في وداع ٢٠٢٥

أحبّ هذه اللحظة من كلّ سنة. لحظة قلب الصفحة بعد الجلوس مع النفس وتأمّل كلّ ما فات وخصوصًا التدوينة التي كتبتها بحماس لبدء العام الماضي. ما الذي كنت أفكر فيه؟ وما توقعته من نفسي؟ ما هي التحديات واللحظات المفصلية التي أوشك على الاقتراب منها؟ كيف صبرت وناورت وتعلّمت؟ السنة الماضية فاجأتني بشكل غير متوقع، والمفاجآت فيها حدثت تدريجيًا وخالفت كلّ التوقعات. أكثر سنوات حياتي بهجة وغرابة وضبابية! فيها أدركت أن التغيير لا يعني إعادة ابتكار الذات أو قلب الحياة رأسًا على عقب. أحيانًا يأتي التغيير على هيئة التعامل بتوازن أكبر مع نفسي والتخلص من كلّ القيود المفتعلة ورميها من النافذة. وإذا كنت سألخص دروس أو أفكار مهمة من السنة ستكون كالتالي:

 

المحور الأول: الذات والحياة الداخلية

كان هذا المحور عمود السنة كلّها. ارتكازي واعتمادي وطاقتي كلها استمدها من حياتي الداخلية. عندما آمنت أن أي تغيير خارجي لا يستقر فعلا إلا باستقرار داخلي. كيف أتكلم مع نفسي؟ ما هي حدودي؟ وكيف أحسن علاقتي مع الوقت والضغوط والهدوء.

الوضوح يأتي مع الحركة لا قبلها!

اكتشفت أني كلما انتظرت لحظة كاملة مناسبة بوضوح كامل تأخرت عن الحركة والتنفيذ. كانت حياتي متوقفة على علامة أو إشارة منتظرة لن تأتي حتى تحققت أن الوضوح لا يسبق الخطوة بل يتشكّل معها. مع التجربة مع المحاولة ومع الأخطاء التي تعلمنا أكثر من أي نظرية. أي حركة مهما كانت بسيطة كانت أفضل من الدوران والحبس في نفس الدائرة.

الراحة كوقفة للصيانة، لا مكافأة

لسنوات طويلة تعاملت مع الراحة وكأنها جائزة أو مكافأة لا استحقها إلا بعد إنجاز أو تعبٍ شديد. وهذه السنة نقلتني إلى فكرة مختلفة: الراحة ليست ترفًا بل جزءا من نظامي المتكامل مثل شحن الأجهزة وإعادة تهيئتها. ما الذي تغير؟ لم أعد انتظر انتهاء البطارية تمامًا لأفكّر بالشحن. ما الذي حدث؟ صار ذهني أخفّ وقرارتي أوضح ومزاجي أقلّ تقلبًا.

متعة وضع الحدود

دائمًا ما ربطت قول “لا” بالقسوة! والمفاجأة أن الحياة علمتني تدريجيًا أن العكس صحيح. الحدود لم تقلل من لطفي، بل حمت لطفي من الاستنزاف. عندما تقول “لا” تفتح مساحة أوسع للمزيد من “نعم” التي تريدها. نعم للهدوء والوقت الخاص، والحضور الصادق بدلًا من الحضور المرهق.

اللطف لا يعني التواجد الدائم

أحيانًا نخلط بين الطيبة وبين التوفّر المستمر. هذا العام فهمت أن اللطف ليس أن أكون متاحة طول الوقت، بل أن أكون إنسانة حقيقية متوازنة في عطائي وقادرة على الاعتذار وقادرة على حماية نفسي. فالكرم بلا حدود يتحول إلى إرهاق والإرهاق يتحول إلى ضيق.

لست بحاجة إلى إذن لاختيار ما هو خير لي

كنت أكثر شخص أعرفه يبحث عن تأكيد لقراراته ويستشير الآخرين في أغلب قراراته حتى يتخفف من التردد. احتجت لسنوات عديدة للتخلص من هذه المعضلة. وجزء من عملي على هذه المشكلة هي تذكر ثقتي بحدسي وذائقتي وما أعرفه في الحياة. كل هذه الأمور كافية لاتخاذ قرار مناسب في اللحظة المناسبة. وماذا اكتسبت كإضافة؟ قلت حاجتي للتبرير بعد كل قرار.

 

المحور الثاني: الإبداع، والكتابة، والتعلّم

وضعت أهدافًا كثيرة لهذا المحور وضحكت من حماسي عندما غرقت في منعطفات السنة المدهشة! ٥٢ تدوينة أو أكثر، كتابي الأول في الأسواق قبل ديسمبر، و٦ ورش عمل متخصصة في الكتابة الإبداعية بأشكالها. لم أحقق كل الأهداف بل نصفها تقريبًا (إذا استثنيت الورش التي قدمتها كلها).

صوتي الإبداعي كممارسة لا حالة مؤقتة

كتبت بأشكال مختلفة. تدوين يومي ومذكرات، تدوينات رقمية، فصول من الكتاب وكتابة عشوائية لإفراغ رأسي. لم أكن متأكدة ١٠٠٪ من أيّ شيء. كان صوتي يظهر منتعشًا عندما أدوام على العودة للورقة والقلم ولوحة المفاتيح. الصوت الإبداعي لا يأتي من الثقة وحدها بل من التكرار والمراجعة والتعلم والمحاولة.

الاستمرارية أكثر إبداعًا من الإلهام

الإلهام جميل لكنّه غير مضمون! والاستمرارية من جهة أخرى تبدو أقل شاعرية منه لكنّا هي التي تبني العمل الحقيقي. كيف طوّعت مزاجي؟ وضعت نفسي في مكان يسمح للإبداع أن يزورني: جدول بسيط ووقت واضح للعمل وتوقعات واقعية. أحببت عبارة تقول: الإلهام ضيف، والاستمرارية هي البيت.

التخطيط الجيد لغة حبّ مع الذات

التخطيط للمشاريع الإبداعية يشعرني بأني أضع يدي في يدّ نسختي المستقبلية الأفضل. هناك مساحة للإبداع العفوي لكن في أوقات كثيرة أحتاج التركيز وبناء المخططات قبل وضع حرف في جملة جديدة. أفعلها مع ورش العمل مثلا، أو في المشاريع المستقلة التي انجزها لعميل. اتخفف بالتخطيط من صراعاتي الذاتية وشكّي لأن الصورة تصبح أوضح.

لا ينبغي تحويل كلّ فكرة جيدة إلى مشروعٍ كامل

الخفّة كانت جزء من مباهج هذه السنة. وانعكس الأمر على جوانب كثيرة من حياتي ومنها المشاريع الإبداعية والأفكار. اكتفي بالعمل على فكرة صغيرة وإطلاقها في الحياة حتى وإن لم تتبلور لمشروع متكامل الأطراف. وفي أحيانٍ كثيرة يعني ذلك كتابتها كملاحظة في دفتر “كلّ شيء” الذي استخدمه لجمع الأفكار والبذور لزراعتها مستقبلًا.

تجارب ممتعة = كتابة أكثر

عندما امتلأت أيامي بالتجارب والمغامرات والحركة أصبحت كتابتي أكثر امتلاءً. في نهاية اليوم أجلس لكتابة اليوميات وابتسم من تشعب الفكرة وعمقها أحيانًا. هذه السنة أيضا فاجأتني قراءاتي بعد انعدام شهية طويلة قرأت في مواضيع مختلفة وباللغتين العربية والإنجليزية. أثرت القراءات على كتابتي وأيامي وكأني استعدت صديقًا مفقودًا منذ سنوات!

 

المحور الثالث: الصحة، والطاقة، والجسد

تخففت هذه السنة من زيادة وزن “الرياض” هكذا أسميت التأثير الغريب الذي تركه الانتقال إلى مدينة كبيرة على جسدي ونفسيتي. ولأن علاقتي بجسدي تنعكس على ثقتي وهدوئي ومزاجي وحتى قدرتي على الإبداع سعدتُ كثيرًا بهذا التغيير.

يستجيب جسدي للإيقاع أكثر من الشدة

التغييرات الكبيرة لا تحتاج دائمًا إلى الشدّة بل تحتاج انتظامًا. حافظت على نومي في وقت محدد، وجبات في وقت واحد وحركة متكررة مستمرة بأشكال متعددة. تحسنت طاقتي وقدرتي على التحمل وقل تشتتي وشعوري بالذنب.

القوة شعور

البدء بتمرينات القوّة Strength Training عزز شعوري الداخلي بالقدرة. أنا قوية! ومع أنّ النتائج لم تظهر بسرعة لكني علمت أن التكرار والاستمرار ستظهر تقدّمي.

كل شيء أو لا شيء فكرة لا تخدمني!

كانت هذه الفكرة في الماضي سببًا رئيسيًا في توقفي عن التقدم. وهذه السنة تدربت على الاقتناع بفكرة القليل المفيد: قليل من الحركة المستمرة قليل من القراءة كل يوم قليل من الكتابة العميقة وقليل من الطهي الأسبوعي وتجهيز الوجبات. كل هذه الأفكار منعشة وتعطي انطباعًا حقيقيًا بالإنجاز!

الألم رسالة انتباه

ليس من الشجاعة تجاهل الألم. كلما شعرت به في مكانٍ في جسدي توقفت واستفسرت. احترمت نصائح الأطباء وحرصت على الاستشارة وتطبيق آليات التعافي لأني أريد جسدًا يحملني لسنوات لا نتائج ترضيني لأسبوعين.

قرارات أقل = تقدم أكبر

كلما بسّطت حياتي، تحسّن تقدمي: وجبات متكررة بدل الحيرة، تمارين محددة بدل التنقل، خطة أسبوعية واقعية بدل المثاليات. تقليل الصدام مع نفسي في اتخاذ قرارات يومية حرر ذهني وساعدني على التركيز في مجالات أخرى.

 

المحور الرابع: العلاقات

هذه السنة كانت بعلاقات أقلّ وفرص أفضل للقاءات ذات معنى.

العلاقات المناسبة تجعل الحياة أكثر هدوءًا

لا تتطلب العلاقات الجيدة نسخة أفضل من نفسي ومثالية مجهدة طوال الوقت. لا تطالبني بأداءٍ عالي أو قلق لاكتساب الرضا. كل ما تحتاجه حضور حقيقي وصدق واحترام للحدود وهذه الأسس التي أعدت من خلالها تأطير كل علاقاتي بلا استثناء.

التخفف من تبرير الذات

لطالما كنت الشخص الذي تعلم مهارة الكثير من التبرير والشرح لضمان أن يفهمه الآخرين. وكغيرها من السمات التي عشت معها طويلا احتاجت مني العمل على فعل العكس. العلاقات الجيدة الصحية لا تطلب مني كل هذا. بعض الأمور يكفي أن تقال ببساطة ووضوح والباقي ليس مسؤوليتي.

الاطمئنان يمنع سوء الفهم

والاطمئنان يولد من التواصل البسيط الدائم واللقاءات ذات المعنى. عندما تحدث هذه الأشياء في وقتها المناسب تحمي العلاقات من تراكم ما لا نقوله.

المحور الخامس: نمط العيش

هذا المحور كان خلاصة العام: كيف أبني حياة قابلة للعيش؟  حياة استمتع بها كلّ يوم واكتشف نفسي. وكيف أصنع نظامًا يخدمني بدل أن يضغطني؟

متابعة التقدم بعيدًا عن الهوس

تابعت نفسي بانتظام مع التركيز على المرونة والعفوية. أصبحت هذه المتابعة مرآة لطيفة أفهم من خلالها نفسي وتجاوبي مع التغيير. لم أطلق الأحكام عند حدوث الفوضى لأن التتبع يعطيني نتائج حقيقة. أعرف في كل مرة لماذا وصلت هذا المكان كل فعل له ردة فعل.

مساحة هادئة = ذهن هادئ

رتبت محيطي وتخففت وجردت مكتبتي وأوجدت مساحة للعمل تضيئها الشمس طوال النهار. الترتيب يقلل الضوضاء ويقول لجهازي العصبي أن كلّ شيء تحت السيطرة -حتى لو كانت فكرة أقولها لنفسي لتهدأ.

الوفاء بوعودٍ صغيرة غيّر كل شيء

كيف يبدو الوعد الصغير؟ تقديم موعد النوم ساعة، أو اختيار أيام محددة للعمل من المنزل والتسوق واللحاق بما يفوتني في صباحات العمل. أوفيت بوعدي بالكتابة يوميًا كل ليلة لتفريغ رأسي وقلبي ولبناء أرشيف أعود إليه لاحقًا.

 

هذه تدوينة طويلة مناسبة لنهاية العام!

كيف كانت سنتكم؟ وما هي الدروس التي ستحملونها معكم للعام القادم؟

 

.

.

.

٢٢ | كيف أنظّم حياتي بثلاث أجندات وقلم؟

اطلعت مؤخرًا على إحصائية مربكة تقول بأنّ الشخص العادي يفقد تركيزه كلّ ثمان دقائق بسبب الإشعارات الرقمية. وفكرت: إذا كنت أعمل ثمان ساعات يوميًا فهذا يعني أنني أفقد ساعات من وقت الإنتاج الحقيقي وأشعر بالإرهاق بسرعة وتتبعثر أفكاري أكثر مما أقبض عليها. والحلّ؟ الهروب من الأدوات الرقمية لتنظيم أيامي مهما كانت ممتعة وجذابة والعودة للورق والكتابة بالكامل. التدوين اليدوي عادة بدأتها من الصغر لكنها كانت محدودة في تسجيل تأملات نهاية اليوم والأحداث التي أريد العودة إليها.

كانت تمرّ أيام كثيرة اعتمد فيها على الملاحظات والتقويم الرقمي في هاتفي وهذه فكرة جيدة للتنبيه اليومي، ولكن ليس على المدى البعيد. وهناك قلق من نوعٍ آخر وخاص بي: ماذا لو تعطلت كل هذه التقنيات؟ كيف أتذكر ما أريد حفظه وأحمله معي في كلّ الظروف؟ ومن جهة أخرى وجدت أنّ الكتابة اليدوية ليست فكرة رومانسية بل حل علمي مثبت. فهناك العديد من الدراسات العلمية تثبت أن الكتابة باليد تحسّن الذاكرة بنسبة تصل إلى ٦٥٪ أكثر من الرقمية وتقلل التوتر والقلق وتحفز الإبداع بطرق لا يمكن لأي تطبيق التفوق عليها.

القرار بالعودة إلى التدوين اليدوي بمثابة طوق نجاة. لم تكن مجرد كتابة، بل كانت عملية تأمل يومية أعادت لي السيطرة على أفكاري ومهامي. في هذه التدوينة، أشارككم نظامي الخاص الذي يعتمد على ثلاث أجندات ورقية مختلفة. هنا نظام بسيط ومرن يمكن لأي شخص أن يتبناه ويعيد به ترتيب عالمه الداخلي والخارجي.

نظامي الثلاثي: إعادة ترتيب الحياة

أحببت هذا النظام لبساطته ووضوحه وربما لسببٍ آخر: رغبتي في تنويع المذكرات التي أدونها لأصنع تاريخي الشخصي بعد حين. وبدلًا من تكديس كلّ شيء في مكانٍ واحد، هذا الفصل بين جوانب حياتي المختلفة يمنحني وضوحًا وصفاء ذهنيًا لا يقدر بثمن. كلّ أجندة لها دور محدد وواضح وشخصية مستقلة وطريقة كتابة وتدوين وأهداف واضحة.

أجندة العمل والمهام اليومية

أسميها أجندة الواقع والأداة التي أواجه بها متطلبات الحياة العملية واليومية. في هذه المساحة أدون الالتزامات وأروض الفوضى لأشعر بالإنجاز! لا يوجد أفكار عشوائية فقط نظرة واضحة على أيامي وجداولها. استخدم في هذه الأجندة مذكرة من موجي للعام ٢٠٢٦ للتخطيط الشهري والأسبوعي. ومذكرة ثانية لمهام العمل والقوائم، والثالثة لتسجيل تفاصيل الاجتماعات وأيّ معلومات تخص المشاريع التي أعمل عليها لأعود لها وقت الحاجة. الدفاتر نحيفة وخفيفة وأبدلها عندما تمتلئ واحتفظ بها في أرشيف خاص.

التدوين والتخطيط هنا له عدة أشكال: في المذكرة محددة التواريخ ابدأ بالنظرة الشهرية في صفحة كل شهر أوزع الأيام الهامة على التقويم والمواعيد وأيّ شيء ثابت ومقرر سابقًا. أضيف خلال الشهر أي مواعيد أو تفاصيل حدثت بلا تخطيط لتذكر الأحداث لاحقًا.

والنظرة الأسبوعية في الصفحات المخصصة لكلّ سبعة أيام ويقابلها صفحة فارغة أضيف عليها التفاصيل الأخرى. في بداية كلّ أسبوع أحدد المواعيد والمهام لكل يوم وفي الصفحة المقابلة أضيف جدولًا للأنشطة البدنية (التمرين-المشي) والعشاءات التي أحددها مسبقًا لتجهيز الوجبات. ومساحة صغيرة أسجل فيها أهم أحداث الأسبوع وما أودّ تذكّره.

في المذكرة الثانية أكتب مهامي كقائمة مطولة بلا تخصيص ولكل يوم عمل أضيف المزيد منها. في نهاية الأسبوع اظلل ما انتهيت منه وأنقل التي لم تتم لصفحة جديدة لأسبوع جديد.

أما المذكرة الثالثة التي أخصصها للملاحظات، أكتب في رأس الصفحة اسم الاجتماع أو المشروع والتاريخ واليوم واملأها بالأفكار. وضوح العنوان في رأس الصفحة يذكرني بالتفاصيل لاحقًا.

أجندة المشاريع الشخصية والأفكار

إذا كانت الأجندة الأولى هي العقل فهذه هي الروح. هنا أطلق العنان لأفكاري وأدون تفاصيل مشاريعي الشخصية التي تعطي الحياة معنى. ليس لديّ أي قوانين ثابتة هنا. واستخدم الصفحات في المذكرات للتالي:

العصف الذهني وخرائط الأفكار: عندما أعمل على ورشة جديدة أو أخطط للمحتوى استخدم الصفحات للتدوين الورقي بدون تخصيص أو ترتيب.

بنك الاقتباسات: هنا أجمع الاقتباسات من المقالات المطولة والنشرات البريدية ومشاهداتي وأي شيء أود تبنيه أو البحث عنه أكثر واكتشافه في المستقبل. أعود لهذه الصفحات عندما أبحث عن فكرة جديدة للتدوين أو بناء مشروع من الصفر.

تخطيط المشاريع: استخدم مذكرة ل٢٠٢٦ نفس تصميم المذكرة في أجندة العمل لكن الفرق هنا أنها مخصصة للمشاريع الإبداعية، ورش العمل، وكتابة المحتوى.

هذه الأجندة ممتعة ومليئة بالألوان والقصاصات وهي انعكاس حقيقي لطريقة تفكيري.

أجندة الكتب وعوالمها

اقتنيت لقراءاتي أجندة جلدية بحجم جواز السّفر. اخترتها صغيرة لأتمكن من حملها في كلّ مكان وأدون رحلتي مع كلّ كتاب. كان لدي مذكرات للقراءات سابقًا لكن توقفت قبل سنوات في المحافظة عليها. أصبحت التقط صور الاقتباسات وأجمعها في هاتفي وبالتالي ضاعت في الفوضى الرقمية. ولأنّ ٢٠٢٥ كانت بشكل جميل السنة التي استعدت فيها شهيتي القرائية وقرأت أكثر من عشرين كتابًا! استعدت أيضا رغبتي في الكتابة عن القراءات وتذكر رأيي حول كلّ كتاب وجمع الاقتباسات والمشاعر التي أمر بها خلال القراءة في مكانٍ واحد.

ببساطة عندما ابدأ قراءة الكتاب افتح صفحة جديدة واكتب في رأسها عنوانه والمؤلف والمترجم إذا كان مترجمًا وتصبح الصفحات التالية سلسلة من التأملات والتدوين. الفرق هنا أن الاقتباسات لم تعد حبيسة ملف الصور في الهاتف المحمول، بل أصبحت أكتبها بيدي وأذكرها. لديّ هدف من هذه التدوينات فهي طريقتي لتحويل القراءة إلى تجربة تفاعلية حتى وإن لم أشارك هذه التأملات مع أحد. ولتلخيص عملية التدوين هنا أتبع المخطط التالي:

ملخصات وأفكار: مع أني أكتب مشاعري وتأملاتي وانطباعاتي حول الكتاب خلال عملية القراءة. إلا أنّ النظرة الختامية اكتبها بعد الانتهاء منه. أكتب ملخص قصير وأهم الأفكار التي خرجت بها.

الاقتباسات: أدون الاقتباسات التي لمستني مع ذكر الصفحة للعودة إليها بسهولة.

قوائم القراءات المستقبلية: أدون في الصفحات في نهاية المذكرة أسماء الكتب التي أود اقتنائها أو قراءتها مستقبلا. فالآن مثلًا أخطط لقراءات العام القادم وأجمع العناوين التي أثارت اهتمامي. أيضا أدون الكتب بنفس الثيمة التي قرأتها أو التي يأتي ذكرها في كتاب آخر أو تشبه أسلوب كاتب أحببته وأود الاستزادة منه.

كيف تبني نظامك الخاصّ؟

قد يبدو نظام الثلاث أجندات معقدًا للوهلة الأولى، لكنه وبعد الاعتياد عليه أصبح مرنًا وممتعًا بالنسبة لي. أعرف أن هناك مكانًا محددًا لأي فكرة تمر في ذهني. أصبح الأمر أشبه بترتيب عقلي ومحتوياته على رفوف ناصعة البياض! يمكنك أيضًا الاستفادة من هذه الفكرة وتكييفها مع حياتك الخاصة وهذه مجموعة من الأفكار للبدء:

ابدأ ببساطة: لا ترهق نفسك بالبحث عن الأجندات والغرق في تفاصيلها. اختر ثلاث دفاتر بسيطة ومناسبة للتنقل والكتابة بأقلامك المفضلة أو حتى البدء بدفتر واحد أو مذكرة مؤرخة وتقسيمها إلى ثلاثة أقسام واستخدام علامات للفصل بين المجالات.

حدد محاور حياتك: ما هي الجوانب الثلاثة الأهمّ في حياتك الآن؟ هل تحتاج إلى تنظيم وتركيز؟ قد تكون العمل والأسرة والصحة، أو الدراسة والهوايات والتطوير الذاتي. اختر المحاور وخصص أجندة لكلّ واحدة منها.

تبنّى عادة يومية: خصص ١٠-١٥ دقيقة كل صباح أو مساء لمراجعة وتحديث الأجندات. ومع الوقت سيصبح لديك طقس ممتع لا تستغني عنه.

بعض الفوضى الملهمة: خاصة في الأجندة المخصصة للتفكير والإبداع. اسمح لنفسك بالفوضى والتجريب ولا تسع للكمال بل ابحث عن التعبير الصادق والاكتشاف.

 

أكثر من أداة تنظيم

ما أحبّه في المذكّرات والتدوين الورقي يتجاوز فكرة التنظيم وتسجيل المهام. هذه التجربة تتطلب البطء والتأمل والتفكير قبل وضع الكلمات على الورق وهذا ما أنشده. البطء في وقتٍ يركض فيه كلّ شيء بسرعة. أتمنى أن يكون نظامي هذا مصدر إلهام لك. وأدعوك لخوض هذه التجربة، واكتشاف نظامك الخاص الذي يعكس شخصيتك واحتياجاتك. وإذا كان لديك تجربة فعلية شاركها في التعليقات لتلهمنا.

.

.

 

١٩ | مراجعة شهريّة

انتهيت مساء اليوم من جرد مكتبتي وإعادة ترتيبها. كانت الرفوف القديمة سيئة كاختيار للمكتبة: عميقة جدًا تجمع الغبار ولونها غامق لا يتناسب مع فكرة النظر للرفوف واكتشاف القراءة القادمة. مفهوم الجرد والتنظيم مفهوم محبب عندي. وأحيانًا أحبّ الهدم وإعادة البناء أكثر من إعادة الترتيب لكن المكتبة هذه المرة كانت بحاجة ماسّة لمراجعة وضبط.

اكتب هذه المقدمة لمسودة تدوينة قديمة انتظرت إتمامها بحماس لتتزامن مع نهاية شهرِ أكتوبر لكن الانشغال أقوى مني ومن خططي. هذا المساء وبعد يوم عملٍ مجهد قررت الجلوس والكتابة بلا توقف لإنهاء المسودة ونشرها. وبذكر الانشغال والإجهاد أجد نفسي انزلق بسهولة في هذا الطريق وأنسى نفسي خصوصًا مع نهاية العام. أنشغل بتفاصيل الأيام واتحرك من مهمة لأخرى وأواجه التحديات المتتالية كأني روبوت. أشطب واحدة تلو الأخرى، ولكن لا أتوقف قليلا لأسأل نفسي: هل أنا أتقدم فعلا؟ أم أنني أدور في حلقة مزدحمة دون اتجاه واضح؟ كنت فيما مضى اعتمد على جردة شهرية ممتعة أراجع فيها أيامي بالإجابة على مجموعة أسئلة متكررة ومن ثمّ أقيس تقدمي في المشاريع والحياة بناء على الإجابة.

ومع تغير الوقت والالتزامات لجأت إلى جردة سنوية جعلتني أواجه تراكم كثير من الأفكار والملفات الذهنية وانهمارها دفعة واحدة. تأخر المراجعة هذه يضعني في معضلة التأخر في اكتشاف مسارات لا تخدمني، أو اكتشاف وقتي وجهدي الضائعين في مهامّ ومشاريع لا تقدم قيمة حقيقية.

وبين التجارب البعيدة والجديدة وإعادة الاكتشاف قررت استعادة المراجعة الشهرية على شكل ممارسة بسيطة وفعّالة. امنح نفسي مساحة للتفكير والتنظيم والتعديل دون مبالغة أو شعور بثقل التكاليف.

لكن لماذا اعتمدت المراجعة الشهرية في السابق؟

شهر مدة كافية لتتكون ملامح تجربةٍ ما. تظهر بدايات العادات والتحديات التي قد تواجهني وتتضح الفرص والقرارات التي تحتاج متابعة. والمراجعة الشهرية بشكل عام تساعدني على:

  • المحافظة على صورة شاملة لما يحدث في حياتي.
  • منع التشتت والإنهاك الناتج من العمل بلا خطة.
  • ملاحظة التقدم الحقيقي.
  • اتخاذ قرارات مبنية على نتائج بدلًا من التأثر بالظروف.
  • التدخل الواعي في حياتي وتجنّب ترك الأمور للصدفة.

باختصار: فرصة لإعادة توجيه نفسي قبل أن تجبرني المؤثرات.

كيف تعمل المراجعة الشهرية؟

أخصص وقتًا هادئًا (غالبًا في آخر يومٍ من الشهر إن استطعت أو بداية الشهر الجديد) وأقضي نصف ساعة إلى ساعة من العمل. أدوّن في مذكرتي ويمكن أن تكون المراجعة رقمية إذا أحببتم. افتح صفحة جديدة واتبع نموذج ثابت يساعدني على التركيز دون تشتت أو استطراد زائد.

1- الإنجازات ومحطات التقدّم

أكتب كل ما تقدّمت فيه، سواء كانت خطوة كبيرة أو صغيرة.
الفكرة هنا ليست تضخيم الإنجازات، بل احترام الجهد ورؤية تراكم الإنجاز.

  • ما الذي أنجزته في عملي؟
  • ما الذي تقدّم خطوة في مشاريعي الشخصية أو المهنية؟
  • أي عادة واظبت عليها هذا الشهر؟
  • هل اكتسبت معرفة جديدة؟ مهارة؟ فكرة؟

أحيانًا لا نكتشف أننا نمضي قدمًا إلا حين نكتب ذلك بوضوح.

2- ما لم يتحقق وأسباب ذلك

هذا الجزء لا يتطلب الجلد أو اللوم بل تحليلًا بسيطًا وهادئًا:

  • ما الذي لم أتمكن من تحقيقه؟
  • هل السبب سوء تقدير للوقت؟
  • ضعف في التخطيط؟ انشغال غير ضروري؟
  • أم أنّ الهدف لم يكن واقعيًا من البداية؟

المهم هو استخلاص سبب يمكن التعامل معه، لا بناء قائمة للشعور بالذنب.

3- التحديات

أدوّن العوامل التي حدّت من تقدّمي.
وقد تكون:

  • الانشغال الزائد.
  • التشتت الرقمي.
  • مجاملات استنزفت وقتي.
  • ضعف في إدارة طاقتي.
  • ضبابية الأولويات.

الوعي بالتحديات والعوائق أول خطوة لتجاوزها.

4- الخطط التي نجحت

من المهم ألا تكون المراجعة عملية “بحث عن الأخطاء” فقط.
أسأل نفسي: ما الذي ساعدني هذا الشهر؟

  • طريقة تنظيم معيّنة.
  • عادة بسيطة أثمرت أثرًا جيدًا.
  • فترات تركيز مناسبة.
  • نشاط حسّن من طاقتي.

الاحتفاظ بالخطط والعادات التي نجحت مهم بقدر التخفف من المعيقات.

5- أولويات الشهر القادم

اختار ثلاث إلى خمس أولويات واضحة وهذا يكفي تمامًا للتركيز.

وأخيرًا.

هذه المراجعة الشهرية ليست محاولة لتغيير الحياة والخطط كلّ مرة بل وسيلة للحفاظ على اتجاه واضح وتحسين تدريجي ومستمر. ليس الهدف النهائي أن أحقق الجاهزية الكاملة أو انتهي من مشروع بل أن اتقدم بثبات، وأن أعرف ما أقوم به ولماذا. في نهاية كل شهر أسأل نفسي: هل أسير في الاتجاه الذي يخدمني؟ وما التعديل البسيط الذي سيحدث فرقًا هذا الشهر؟ومع الوقت، يتراكم هذا الوعي ليشكّل فارقًا حقيقيًّا في جودة الحياة والعمل.

.

.

.

١٨ | ست قصص إيطالية

١

بدأت اليوم عطلة قصيرة منتظرة في زيارة لإكمال حديث لم ينتهي مع روما! بشكل عام رحلات الطائرة دائمًا خالية من الازعاج والصخب بالنسبة لي -توفيق ودعاء الأمهات؟- لكن رحلة اليوم كانت مختلفة. في المقعد المجاور سيدة تسافر وحيدة مع طفلها. ومنذ اللحظة الأولى بدا مشاكسًا يحب الحركة ويتململ قبل الإقلاع. ما إن استوينا في السماء حتى ذهب في غفوته وانتهزت الفرصة للنوم كذلك. لم تطل الغفوة للأسف وتحول التململ إلى بكاء لتحمله أمه وتهدهده. استيقظت وقررت إكمال هذه الرواية التي لم أرد أن تنتهي. السرد لذيذ ومسترسل والحديث عن الخياطة وتفاصيلها يدفئ القلب. كسبت من هذا الأرق الإلزامي فرصة إكمال القراءة حتى الوصول. تناولت الطعام وشربت القهوة وتذكرت ألم أسناني الذي يلحّ منذ أيام وتجاهلته لأن لا وقت لزيارة الطبيب. فجأة فكرت ربما طفل الستة أشهر يمرّ بآلام التسنين؟ واشتركنا كلانا في حفلة ألم. وتذكرت أن الستة أشهر هذه مرت على بدء قيادتي للسيارة. ولد الطفل يوم حصولي على الرخصة ربما؟ حسنًا هذه الاستطرادات متعبة! أفكر في هيفا الصغيرة وهي تقرأ يوميات هيفا الأربعينية وتفخر بعامها الملوّن الملئ بالفرح والخيبة في وقتٍ واحد. ما الذي ستقوله عندما تنهي قراءة هذا الفصل؟ وأفكّر أيضًا لدي الكثير من الخطط الممتعة للغدّ وحان الوقت لإقفال عينيّ.

٢

في يوم وصولي مدّ لي موظف الاستقبال مفتاح الغرفة وكان المدير المناوب موجودًا حينها. قلت له مازحة أتمنى ألا تكون نفس غرفتي العام الماضي لأني أودّ تجربة شيء جديد. ثمّ ترددت واعتذرت: طبعًا إذا كان ذلك متاحًا. قال لي حينها: هل تريدين غرفة حمراء على الطراز البومبي؟ أجبت نعم بالتأكيد! لم يكن لدي أي توقعات. لكن المسمّى أثار اهتمامي. والطراز البومبي الحديث (ظهر في القرن ١٨ و١٩ تقريبا) يحاكي ألوان بومبي القديمة (الأحمر والأسود والأصفر) وزخارفها وتقنيات رسم الجداريات فيها.

أحبّ هذا الفندق جدًا، مصعده بطيء يذكرني بالتنفس بعمق والحركة البطيئة لأنني في إجازة! أحب طابع الغرفة الكلاسيكي، لا مقابس يو اس بي في الجدار ولا شاشات رقمية عدا شاشة التلفزيون. بلكونة صغيرة مطلة على شارع فرعي وستائر ثقيلة تحجب الضوء والمدينة إذا أردت.

٣

في غرفة من غرف فيلا فارنيسينا تركوا ورق الحائط منزوع لرؤية تفاصيل المبنى القديمة. التقطت هذه الصورة وفكرت في رمزية الطبقات والزمن. أفكر في شخصيتي التي أحبّ في السفر، ما الذي يبدو تحت ورق الحائط وازدحام الأيام ومرور الوقت؟ يومي كان لطيف منذ الصّباح. ارتديت فستانًا أحبّه بلون لا ارتديه عادة. تناولت الفطور وانطلقت للتنقل بين المتاحف وتأمل السقوف. صحيح قبل ذلك التقيت بالعائلة الأمريكية التي صادفتهم ليلة البارحة في مطعم سطح الفندق. كان طفلهم يلعب ويركض في الأرجاء وأصيبوا بالتوتر ظنًا بأنه يزعجني. استأذن والده لبدء الحديث معي واعتذر عن ركض الصغير وأكدت له أن ذلك طبيعي وطفلهم مهذب حقيقة ولم يزعجني. كلمة واثنتين وانضمت زوجته إليه وسألتهما عن زيارتهم لروما ورددت على سؤالهم تحدثنا في أمورٍ شتى لاكتشف أن الزوجة مولودة في التاسع من أكتوبر وتكبرني بعام. ضحكنا من المصادفة وتمنينا لبعضنا عيدًا سعيدًا. في زقاق صغير في وسط المدينة قابلت زوجين رأيتهما في الصباح في شارع الفندق على بعد الكيلومترات. هذه المدينة مترامية الأطراف جمعتنا من جديد بغرابة. كيف تذكرتهما؟ من بنطال الزوجة الذي أعجبتني نقوشه. مشيت قليلا وتبعت فتاتين جميلتين مظهرهم مرتّب ولافت. مشينا سوية باتجاه واحد وقبل دخولي لمكتبة عتيقة توقفن قليلا عند الباب وتبعنني. لم استمع لحديثهم فقد فصلتنا مسافة بسيطة في الطريق. لكن إحداهن أعلنت عندما دخلن المكتبة: جوّي! فز قلبي حرفيًا. هذه الكلمة التي يستخدمها الشباب لوصف شيء محبب. التفتت فورًا وابتسمت وسألت: سعوديات؟ أجابوا نعم. وتبعتها بـ أهلًا وسهلا كأني أرحب بهم في بيتي. أخبرتهم عن جمال المكتبة والكنوز الصغيرة التي تحتاج منهنّ البحث وحسب. في طريق العودة للفندق مرت بي سيدة إيطالية وقالت بحماس: bel vestito “فستان جميل”. في الحديقة التي تتوسط الفندق حفلة عرس صاخبة. استمعت رغمًا عني لأغنية رقصة العروسين ولكلمات الزوار العاطفية التي شارك في كتابتها chat gpt. سأحاول البقاء مستيقظة لوقتٍ أطول الليلة لأن بداية اليوم في الرابعة صباحًا مزعجة.

٤

كتبت قبل عدة أيام اقتباسًا في تطبيق الملاحظات: “علينا جميعا أن نحكي أجزاء من قصّتنا. من الصعب أن تكون إنسانًا، وتنخرط في علاقات دون أن يكون لك نسخة من قصة حياتية، تطفو حولك.” سأتذكر هذا الاقتباس في كلّ مرة أقرر فيها الانكفاء على نفسي والتوقف عن “القص”. وفي الحقيقة لم أجد ذلك أبدًا! منذ أن تعلمت تركيب الجمل والجمع بين الشخصيات لسرد حدثٍ أو حكاية – البداية كانت من حلقة لتوم وجيري حسب ما يتذكره والدي. أصبح القصّ جزءا من هويتي حتى أنني استخدم التعريفLifelong Storyteller  هكذا أسهل وهكذا اختصر الكثير من التعريفات والتوقعات.

زرت اليوم قصر أسرة كولونّا المذهل. تجاوزت الجولة فيه الساعتين وتمنيت لو امتدت قليلًا فالمرشدة تهرول بين الغرف والحديقة قبل أن يزدحم المكان بمزيد من الزوار. تمشيت في المنطقة واخترت دائما الطريق الأطول ففيه أجمل الاكتشافات‪. تمكن مني الجوع فجأة وقررت الدخول لمطعم أمامي ولكن قبل ذلك قرأت المراجعات سريعًا وكانت متفاوتة بشدة، أحدها انتقد الطعام وجودته، وتعليق آخر هاجم الندّل وعجرفتهم. استقبلني نادل ظريف وتفحص وجهي قبل أن ينطلق بالكلام. طاولة لشخص واحد من فضلك! وردّ سريعًا: لا، بل طاولة لاثنين! ضحكت وأعدت عليه: طاولة لشخص واحد! قال: وأنا؟ ضحكت وهكذا بدأت جولات من الظرافة. كان يحاول اكتشافي ويمكنني رؤية ذلك. ثمّ عاد بعد لحظات وقال: يلا يلا .. قلت له: يلا مانجاري! (يعني أكل بالايطالية). كان الأكل دافئًا بجودة مقبولة. وعندما هممت بالخروج وجدت قصاصات صحف على جدار المطعم إحداها لتقرير صحفي عنوانه: موت المطاعم العائلية. يبدو أنها مأساة فعلًا. في المدخل أيضا صورة قديمة لعائلة ربما كانت العائلة المؤسسة للمكان.

خرجت للعشاء في مطعم على سطح إحدى المباني. وعلى الطاولة بجانبي صديقات أمريكيات صاحبات، قالت إحداهن قصة التقطتها: تروي أن والدها ترك لها تعليقًا على منشور ليوم ميلادها وقال لها اخترت لك لباسك الأول وتختارين لباسي الأخير، أخذتِ نفسك الأول معي، وسآخذ نفسي الأخير معك استقبلتك في الحياة وستودعينني حين أغادرها. شيء بمثل هذه المعاني. كان الجو باردًا ولكن عيناي غرقت بهذا الدفء. وحانت لحظة عودتي لفندقي وإنهاء يومٍ ممتع آخر!

٥

أقول لوالدتي ممازحة قبل أسبوع تقريبًا أن يوم ميلادي هو يوم ولادتها وهكذا نحتفل بالمناسبة سويّة. نقلات حياة عظيمة حدثت ذلك اليوم! أصبحت أمّ وأصبحتُ أنا. العام الماضي احتفلت بميلادي معها في روما. كانت رحلتنا الأولى للمكان وعشنا التجربة المدهشة سويّة. هذه السنة أمرّ بأماكننا وأشعر بدفء وبعض من تأنيب الضمير -فقد دفعتها للمشي وصعود الكثير من السلالم في المتاحف حينما كنا نجهل إصابة ركبتها. شعرت بالكثير بالألم وتحاملت على نفسها من أجلي- من جديد.

اليوم احتفلت بعيدي الثالث والأربعين، تمر السنوات أحيانًا والتفت للرقم ولا يعود يحمل ثقلا أو معنى جوهري مقارنة بالتجارب والمشاعر التي أعيشها في عامٍ كامل. لو تسألوني عن أيام ميلادي السابقة سأجد ذاكرتي عالقة في عيدي الثامن والعشرين، أو الحادي والثلاثين -مثلا. كعكة شهية وأحباب مجتمعين.

هذه السنة أنا وحدي والقمر الذي يطلّ من نافذة فلورنسا.

صباح اليوم طلبت سيارة أوبر لتأخذني للنقطة الأبعد من جولة النهار، هذه المرة الأولى التي أفعلها منذ وصلت فلورنسا فهي مدينة جميلة تقطعها بالمشي خلال ساعة على الأكثر! لكني تذكرت صعود حدائق بوبولي في قصر بيتي المقر الرئيسي لعائلة مديتشي. الكثير من الصعود والمشي والانعطافات السريعة، ثم جولة التسوق السريعة لآخر نهار في المدينة. في معرض الحديث قلت للسائق أنّ اليوم ذكرى ميلادي، وأصرّ لاحقًا على ايقاف السيارة أمام بوابة القصر لأنه على حد قوله سيمنحني معاملة المشاهير! وأصر أيضًا على بقائي حتى يفتح الباب بنفسه ضحكت من اللفتة وتقبلتها بفرح. ستكون هيفا الصغيرة فخورة بي هذا النهار. فقد صعدت الحدائق التي شاهدتها في وثائقي قديم ومنذ ذلك اليوم وفلورنسا في ذهني لا تغيب. أدعو الله أن يكون عامي القادم مليئا بالحبّ والرضا. أن أعرف الدروس ولا أنساها. وأن يبقى الفضول مشتعلا في قلبي. وألا أفقد حسّ المغامرة والتجريب. وأن أعبر الأبواب والطرق بخفة وأن يهدأ قلبي لمعرفتي أن كلّ شيء في حفظ الله ورعايته.

٦

في منتصف الرحلة غمرتني مشاعر متداخلة يصعب وصفها. كنت استيقظ يوميًا مبكرة، قبل شروق الشمس أحيانًا وينتهي يومي قبل الغروب حين أعود مشيًا للفندق. مثقلة بالجمال الذي رأيته ومحتضنة مشترياتي التي لم تخرج عن الورق والجلديات. كانت الأيام بين روما وفلورنسا تمرّ سريعًا، وتنكمش بين خطواتي حول المتاحف والكاتدرائيات. كانت هناك لحظة محددة ستبقى في ذاكرتي طويلًا: أقف في قاعة مزيّنة بالجداريات، رفعتُ رأسي لأتأمل السقف المزخرف وألتقط له الصور. أحسست بوخزة في صدري وغرقت عيناي بالدموع. لم أفهم حينها ما الذي حصل! خليط من الإعجاب والارتباك؟ حنين؟ رغبة في البقاء هنا للأبد ورغبة في الهرب؟

في أزقة فلورنسا المتوارية عن الشمس، مشيت ببطء لأحفظ المشهد في ذاكرتي. صوت الأحذية على الأرض الحجرية المتفاوتة، النوافذ الصغيرة المضاءة في منتصف النهار، وأوراق الخريف التي تتطاير حول المارّة. استمتع بعزلتي كما لم أفعل منذ زمن. في المساء وأنا أقرأ عن متلازمة ستندال أو الدوار الذي يصيب الإنسان أمام الجمال المفرط. ابتسمت بعد أن وجدت الإجابة والتفسير لعاطفة غامضة سكنتني. أدركت أن الثقل الذي كنت أعيشه في الأيام الماضية ليس تعبًا جسديًا، بل أثر الفنّ حين يتجاوز النظر ليقع في الروح. ربما كانت فلورنسا تختبر قدرتي على الاحتواء، وتذكرني أن الجمال لا يُستهلك على عجل، بل يسكننا للأبد.

.

.

.

١٧ | عن تأخير النوم الانتقامي

أحبّ اكتشاف مسميّات للفترات والمشاعر التي أمرّ بها ولا أعرف لها مصطلح يصفها. معرفة الأمر جيدًا يعني قدرتنا على معالجته ومواجهته. وقبل عدة أشهر اكتشفت مصطلح “تأخير النوم الانتقامي – Revenge Bedtime Procrastination” ضحكت لأن الاسم مضحك فعلًا. لكن بعد نهاية الطرفة تأكدت من أنّه مشكلة ينبغي علي حلّها في أقرب وقت قبل أن تلتهم عقلي وطاقتي. كنت أعود للبيت مرهقة بعد يوم عمل طويل وأفقد السيطرة على ما تبقى من ساعات المساء. أتناول العشاء من مطعم للوجبات السريعة غالبًا – سقطت في الفخّ وتوقفت عن طهي وجباتي للأسف. ثم أتمدد في السرير حتى ساعات الصباح الأولى أشاهد حلقة تلو الأخرى من مسلسل مفضل وغالبًا إعادة مشاهدة لمسلسل قديم. والحلقة تجرّ أخرى، أتبعها بجولة مطولة في منصات التواصل بتصفح غير واعي. فيديو قصير على تيك توك يأخذني لآخر وفجأة أصبحت الساعة الواحدة أو الثانية صباحًا. كنت أقول لنفسي مع كلّ لحظة: أنتِ تستحقين! كان يومًا طويلًا ولم تفعلي فيه أي شيء لنفسك. استمتعي قليلا.  وفي الصباح التالي استيقظ متعبة متوعكة وانطلق في الركض من جديد.

فكرة تأخير النوم الانتقامي ببساطة أن الإنسان الذي يقضي يومه تحت ضغط العمل أو المسؤوليات، يشعر أنه لا يملك وقتًا لنفسه، فينتقم في الليل: يسرق من نومه ليعيش لحظات حرية. لكن هذا “الانتقام” سلاح ذو حدين فهو يعطينا إحساسًا زائفًا بالتحكم، لكنه يسرق منا صحتنا، تركيزنا، وأحيانًا سعادتنا.

وهذه المقدّمة تنقلني للتساؤل التالي: لماذا نفعل ذلك؟

اكتشفت أن الأمر لم يكن مجرد حب لإعادة مشاهدة المسلسلات أو وسائل التواصل.
كنت أبحث فيما أفعله عن:

  • الإحساس بالتحكم: بعد يوم تحدد فيه الاجتماعات مواعيدي، كنت أريد شيئًا أختاره وأقرره أنا.
  • الهروب من الضغط: التصفح اللاواعي كان وسيلتي لتجاهل الإرهاق.
  • الوهم بالمتعة: ظننت أني أستمتع، لكن في الحقيقة كنت أمارس عادة آلية تزيد من توتري وتأخذني في متاهات من البحث والأسئلة.

لعلاج المشكلة عدت إلى صندوق الأدوات القديم لبناء خطوات عمليّة ترتب يومي:

  • أضفت لحظات خاصة خلال اليوم بحيث أقدم لنفسي وقتًا ولا انتظر عودتي في المساء. من هذه اللحظات قراءة عدة صفحات من كتابي قبل بدء يوم العمل، وهذا يعني وصولي مبكرًا وتناول الإفطار والقهوة في المكتب.
  • بناء روتين ليلي ثابت والالتزام به. في كلّ مرة أعود لجدول نومي الصارم تتحسن حياتي بشكل كبير! حتى عندما تصلني ملاحظات مزعجة تنتقد نومي المبكر أو تفويتي للكثير. وكحل مناسب خصصت أيام محددة في الأسبوع أقضي فيها وقتًا ممتع مع الصديقات والعائلة ولا أمانع من السهر يومها. روتين المساء مزيج من قراءة هادئة، مشاهدة حلقة واحدة من مسلسل مع أختي، وكتابة يوميّات. أحيانا لا أتمكن من إتمامها كلّها لكن هناك شيء ما يقول لعقلي وجسدي حان وقت الراحة والهدوء تدريجيًا.
  • وضع الحدود للعمل بعد الخامسة مساءً ونهاية الأسبوع. أي اتصالات أو رسائل تحتمل الردّ في اليوم التالي أتركها لوقتها. وأعلن عادة عن تفضيلاتي للاجتماعات وتسليم المهامّ حتى لو يعني ذلك تسليمها في بداية اليوم، لكن العمل المسائي مخصص لمشاريعي الشخصية فقط. واستثني من ذلك فترات المشاريع النشطة والمواسم التي لا يمكننا جميعًا التحكم فيها وجدولتها.
  • أخصص وقت أطول للغداء وأقضي ساعة كاملة إذا استطعت. اتناول طعامي، أتصفح الرسائل وأتبادل الاحاديث مع صديقاتي. أحبّ هذه الوقفة المنعشة في منتصف اليوم، وخاصة عندما تمتد ساعات العمل إلى السادسة مساء.
  • في الأيام التي يسمح بها وقت العمل أغادر للمنزل باكرًا وأصنع شيئًا محببًا مثل التسوق لوجبة العشاء وإعداد الطعام لي ولأختي. وأحيانًا اتجه للتمرين أو موعد طبي بعد يوم العمل مباشرة ولا انتظر نهاية اليوم للخروج مجددًا.
  • مررت مؤخرًا بمصطلح أحببته “أيام العمل الداخلي” وهي ترجمة حرفية لـ inner work days يقصد بها الأيام التي نخصصها للتطوير الذاتي عبر أنشطة ذهنية وداخلية نفسية بعيدًا عن ضغط المهام الخارجية. نستثمرها في الخروج للطبيعة أو قضاء الوقت مع الأحباب أو التعلم والتأمل والاكتشاف الذاتي بشكل عام.
  • إعادة تعريف مصطلح “الانتقام” وتوجيهه لما يستحق فعلًا! وبدأت الانتقام من العادات التي تستنزفني ليصبح التوجّه إيجابيًا مع الوقت. عدت لممارسة هواية قديمة وهي الرسم، عدت للكتابة والتدوين، وعدت للرياضة بعد انقطاع وإصابات متعددة.

ما الذي حصل؟

بعد أسابيع من التجربة، لاحظت التغيير:

  • أستيقظ أكثر خفة وبذهن صافٍ ومشاعر منعشة.
  • إنتاجيتي ارتفعت بشكل جيّد.
  • مزاجي أصبح أهدأ، وعلاقاتي اليومية أقل توترًا.
  • والمفاجأة أنني لم أفقد وقتي الخاصّ بل أصبح لديّ المزيد منه. شاهدت الوفرة الحقيقية في المزاج والوقت وهذا الأهم.

والخلاصة من هذه التدوينة القصيرة -نوعًا ما- إذا وجدت نفسك تسرق دقائق من نومك لتستعيد حريتك ويومك، تذكر أن الحرية الحقيقية ليست في السهر، بل في القدرة على أن تحظى بطاقتك كاملة وأيامك بلا توتر وإرهاق.
الحل ليس أن تضيف وقتًا في الليل، بل أن تستعيد توازنك في النهار.

.

.

Collage by Karen Reiser

.

.