فتاة الشوكولا

long

شاهدت لوحة فتاة الشوكولاللمرة الأولى كغلاف لرواية جو بيكر Longbourn”. الرواية ممتعة! تحكي قصة الطابق السفلي وحياة الخدم ولكن أين؟ في رواية جين أوستن “Pride and Prejudice “. لكنّني لم أشعر بفضول للبحث عن لوحة الغلاف، ولم اقرأ حتى في تفاصيل التصميم من أين جاءت ومن رسمها. مرّ وقت قبل اكتشافي للوحة من جديد خلال تصفحي لموقع لوحات فنية. هذه المرة قرأت أكثر وانتقلت من صفحة لأخرى بسبب فضولي. هذه التدوينة إهداء للشتاء وأكواب الشوكولا الساخنة ولأشارككم بالطبع قصة اللوحة التي وجدتها.

Jean-Etienne_Liotard_-_The_Chocolate_Girl_-_Google_Art_Project

لوحة فتاة الشوكولا The Chocolate Girl لوحة رسمها السويسري جان ايتيان ليوتارد. تظهر في اللوحة فتاة في زيّ عاملة منزلية، تحمل كوب شوكولا ساخنة وكوب ماء في صينية. لهذه اللوحة تاريخ ملوّن وجميل. تنقلت بين عدد من الملاك وأصبحت ملصقاً إعلانيا وغلاف كتاب بالتأكيد.

متابعة قراءة فتاة الشوكولا

#bookfacefriday

.

.

.

.

أتابع منذ عدة أسابيع على حساب مكتبة نيويورك العامة مشروع صور جميل ومليء بالابتكار! كل يوم جمعة وفي هاشتاق عالمي يدرج القرّاء صور لرؤوسهم وأغلفة الكتب. الصور أعلاه تشرح الفكرة، وستجدون المزيد منها وربما تتشجعون للمشاركة على نفس الهاشتاق (bookfacefriday#) هناك صور على تويتر وعلى انستغرام.

ڤيڤيان ماير: سيدة الحيوات المتعددة

أنت محظوظ إذا كانت عينك تلتقط الكنوز بسهولة. إذا كان وقودك فضولك. وطبعاً إذا صادفت في ٢٠٠٧م مزاد على مجموعة صناديق منسية في وحدة تخزين بشيكاغو الأمريكية.

جون معلوف حظه كبير، نعم. لأنه وبينما كان يمارس هوايته الأثيرة -حضور المزادات والبحث عن كنوزها- وجد مجموعة صناديق تحتوي على الآلاف من الصور والأفلام الغير مظهّّرة. لمن تعود هذه الصناديق؟ لسيدة اسمها ڤيڤيان ماير. وفوراً بحث جون عن اسمها في محركات البحث ولم تعد إليه أي نتيجة مفيدة. هل تجربون ذلك الآن وتخبروني أين يوصلكم البحث؟

من هي ڤيڤيان؟

نحن ممتنون طبعاً لجهود البحث وفضول جون معلوف الكبير الذي دفعه لجمع كلّ ما يمكن معرفته عن هذه السيدة. ويمكن اختصاره في السطور القليلة القادمة.

ڤيڤيان دوروثيا ماير ولدت في نيويورك في العام ١٩٢٦م وتوفيت في شيكاغو عام ٢٠٠٩م-هذا يعني أن الصور اكتشفت قبل وفاتها-. تعرفها المواقع الإلكترونية اليوم بأنها “مصورة شارع-Street Photographer” أمريكية. قضت معظم سنوات حياتها الأولى في فرنسا. وبعد عودتها للولايات المتحدة الأمريكية في أربعينات القرن الماضي بدأت رحلة أربعين عاما من العمل كمربية أطفال ومساعدة منزلية. قضت سنوات عملها بين شيكاغو، نيويورك، لوس أنجليس وسافرت حول العالم وزارت آسيا وأمريكا الجنوبية، اليمن، مصر وغيرها. التقطت حوالي ١٥٠ ألف صورة للناس والمباني والشوارع الأمريكية.

لم تُكتشف أعمال ماير حتى وفاتها وذلك بعد عثور جون معلوف على صناديقها ونشره للصور في مدونة الكترونية خاصة. ثمّ تبع ذلك حملة اهتمام كبيرة نقلت أعمالها حول العالم وأقامت المعارض الخاصة لذلك.

vlcsnap-2014-11-16-21h41m43s211

النقطة المهمة التي يجب ألا تغيب عن ذهنكم: ڤيڤيان خبأت كل أعمالها في صناديق وحافظت على سرية هوايتها، على الرغم من أن أفراد جميع الأسر التي عملت لديها ماير كانوا يتذكرون تفاصيل حملها للكاميرا وتصوير حياة الشارع الأمريكي كلما سمحت لها الفرصة بذلك.

متابعة قراءة ڤيڤيان ماير: سيدة الحيوات المتعددة

18 رمضان: ضجر حميد

By Cristina Garcia Rodero
By Cristina Garcia Rodero

(أ)

أعرف عن نفسي بأنني انتبه لتفاصيل حياتي بملاحظة تفاصيل الآخرين. دائما لدي الحاجة لصوت التنبيه الخارجي الذي يذكرني بشيء، يذكرني بالتحرك وتغيير عاداتي، تنبيه صغير وواضح. سأوجز لكم مثالاً كي تتضح الرؤية فالحديث لدي يشبه الدخول في دوامة -مؤخرا-. هل يحتاج الأصدقاء المقربون لمتابعة بعضهم على الشبكات الاجتماعية؟ وأعني بالأصدقاء أولئك الذين تكونت علاقتهم بعيداً عن العالم الافتراضي ودهاليزه، على كرسي الدراسة، أو في العمل، أو خلال اجتماع عائلي! احتجت للحديث مع صديقتي لمعرفة رأيها في الموضوع وكانت فكرتها: لستُ بحاجة لمتابعتك، أنت على بعد مكالمة أو رسالة قصيرة. لكنها العادة التي تدفعنا لجمع كل من يهمنا أمره في مكان واحد. سأعيد ترتيب نفسي وحديثي لأوضح لكم الفكرة أكثر: تخيلوا معي صديقان- أو صديقتان- يتابعان بعضهما على شبكة اجتماعية، كتب أحدهما عن مناسبة عظيمة أو خبر مفرح ونشره لمتابعيه على اختلاف قربهم وانتماءهم لدائرته الاجتماعية. لكن أقرب أصدقاءه -الشخص أعلاه- لم يعرف بالخبر لأنّه ضاع في ازدحام متابعيه، أو لأنه ببساطة لم يطلع على الموقع في ذلك اليوم. الصديق -صاحب الخبر- ينتظر أو يتوقع تهنئة، لكنها لا تصل من الشخص الذي يهمه كثيراً أن تصل منه. تأتي فرصة في أحد الأيام، يكتشف الصديق الخبر، ويسارع بخجل للاتصال بصديقه. يعتذر لكنه لا يقتنع باعتذاره ويطالبه بمتابعة أفضل في المستقبل.

لستُ متأكدة من أن السيناريو أعلاه لم يحدث معي بطريقة ما في زمن ما. لكن، كنت وما زلت واعية لأهمية التواصل مع الأصدقاء بعيداً عن ضجة التقنية. إذا كنت مقبل على خطوة مهمة وبحاجة لدعم، اخرج من غرفتك، تحدث مع عائلتك أولاً، اتصل بصديق للجلوس معه والتحدث بلا تكلف أو عداد أحرف.

في القصة أعلاه أنا منحازة تماماً للصديق الذي تأخر عن إرسال تهنئته خصوصاً إذا كان صديقه الآخر يعده مقربا كفاية ليستمع لأخباره المفرحة قبل الجميع. نحن بحاجة للتركيز على الدوائر الاجتماعية والتفريق بينها، أخيك مثلاً أو أبيك لا يمكن وضعهم في خانة واحدة مع متابعيك في تويتر! إذا أردت إيصال رسالة لهم وجهها مباشرة، إذا شعرت بالضيق منهم لا تعمم وترسل رسائل مشفرة لمن لا يفهمها، اكتب بوضوح -إن كانت الكتابة ملحة- أو وجه حديثك مباشرة بلا حواجز.

إذا تحبّ إنسان وتهتم له أشعره بذلك، بتميّزه عن البقية، بقربك منه، بعيداً عن ازدحام هاتفك بالأيقونات والصور والتعليقات الأوتوماتيكية. لا أحب تقديم النصائح قبل توجيه نفسي للقيام بها، لا أحب ذلك أقول وأجدني أكتب الكثير منها كلّ مرّة : )

(ب)

في بحثي المستمر عن برامج صوتية تمتد بين ٤٥ دقيقة وساعة -الوقت المفضل للمشي- وجدت وثائقيات صوتية من بي بي سي، اليوم استمعت لأحدها عن ألبير كامو، حياته وأعماله الأدبية ولقاءات مع أهل وأصدقاء. وهذا الرابط الخاصّ به. 

(ج)

قرأت اليوم هذا الموضوع الذي يطمئنني بخصوص الضجر، وإنّه محفز جيد للابتكار والتجديد.

17 رمضان: موت الإنسان يشبهه

ChekhovCropped

“ثمة قول مأثور: موت الإنسان يشبهه. وعندما أفكر في سنوات حياة تشيخوف الأخيرة، في أيامه الأخيرة، بل والدقائق الأخيرة، أتذكر لا إراديا هذا القول. بل أن القدر أضفى، بمنهجية مشؤومة على جنازة تشيخوف ذاتها، كثيرا من الملامح التشيخوفية المحضة.

لقد قاوم المرض الجبار طويلا، وطويلا جدا، لكنه تحمله بشجاعة، ببساطة وصبر، بلا عصبية، بلا شكوى، وتقريبا بلا كلام. وفي السنوات الأخيرة كان يشير في رسائله فقط عرضا، بلا اهتمام إلى صحته: “تحسنت صحتي، رغم أنني ما زلت أسير حاملا الكمادات…” “منذ فترة قريبة أصبت بذات الجنب، ولكن حالتي الآن أفضل…” “صحتي ليست على ما يرام.. أكتب قليلا..”. كان لا يحب الكلام عن صحته، ويغضب عندما يسألونه عنها. وإذا تسنى لنا أن نعرف عنها شيئا، فمن أرسيني وحده. إذ يقول همسا وهو يهز رأسه: “كانت حالته سيئة جدا صباح اليوم. نزف دما” أو تقول يفجينيا ياكوفلفنا سرا وبنبرة أسى في صوتها: – بالأمس لم ينم أنطوشا مرة أخرى وهو يتقلب ويسعل طوال الليل. كنت اسمعه من خلف الجدار.

ترى هل كان يعرف أبعاد مرضه وخطورته؟ اعتقد أنه كان يعرف، ولكنه حدق بلا خوف كطبيب وحكيم، في عيني الموت الزاحف. وكانت ثمة حوادث صغيرة مختلفة تشير إلى ذلك. فقد اشتكت له امرأه ذات مرة من الأرق واضطراب الأعصاب، فقال لها بهدوء ونبرة حزن مستسلم لا تكاد تلحظ: – أتدرين، طالما لدى المرء رئتان جيدتان فكل شيء جيد.

لقد مات ببساطة، بصورة مؤثرة، وفي وعيه. يقال أن آخر كلماته كانت “إنني أموت” وخيمت على آخر أيامه سحب الأسى العميق على روسيا، واضطرمت برعب الحرب اليابانية الدامية الرهيبة. وأتذكر جنازته كأنما في الحلم. بطرسبرغ الباردة الرمادية، والخلط الذي حدث بين البرقيات، والمجموعة الصغيرة من الناس على المجطة، وعربة نقل القواقع البحرية، وناظر المحطة وموظفوها الذين لم يسمعوا أبدا عن تشيخوف ولم يروا في جثمانه سوى شحنة سكك حديدية. وبعد ذلك وكنقيض له – موسكو، والحزن العفوي، وآلاف البشر الذين بدوا كاليتامى، والوجوه الباكية. وأخيرا القبر في مقبرة “نوفوديفيتشي” وقد غاب كله تحت الزهور، بجوار قبر بسيط لأرملة القوزاقي أولجا كوكاريتنيكوفا”.

وأذكر الجناز الذي أقيم في المقبرة في اليوم التالي للدفن. كان مساء هادئا من شهر يوليو، وفوق القبور انتصبت أشجار الزيزفون العجوز التي ذهّبتها الشمس، ساكنة بلا حراك. وفي أصوات الكورال النسائي الرقيقة تردد حزن هادئ مستسلم وزفرات عميقة. وفي نفوس الكثيرين آنذاك جاشت حيرة مضطربة ثقيلة. وتفرق الجمع من المقبرة ببطء وفي صمت. واقتربت من والدى تشيخوف ولثمت يدها دون كلمات. فقالت بصوت مرهق ضعيف: انظر أية بلوى أصابتنا…انطوشا رحل.

آه، يا لهذا العمق المذهل للكلمات العادية البسيطة التشيخوفية حقا! لقد كشفت خلفها عن كل العمق الهائل لهذا المصاب، وكل استحالة رد ما وقع. كلا، إن العزاء هنا لا حول له. فهل يمكن أن تنضب وتسكن فجيعة أولئك الذين احتكت نفوسهم عن قرب بنفس هذا العبقري المختار العظيمة؟ ولكن فليخفف من أساهم المتأجج إدراكهم بأن فجيعتهم هي فجيعتنا كلنا. ولتلطف من حدته فكرة خلود هذا الاسم الرائع الطاهر الذي لن يُنسى. وبالفعل فسوف تمر الأعوام والقرون، وسوف يمحو الزمن ذكرى آلاف الآلاف من الأحياء الآن. لكن الأجيال القادمة البعيدة، التي كان تشيخوف يحلم بسعادتها بذلك الحزن الساحر، سوف تردد بعرفان وبأسى خافت على مصيره. “

– ألكسندر كوبرين يكتب عن موت تشيخوف (مقتبس من الأعمال المختارة لتشيخوف المجلد الثالث)