

gabriel-garcia-marquez-613x335

ماركيز مهموم بسبب ما آلت إليه الصحافة في أمريكا اللاتينية. كان ماركيز نفسه صحفياً ومراسلاً. في مارس 1995م بدأ مؤسسته الصحفية لخلق صحافة لاتينية أفضل. يسميها ماركيز “مدرسة بلا جدران” وتهدف إلى إحياء الصحافة عن طريق ورش العمل المتنقلة والتدريب الصحفي في المنطقة. حماس ماركيز تولد من مشاكل الصحافة المعاصرة، أصبح المراسل الصحفي يبحث عن الأخبار العاجلة التي تصنع الضجة والأضواء مع إغفال الإبداع وأخلاقيات العمل. أعمالهم تعتمد على الوثائق السرية المسربة وتغرق في الأخطاء النحوية وتفتقر للعمق. “لا تحركهم الأسس للقصة الأفضل، تلك التي تروى بطريقة جيدة وليست التي تنشر أولا” قال ذلك في خطاب تعميده للمؤسسة. ماركيز انتقد طرق الجامعات ورؤساء التحرير في التعامل مع المهنة الأفضل في العالم –بالنسبة له-. إنّه يعتبر الصحافة المطبوعة شكلا من أشكال الأدب، ويطلب تبعا لذلك أن تركز الصحف على تدريب العنصر البشري فيها قبل استخدام التقنيات الحديثة.

مؤسسة ماركيز مدعومة من قبل اليونسكو ومقرها بارانكيا الكولومبية وينظم من خلالها العشرات –وربما المئات- من الورش التدريبية ويحضرها المئات من المشاركين من شتى بلدان العالم وتتنوع مواضيع الورش بين أساسيات كتابة التقرير الصحفي- الريبورتاج- ورواية الأخبار وتقنياتها وعرضها في التلفزيون والراديو والصحف. كما تناقش الورش أخلاقيات الصحافة وحريتها والعمل في المناطق الخطرة. بالإضافة إلى التحديات التي تصنعها التقنيات الحديثة للمهنة.

تُدرّس هذه الورش من قبل متخصصين وتستهدف الشباب تحت عمر الثلاثين بخبرة لا تقلّ عن ثلاث سنوات في مهنة الصحافة. ومع أن مقرها في كولومبيا إلا أن ورش التدريب الخاصة بالمؤسسة تقام في الخارج. في الأكوادور، فنزويلا، المكسيك، وإسبانيا. ورشة التدريب المركزية في المؤسسة هي تلك التي يدرسها ماركيز بنفسه والصحفية الكولومبية المستقلة سيلفانا باترنوسترو بادرت بالتسجيل فيها وقُبلت للمشاركة في ورشته الخامسة.

هذه التدوينة تلقي الضوء على مذكراتها من أبريل 1996م وحضورها لورشة الثلاثة أيام مع ماركيز. حاولت ترجمة أهم تفاصيل هذه المقالة واستبعدت بعض التفاصيل التي لا تخلّ بنقل الحكاية لكنها قد تكشف أحداث أعمال ماركيز لمن لم يقرأها بعد. أتمنى أن تجدوا فيها ما تحبّوه، اقرؤوا، استمتعوا وبالتأكيد انشروا.

“ثلاثة أيام مع غابو”

تقدمت للمشاركة وقُبلت. من شدة حماسي للحضور وصلت قبل الجميع إلى المركز الثقافي الإسباني بقرطاجنة وأنا التي تتأخر دائما عن كلّ شيء. المركز في منزل بطابقين وتصميم معماري رائع. هناك باحة داخلية ونافورة وتملكه الحكومة الإسبانية. المكان مناسب جدا لماركيز، فقرطاجنة مدينته، وكثير من الشخصيات التي كتب عنها سارت على طرقها الضيقة المرصوفة بالحصى. على بعد عدة أحياء من المركز يقع ميدان الكاتدرائية، هناك تنبّه فلورنتينو أريثا إلى فيرمينا داثا اليافعة. سيفيرا ماريا دي تودوس لوس إنجليس ابنة الثانية عشرة التي واصل شعرها النمو بعد وفاتها عاشت في دير سانتا كلارا القريب كذلك. منزل غابرييل غارسيا ماركيز قريب من الدير الذي أصبح فندقاً اليوم. يمكن لساكنيه اختلاس النظر إلى منزل الكاتب. ‘هذا مخجل’ قال لي أحد النزلاء ‘كنت أشاهده كل صباح وهو يتناول إفطاره، ثم أقفلت الستائر أخيرا’.

الاثنين، ابريل 8، 1996م

9 صباحاً

وحدي بين 12 صحفي نجلس حول طاولة خشبية بيضاوية. نجلس بهدوء مثل طلبة منضبطين في مدرسة يسوعية ننتظر بدء الدرس. يفتح غابرييل غارسيا ماركيز الباب ويدخل مرسلاً نظره عابثة باتجاهنا. كان يعرف التوتر الذي نشعر به الآن. غابو –كما يحب الكثير مناداته- يرتدي ملابس بيضاء اللون. هنا في منطقة الساحل الكاريبي بكولومبيا يرتدي الرجال اللون الأبيض عادة. كلّ شيء أبيض حتى الحذاء. يقول صباح الخير ونوشك أن ننهض وننحني ونردّ بصوت واحد ‘صباح الخير بروفيسور’. بقي من الكراسي الخالية اثنان. كلاهما مواجهان للنافذة وظهرهما للباب. اختار غابو الصحفي المكسيكي سيزار روميرو الجالس بجانبي وقال له: لقد شاهدت ما يكفي من أفلام رعاة البقر. لا أجلس وظهري للباب أبداً. بالإضافة إلى أن لي أعداء أكثر من أعدائك.

قال سيزار: دون غابرييل! طبعا. بينما توجه غابو لكرسيّه تذكرت ما قاله لي صديق كوبيّ. قال لي: ستحظين بوقت رائع. إنّه يوجه انتباهه للنساء أكثر من الرجال. فالنساء يمنحنه الحظّ. الحضور النسائي في الورشة ينحصر فيّ وأندريا فاريلا.

يجلس غابو إلى يساري وأشعر بالتوتر. تبدأ يداي بالتعرق وأجففها في بنطالي. ثم أعقد ذراعيّ أمامي. يضع ساقاً فوق أخرى. أخفض بصري لأنظر باتجاه حذائه الأبيض وحافته المدببة والمصقولة بعناية. سوار ساعته أبيض كذلك. اركزّ على قميص “الغوايابيرا” المفضل لدى رجال أمريكا اللاتينية، يرتدونه خارج بناطيلهم ويستريح على أوراكهم بجيوبه الأربعة. وأحياناً تزينه التطريزات والزركشة.

لقد ارتبطت هذه القمصان في ذاكرتي بالأجداد والوزراء وملاك الأراضي. بالرجال الذين تفوح منهم رائحة الكولونيا والويسكي. أما قميص غابو فكان بلا زركشة أو تطريز، مصنوع من كتّان فاخر يمكنك الرؤية من خلاله. وبنطاله قطني مخطط. تناقض غير متوقع.

يضع على الطاولة حقيبة جلدية سوداء، نوع حقائب بدأ الرجال بحمله في السبعينات. يرتدي نظارته ويخرج قائمة أسماء المشاركين ومقالاتهم التي قدموها لينقدها وينقحها خلال الثلاثة أيام. لا يسمع صوت سوى هدير جهاز التكييف. لا أحد ينظر لغابو. لكننا جميعاً عشنا مواقف أكثر توترا وأشد وطأة من هذه اللحظات.

روبن من كالي سافر وحيدا إلى أورابا أكثر مناطق كولومبيا عنفاً حيث مهربي المخدرات ورجال العصابات. ويلسون داثا قضى عشرين يوما في مدين وسط تجار المخدرات والعاهرات وأعضاء العصابات. أما روميرو فقام بتغطية تمرد زاباتيستا في تشياباس المكسيكية. وإدغار تيليز حقق في علاقة الرئيس الكولومبي أرنستو سامبر باتحاد تجار المخدرات “الكارتل”. لكنّ ماركيز وبعد فوزه بجائزة نوبل للآداب أصبح أكثر شهرة من نجوم أمريكا اللاتينية. لا يحظى بجماهيرية مشابهة سوى لاعبي كرة القدم وملكات الجمال. يوقفه الناس في الشارع للحصول على توقيعه. حتى أولئك الذين لم يقرؤوا كتبه. يستشيره الرؤساء والوزراء والسياسيون وناشروا الصحف ورجال العصابات ويطلبون نصيحته. يكتبون إليه الرسائل ويرغبون به حولهم. أي شيء يقوله، أي شيء يتحدث عنه يصبح عنوانا رئيسيا في الصحف. العام الماضي خُطف أحد إخوة رئيس كولومبي سابق وطلب أفراد العصابة أن يتولى ماركيز رئاسة البلاد مقابل إطلاق سراح المخطوف. كتبوا في رسالة طلبهم “نوبل، انقذ وطن الآباء”.

نحنُ الكولومبيون نفخر بماركيز وكأنه فرد من أفراد العائلة. نجعل عظمته خاصتنا. غابو هو الابن الذي تستعرض به العائلة. اسمه يتردد في مسابقات الجمال مع البابا. عندما تُسأل ملكات الجمال عن الشخصية الملهمة في حياتهن كنّ يجبن: والدي، البابا، غابرييل غارسيا ماركيز. أي الشخصيات تردن لقاءها؟ غابرييل غارسيا ماركيز. ولو طرح السؤال نفسه على صحفيي كولومبيا ستكون لهم نفس الإجابة. نحنُ الصحفيون نقول: لقد كان غابو مراسلا صحفيا قبل أن يصبح روائياً، إنّه القدوة الأهم لنا.

يقرأ غابو الأسماء في القائمة ويضيف تعليقاً دافئا بعد كلّ اسم. روبن فالنسيا والبعض يسمونه “مايسترو” وأجد أن اللقب هذا رسمي جدا ومتكلف. كنتُ من جهة أخرى استخدم غابو في الحديث عنه، لكن ما إن أصبحت أمامه كان اللقب مباشرا جدا.

يُظهر ماركيز التودد لأندريا، لقد حضرت معه ورشة تدريب في السابق. يقول لها مازحا: “تقضين وقتا أكثر هنا، أكثر من الوقت الذي تقضينه في مكان عملك. سأطلب من مديرتك إرسال سريرك.” أندريا خجولة. وتودد ماركيز يؤثر بها فتحمرّ وجنتيها.

يُفتح الباب ويندفع شاب إلى الداخل مستعجلا بتنفس مضطرب. يرتدي قميصا ازرق يلتصق بجسده ويحمل تحت ذراعه جريدة. يدخل وتدخل معه حرارة وفوضى مركز قرطاجنة.

“متأسف” اعتذر وجلس سريعا بجوار سيزار روميرو.

“ومن أنت؟” سأله غابو.

“تاديو مارتينيز”

تاديو مضطرب وغابو يعرف ذلك.

“تاديو مارتينيز من جريدة قرطاجنة.” يقرأ غابو من القائمة. “والآن لنرى. زملاءك هنا قدموا من كاراكاس، بوغوتا، كالي، مدين، سان خوسيه، مكسيكو، نيويورك، وميامي. لكّنك جئت من زاوية الشارع وأنت آخر الواصلين”. شعرنا جميعاً بالسوء لأجله. هزّ غابو رأسه وابتسم.

العاشرة صباحا

بدأ غابو بالحديث عن كتابه “الجنرال في متاهته” يتحدث الكتاب عن سيمون بوليفار محرر أمريكا الجنوبية من الاستعمار الإسباني. البطل والمؤسس والأيقونة التاريخية. صورته تزين المكاتب والدوائر العامة. بزّته العسكرية المنشاة وحصانه الأبيض متأهبا لبدء المعركة. “لكن لم يتحدث أحد في سيرته عن غنائه وإصابته بالإمساك” قال غابو ثمّ أضاف “الناس في العالم ينقسمون إلى قسمين: قسم يتغوّط بشكل جيد، والقسم الآخر لا يستطيع ذلك. هذا يصنع فروقا شخصية كثيرة لكن المؤرخين يستبعدون أهميته” هكذا يبرر ماركيز انزعاجه من الصورة التي رُسمت لبطله ولهذا السبب كتب “الجنرال في متاهته” يقول أنه كتب الرواية بصيغة الريبورتاج. كل تفصيل، كل معلومة تأكد من صحتها بنفسه لأنها ومهما كانت بسيطة ستؤثر على العمل وتمنحه القوة. على سبيل المثال: تحدث في الرواية عن ليلة العاشر من مايو في 1830م وهي الليلة التي نام فيها بوليفار في غوادواس الكولومبية وأراد ماركيز التأكد من ذلك فاتصل بأكاديمية العلوم في مكسيكو للتحقق من اكتمال القمر. بالفعل كان القمر مكتملا في نفس التاريخ. القمر تفصيل مهمّ في الرواية –يقول ماركيز- إذا كان هناك تفصيل حقيقي واحد سيصدق القراء كل شيء.

تذكرت موضوعا صحفيا كتبه غابو عن موجة الجفاف التي ضربت كاراكاس وتحدث فيه عن رجل يحلق ذقنه بعصير المشمش. معلومة يمكن التحقق منها وإثبات صحتها طبعاً. لكننا نتذكر من جديد أننا أمام غابو نفسه الذي قيل أنّ ابتداعه الكبير منعه من أن يكون صحفياً جيدا. غابو هو الكاتب نفسه الذي قصّ في رواياته وبوجه صارم بلا انفعالات عن ريميديوس الجميلة التي ارتفعت بخفة إلى السماء وعن رائحة سانتياغو نصار التي عصفت بالمدينة بعد موته. وكأنه كان يقرأ عينيّ عندما قال “الاحداث الغرائبية في رواياتي كلها حقيقية، أولها نقطة بداية حقيقية وارتباط بالواقع. الحياة في حقيقتها أكثر إثارة مما يمكننا اختلاقه. اخبرنا بأن سيدة تنشر شراشفها البيضاء النظيفة وتمد ذراعيها باتجاه الشمس كانت الملهمة في كتابة قصة ريميديوس الجميلة. يقول بأنّ المرء يحتاج أن يكون صحفيا للانتقال بين المذهل والسحري.

الظهيرة

يوشك وقت الغداء على الوصول. بدأ غابو بالحديث في التاسعة صباحا ولم يتوقف. إنه يحكي القصص ويناقش ولا يكتفي بالتدريس. لأكثر من ثلاث ساعات جلسنا جميعاً، لم نتحدث إلا قليلاً. لم أتناول فطوري لكنني لا أشعر بالجوع. ماركيز لا يشرب القهوة لكننا نفعل، إنها الرفيق الأفضل لأحاديثه وقصصه.

“يولد القاص ولا يُصنع” يقول غابو “موهبة القصّ كالغناء تهبها الحياة لك ولا يمكن تعلّمها. التقنيات، ربّما يمكن تعلمها. لكي تعرف أن شخصا ما قاصّ جيد اطلب منه رواية آخر فيلم شاهده” ثم يؤكد “الأهم من هذا أن يمتلك الإنسان الشجاعة في البحث عن مهنة أخرى إن لم يكن يحسن القص”. الكتابة كما يصفها ماركيز هي فعل تنويم مغناطيسي. إذا نجح الكاتب في تنويم قارئه فإن أي عثرة في الكتابة ستوقظه من نومه وسيتوقف عن القراءة. إذا كانت الكتابة “تعرُج” سيهجرك القارئ. ينبغي على الكاتب ابقاء قارئه تحت التنويم بالانتباه لكل تفصيل، لكل كلمة ويستمر بذلك حتى يسمم قارئه بالمصداقية واللحن الثابت. يتوقف غابو قليلاً ويضع يديه على الورق “الآن سأقول لكم، لقد قرأت مقالاتكم كلّها وكنت متيقظا طوال الوقت”

تنهّدت، والبعض قهقه، والبعض الآخر تحرّك في مقعده مرتبكاً.

الواحدة مساء

“لنرى ما في جريدة اليوم!” مدّ غابو يده عبر الطاولة والتقط جريدة تاديو مارتينيز. “هل هناك قصة نذهب لتغطيتها؟” يهز غابو رأسه محبطاً. ثم يقول “مذهل، جريدة محلية ولا يوجد على صفحتها الأولى أي خبر عن قرطاجنة. اخبر رئيسك يا تاديو: الجريدة المحلية يجب أن تنشر أخبارا محلية على الصفحة الرئيسية.

“لا شيء مهم” تمتم ماركيز وقلب الصفحات ثم قال “وجدت شيئا، لنرى. فرن للبيع، غير مستخدم، لم يتم تركيبه بعد. يجب أن يباع. اتصل بغلوريا بيدويا على 660-1127 تحويلة 113. قد تكون هذه قصة جيدة. هل نتصل بها؟ أراهن أنّ هناك شيء ما. لماذا تريد هذه السيدة بيع فرن؟ لماذا لم يتم تركيبه؟ يتوقف وينتظر أن يظهر علينا الحماس. لكن يبدو أن أحدا لم يهتم لهذه السيدة وفرنها المفكك، خصوصاً وأنه بإمكاننا مواصلة الاستماع إليه. يرى غابو قصة في كلّ شيء وخلال الأيام الثلاثة القادمة اكتشفت أنّه ممتلئ بالحنين ويشتاق لعمله الصحفي. يقول “الصحافة ليست مهنة. الصحافة غُدّة”

تحدث ماركيز أيضاً عن تكرار الكاتب لنفسه وتجربة طرق جديدة في الكتابة للفرار من ذلك. وعن التأثر بكتابة الروائيين الذين نحبهم. “نحنُ الكتاب بحاجة للدفاع عن أنفسنا ضد الكتّاب الذين نحبهم. من السهل الوقوع في الفخ وتقليدهم”.

شعرت بالألفة تجاه غابو. منذ اللحظة التي دخل فيها للمكان وبدأ الحديث. لقد قال في أكثر من مناسبة بأنه يعيد رواية القصص التي حكتها له جدته. الاستماع لغابو يذكّرني بجدّي. أشعر بأنني استمع إليه، فقط لو كان جدي يحسن الكتابة.

بعد الغداء

“سأقدم للكتّاب نصيحة: اكتبوا في بداية الرواية حكاية بسيطة، واختموها بنهاية مجلجلة. ثم املؤوا ما بينها بالوصف والاستعارات الأدبية. ضعوا سياجاً لقصتكم كما لو كنتم تمنعون قطيع ماشية من الفرار. وإذا لم تتمكنوا من ذلك ابدؤوا البحث واستمروا بذلك. قد يأخذكم البحث إلى أي مكان. أنتم بحاجة لإغلاق القصة وإنهاء حلقة المعلومات عند نقطة ما. التفاصيل هي مفتاح الرواية بدونها ستغرقون. حتى ثيربانتس أضاع حمارا. لذلك تفادوا إضاعة حميركم ما استطعتم.

أحد مشكلات الكتابة لديّ أنني أقلق أكثر من اللازم. لو كان بإمكانك الكتابة كما تتكلم ستحقق حلم الكاتب الأوحد. لكن ما إن تحاول ذلك ستجد صعوبة هائلة.

في المكسيك كنت أكتب والنافذة مفتوحة لأستمع للمطر والعصافير وأكتب عنها في النصّ الذي أعمل عليه. ليس بعد الآن. اقتصار القدرة على الكتابة في مكان محدد ووقت محدد ومساحة محددة هوس روائيين. الآن يمكنني الكتابة في أي مكان كما كنت أفعل وأنا صحفيّ. أوصل جهاز الحاسب المحمول PowerBook بالكهرباء في أيّ فندق وأكتب ثم أنقل ما كتبته على قرص مرن. كل فصل في ملف مستقل. أنا مدمن على الكتابة في شاشات لها شكل ورق الصفحات. لكنها لا تصنع بعد الآن. اشتريت منها ما استطعت شراءه، لديّ الآن إحدى عشر. أعتقد أن المرء بحاجة لشراء كل ما يجعل عمله أسهل. أجهزة الحاسب الآلي مذهلة. لقد بدأت كتابة ‘الحبّ في زمن الكوليرا’ على أحدها. تغير معدل الصفحات التي انجزها يوميا من واحدة إلى عشرة. وعدد الكتب التي أكتبها من واحد كل سبع سنوات إلى واحد كلّ ثلاثة. ولكنّ صعوبة الكتابة لا تتوقف عند ذلك. إن أسوأ لحظات الكتابة التي يعيشها الروائي –والصحفي- هي مواجهة الصفحة الخالية.

أكتب يوميا من الثامنة والنصف صباحا وحتى الثانية أو الثالثة بعد الظهر. وبسبب سنوات الجلوس الطويلة أعاني الآن من آلام الظهر لذلك العب التنس يومياً. وأحياناً، عندما انتهي من الكتابة القي بنفسي على الأرض.”

الساعة تقارب السابعة مساء. ينظر غابو في ساعته البيضاء ويقول “يا شباب، لن أتأخر عن التنس بسببكم” يقول ذلك وينهض ليغادر المكان.


النصائح الذهبية للكتابة الماركيزية

Marquez-funny

 

  1. أكتب ما تعرفه.

    “إذا كنت سأقدم نصيحة لكاتب شاب، سأقول له أكتب عن شيء حدث لك. يمكن دائما اكتشاف ما إذا كان الكاتب يكتب عن شيء حدث معه أو شيء أُخبِر به. يدهشني دائما الإعجاب الذي تحظى به كتاباتي لكونها تولد من مخيلتي. والحقيقة أنني لم أكتب سطراً واحداً بلا أساس واقعي.”

  2. اقتبس من طفولتك.

    “لقد اكتشفت أنّ كلّ أحداث طفولتي تحمل قيمة أدبية. والآن أصبحت أقدّرها أكثر.”

  3. أوجد السّحر.

    “مئة عام من العزلة” رواية استخدم ماركيز فيها الواقعية السحرية. تحتوي القصة على سجاجيد طائرة، والسيمياء –الكيمياء القديمة-، حلويات تصيبكم بالأرق وتفقدكم الذاكرة. لقد تعلّم ماركيز كتابة القصص بهذه الطريقة من جدته. كانت تحدثه عن أشياء خارقة للطبيعة، أشياء أسطورية. لكنّها كانت تروي القصص بطريقة جادة وطبيعية. يسمّي ماركيز ذلك بـ الوجه الخالي من التعابير Brick Face. نبرة الراوي لا تتغير بانتقاله من العناصر السحرية للعناصر الواقعية، ولا يتعرض للمقاطعة.

  4. كن صحفياً.

    “لقد ساعدتني الصحافة في كتابة الروايات فقد أبقتني قريباً من الواقع.” على الرغم من عنصر الفنتازيا في أعمال ماركيز إلا أنّ قصصه بُنيت على أسس واقعية. والسبب في ذلك؟ تدريبه الذي تلقاه كصحفي. فالكثير من كتّاب القرن التاسع عشر والقرن العشرين كانوا صحفيين في البدء من بينهم مارك توين، إرنست همنغواي، وجون شتايبنك.

  5. اجعل قارئك يصدّقك.

    “في الصحافة يختل العمل بالكامل إذا كانت هناك معلومة خاطئة. على النقيض من ذلك، في الرواية تمنح معلومة واحدة حقيقية الشرعية للعمل بالكامل. هنا يكمن الفرق الذي يعتمد على تفاني الكاتب. يمكن للروائي فعل أي شيء يدفع بقارئه لتصديقه”. سبق وتحدثنا عن الكتابة عما تعرفونه لكنّ ذلك يعد الأساس ونقطة البدء للاختراع. عندما تخترعون شيئاً صدقوه أولا. وإلا كيف ستتوقعون من الآخرين ذلك؟

  6. خذ قفزات بالأحاسيس.

    من العناصر المدهشة في أعمال غابرييل غارسيا ماركيز، الطريقة التي يدمج فيها بين الأحاسيس والمشاعر الغير متوقعة. مثال على ذلك مدخل رواية “الحبّ في زمن الكوليرا” الذي كتب فيه ماركيز “رائحة اللوز المرّ تذكره دوما بمصير الغراميات غير المواتية”. اللوز والغراميات الغير مواتية كيف يمكن الربط بينها؟ لستُ متأكدا لكنّ الرابط مذهل.

  7. استخدم الرمزية السياسية.

    احتجت لقراءة أكثر من 59 صفحة من “مئة عام من العزلة” لاكتشف أنّ ماكوندو كانت رمزاً لكولومبيا. كتب ماركيز الرواية وسط الاضطرابات السياسية لستينات القرن الماضي، وصوّرت الرواية مشاعره تجاه وطنه الذي يحبه. سرّ الكتابة بالرموز السياسية يكمن في ثلاثة أشياء –كما في كتابة القصص تماماً- “تسلية القارئ، الترفيه عنه، ثم تثقيفه” يمكن للحكايات السياسية تثقيف القارئ لكن إذا لم تسلّيه وترفه عنه لن تحظى بالكثير من القرّاء. 

 

* تُرجِمت هذه النصائح عن “7 Writing Lessons From Gabriel Garcia Marquez” للكاتب “Joe Bunting”.