“لا أتحدث عن الانتقام، ولا عن المغفرة؛ النسيان هو الانتقام الوحيد والمغفرة الوحيدة.”
— خورخي لويس بورخيس
تمرّ بنا جملة أحيانًا جملة تشبه المرآة. لا نرى فيها أحدًا غير أنفسنا ولا نسمع منها إلا ما كنّا نحتاج الاستماع إليه منذ زمن. كان اقتباس بورخيس هذا من الجمل التي لامست شيئًا عميقًا بداخلي.
ما إن تنتهي قصة ما أيًا كانت تترك فراغًا صغيرًا في الداخل. فراغ لا يملؤه البكاء ولا الحديث. وتبدأ رحلة محاولة الفهم وإعادة ترتيب القصة. نريد أن نفهم كيف تحوّل الدفء الغامر إلى مسافة باردة؟ وبين الأسئلة تبرز الذكرى وكأنّ حملها معنا واجبًا. نحاول أن نغفر أو نغضب أو ننتقم. نريد أن نشعر بشيء. أيّ شيء يردم هذا الفراغ المفتوح. وما لا نفهمه في البداية أن الشفاء لا يأتي من المواجهة، بل من التوقف. من لحظة هادئة يتوقف فيها القلب عن المقاومة والأسئلة ويترك الأشياء على حالها. لحظة لا يقرر فيها الانتقام ولا يسعى فيها للمغفرة بل يكتفي بأن ينسى.
لكن النسيان لا يحدث دفعة واحدة! -وددت لو كان الأمر كذلك. لا يشبه بابًا يغلق فورًا بل الضوء حين ينسحب ببطء من الغرفة. تبهت الأشياء والتفاصيل. أحبّ النسيان في هذه الحالة عفويّ وهادئ وقد يكون برأيي الوجه الآخر من التسليم.
بورخيس في هذا الاقتباس لا يتحدث عن محو الذكريات المتعمّد بل عن شفاء الذاكرة من ثقلها. النسيان هو أن نكف عن إعادة المشهد في عقولنا وأن نتوقف عن مراجعة الأحداث واجترارها لإيجاد اللحظة التي تداعى فيها كل شيء.
حين ننسى لا ننتصر على أحد بل نتوقف عن القتال. لا ننسى الأشخاص والمواقف بقدر ما ننسى الصوت الباقي فينا. نتوقف عن سماع الأسئلة التي لا جواب لها، وعن البحث عن نهاية منصفة. يصبح الماضي مجرد فصلٍ في كتاب طويل نقرأه دون أن نتوقف عنده.
ومع الوقت تولد لحظة سحرية! تستيقظ ذات صباح وتدرك أن ما كان يؤلمك لم يعد له وجود وحتى الندبة العميقة تلاشت بنفسها. هذا هو النسيان الذي قصده بورخيس، النسيان الذي لا يمحو شيئًا بل يعيد الأشياء إلى حجمها الطبيعي. شهدت حقيقة هذه اللحظة قبل عدة أشهر، وكل عدة أشهر تختفي ذكرى وظيفة قديمة أو علاقة انتهت أو صديقة غابت. اختفت التواريخ واللحظات المفصلية فجأة.
النسيان هنا ليس ضعفًا في الذاكرة بل إعادة ترتيب، أحمل القصة وأضعها في رفّ خلفي أو اتخلص منها تمامًا كما تخلصت من الهدايا والبطاقات والرسائل والصور. لم أعد أخشى التذكّر فالماضي ليس عدوي والحنين لا يشكل أيّ خطر. النسيان هو لحظة تصالح مع الزمن ومع نفسي ومع ما لم أعد احتاجه. إنه السلام الذي يأتي متأخرًا لكنه حين يأتي يعلّمنا أن الحياة تمضي، وأننا نمضي معها بقلوبٍ أكثر لطفًا وأرواحٍ أخفّ وذاكرة تبتسم.
.
.
.