أحبّ اكتشاف مسميّات للفترات والمشاعر التي أمرّ بها ولا أعرف لها مصطلح يصفها. معرفة الأمر جيدًا يعني قدرتنا على معالجته ومواجهته. وقبل عدة أشهر اكتشفت مصطلح “تأخير النوم الانتقامي – Revenge Bedtime Procrastination” ضحكت لأن الاسم مضحك فعلًا. لكن بعد نهاية الطرفة تأكدت من أنّه مشكلة ينبغي علي حلّها في أقرب وقت قبل أن تلتهم عقلي وطاقتي. كنت أعود للبيت مرهقة بعد يوم عمل طويل وأفقد السيطرة على ما تبقى من ساعات المساء. أتناول العشاء من مطعم للوجبات السريعة غالبًا – سقطت في الفخّ وتوقفت عن طهي وجباتي للأسف. ثم أتمدد في السرير حتى ساعات الصباح الأولى أشاهد حلقة تلو الأخرى من مسلسل مفضل وغالبًا إعادة مشاهدة لمسلسل قديم. والحلقة تجرّ أخرى، أتبعها بجولة مطولة في منصات التواصل بتصفح غير واعي. فيديو قصير على تيك توك يأخذني لآخر وفجأة أصبحت الساعة الواحدة أو الثانية صباحًا. كنت أقول لنفسي مع كلّ لحظة: أنتِ تستحقين! كان يومًا طويلًا ولم تفعلي فيه أي شيء لنفسك. استمتعي قليلا. وفي الصباح التالي استيقظ متعبة متوعكة وانطلق في الركض من جديد.
فكرة تأخير النوم الانتقامي ببساطة أن الإنسان الذي يقضي يومه تحت ضغط العمل أو المسؤوليات، يشعر أنه لا يملك وقتًا لنفسه، فينتقم في الليل: يسرق من نومه ليعيش لحظات حرية. لكن هذا “الانتقام” سلاح ذو حدين فهو يعطينا إحساسًا زائفًا بالتحكم، لكنه يسرق منا صحتنا، تركيزنا، وأحيانًا سعادتنا.
وهذه المقدّمة تنقلني للتساؤل التالي: لماذا نفعل ذلك؟
اكتشفت أن الأمر لم يكن مجرد حب لإعادة مشاهدة المسلسلات أو وسائل التواصل.
كنت أبحث فيما أفعله عن:
- الإحساس بالتحكم: بعد يوم تحدد فيه الاجتماعات مواعيدي، كنت أريد شيئًا أختاره وأقرره أنا.
- الهروب من الضغط: التصفح اللاواعي كان وسيلتي لتجاهل الإرهاق.
- الوهم بالمتعة: ظننت أني أستمتع، لكن في الحقيقة كنت أمارس عادة آلية تزيد من توتري وتأخذني في متاهات من البحث والأسئلة.
لعلاج المشكلة عدت إلى صندوق الأدوات القديم لبناء خطوات عمليّة ترتب يومي:
- أضفت لحظات خاصة خلال اليوم بحيث أقدم لنفسي وقتًا ولا انتظر عودتي في المساء. من هذه اللحظات قراءة عدة صفحات من كتابي قبل بدء يوم العمل، وهذا يعني وصولي مبكرًا وتناول الإفطار والقهوة في المكتب.
- بناء روتين ليلي ثابت والالتزام به. في كلّ مرة أعود لجدول نومي الصارم تتحسن حياتي بشكل كبير! حتى عندما تصلني ملاحظات مزعجة تنتقد نومي المبكر أو تفويتي للكثير. وكحل مناسب خصصت أيام محددة في الأسبوع أقضي فيها وقتًا ممتع مع الصديقات والعائلة ولا أمانع من السهر يومها. روتين المساء مزيج من قراءة هادئة، مشاهدة حلقة واحدة من مسلسل مع أختي، وكتابة يوميّات. أحيانا لا أتمكن من إتمامها كلّها لكن هناك شيء ما يقول لعقلي وجسدي حان وقت الراحة والهدوء تدريجيًا.
- وضع الحدود للعمل بعد الخامسة مساءً ونهاية الأسبوع. أي اتصالات أو رسائل تحتمل الردّ في اليوم التالي أتركها لوقتها. وأعلن عادة عن تفضيلاتي للاجتماعات وتسليم المهامّ حتى لو يعني ذلك تسليمها في بداية اليوم، لكن العمل المسائي مخصص لمشاريعي الشخصية فقط. واستثني من ذلك فترات المشاريع النشطة والمواسم التي لا يمكننا جميعًا التحكم فيها وجدولتها.
- أخصص وقت أطول للغداء وأقضي ساعة كاملة إذا استطعت. اتناول طعامي، أتصفح الرسائل وأتبادل الاحاديث مع صديقاتي. أحبّ هذه الوقفة المنعشة في منتصف اليوم، وخاصة عندما تمتد ساعات العمل إلى السادسة مساء.
- في الأيام التي يسمح بها وقت العمل أغادر للمنزل باكرًا وأصنع شيئًا محببًا مثل التسوق لوجبة العشاء وإعداد الطعام لي ولأختي. وأحيانًا اتجه للتمرين أو موعد طبي بعد يوم العمل مباشرة ولا انتظر نهاية اليوم للخروج مجددًا.
- مررت مؤخرًا بمصطلح أحببته “أيام العمل الداخلي” وهي ترجمة حرفية لـ inner work days يقصد بها الأيام التي نخصصها للتطوير الذاتي عبر أنشطة ذهنية وداخلية نفسية بعيدًا عن ضغط المهام الخارجية. نستثمرها في الخروج للطبيعة أو قضاء الوقت مع الأحباب أو التعلم والتأمل والاكتشاف الذاتي بشكل عام.
- إعادة تعريف مصطلح “الانتقام” وتوجيهه لما يستحق فعلًا! وبدأت الانتقام من العادات التي تستنزفني ليصبح التوجّه إيجابيًا مع الوقت. عدت لممارسة هواية قديمة وهي الرسم، عدت للكتابة والتدوين، وعدت للرياضة بعد انقطاع وإصابات متعددة.
ما الذي حصل؟
بعد أسابيع من التجربة، لاحظت التغيير:
- أستيقظ أكثر خفة وبذهن صافٍ ومشاعر منعشة.
- إنتاجيتي ارتفعت بشكل جيّد.
- مزاجي أصبح أهدأ، وعلاقاتي اليومية أقل توترًا.
- والمفاجأة أنني لم أفقد وقتي الخاصّ بل أصبح لديّ المزيد منه. شاهدت الوفرة الحقيقية في المزاج والوقت وهذا الأهم.
والخلاصة من هذه التدوينة القصيرة -نوعًا ما- إذا وجدت نفسك تسرق دقائق من نومك لتستعيد حريتك ويومك، تذكر أن الحرية الحقيقية ليست في السهر، بل في القدرة على أن تحظى بطاقتك كاملة وأيامك بلا توتر وإرهاق.
الحل ليس أن تضيف وقتًا في الليل، بل أن تستعيد توازنك في النهار.
.
.
Collage by Karen Reiser
.
.
