١٨ | ست قصص إيطالية

١

بدأت اليوم عطلة قصيرة منتظرة في زيارة لإكمال حديث لم ينتهي مع روما! بشكل عام رحلات الطائرة دائمًا خالية من الازعاج والصخب بالنسبة لي -توفيق ودعاء الأمهات؟- لكن رحلة اليوم كانت مختلفة. في المقعد المجاور سيدة تسافر وحيدة مع طفلها. ومنذ اللحظة الأولى بدا مشاكسًا يحب الحركة ويتململ قبل الإقلاع. ما إن استوينا في السماء حتى ذهب في غفوته وانتهزت الفرصة للنوم كذلك. لم تطل الغفوة للأسف وتحول التململ إلى بكاء لتحمله أمه وتهدهده. استيقظت وقررت إكمال هذه الرواية التي لم أرد أن تنتهي. السرد لذيذ ومسترسل والحديث عن الخياطة وتفاصيلها يدفئ القلب. كسبت من هذا الأرق الإلزامي فرصة إكمال القراءة حتى الوصول. تناولت الطعام وشربت القهوة وتذكرت ألم أسناني الذي يلحّ منذ أيام وتجاهلته لأن لا وقت لزيارة الطبيب. فجأة فكرت ربما طفل الستة أشهر يمرّ بآلام التسنين؟ واشتركنا كلانا في حفلة ألم. وتذكرت أن الستة أشهر هذه مرت على بدء قيادتي للسيارة. ولد الطفل يوم حصولي على الرخصة ربما؟ حسنًا هذه الاستطرادات متعبة! أفكر في هيفا الصغيرة وهي تقرأ يوميات هيفا الأربعينية وتفخر بعامها الملوّن الملئ بالفرح والخيبة في وقتٍ واحد. ما الذي ستقوله عندما تنهي قراءة هذا الفصل؟ وأفكّر أيضًا لدي الكثير من الخطط الممتعة للغدّ وحان الوقت لإقفال عينيّ.

٢

في يوم وصولي مدّ لي موظف الاستقبال مفتاح الغرفة وكان المدير المناوب موجودًا حينها. قلت له مازحة أتمنى ألا تكون نفس غرفتي العام الماضي لأني أودّ تجربة شيء جديد. ثمّ ترددت واعتذرت: طبعًا إذا كان ذلك متاحًا. قال لي حينها: هل تريدين غرفة حمراء على الطراز البومبي؟ أجبت نعم بالتأكيد! لم يكن لدي أي توقعات. لكن المسمّى أثار اهتمامي. والطراز البومبي الحديث (ظهر في القرن ١٨ و١٩ تقريبا) يحاكي ألوان بومبي القديمة (الأحمر والأسود والأصفر) وزخارفها وتقنيات رسم الجداريات فيها.

أحبّ هذا الفندق جدًا، مصعده بطيء يذكرني بالتنفس بعمق والحركة البطيئة لأنني في إجازة! أحب طابع الغرفة الكلاسيكي، لا مقابس يو اس بي في الجدار ولا شاشات رقمية عدا شاشة التلفزيون. بلكونة صغيرة مطلة على شارع فرعي وستائر ثقيلة تحجب الضوء والمدينة إذا أردت.

٣

في غرفة من غرف فيلا فارنيسينا تركوا ورق الحائط منزوع لرؤية تفاصيل المبنى القديمة. التقطت هذه الصورة وفكرت في رمزية الطبقات والزمن. أفكر في شخصيتي التي أحبّ في السفر، ما الذي يبدو تحت ورق الحائط وازدحام الأيام ومرور الوقت؟ يومي كان لطيف منذ الصّباح. ارتديت فستانًا أحبّه بلون لا ارتديه عادة. تناولت الفطور وانطلقت للتنقل بين المتاحف وتأمل السقوف. صحيح قبل ذلك التقيت بالعائلة الأمريكية التي صادفتهم ليلة البارحة في مطعم سطح الفندق. كان طفلهم يلعب ويركض في الأرجاء وأصيبوا بالتوتر ظنًا بأنه يزعجني. استأذن والده لبدء الحديث معي واعتذر عن ركض الصغير وأكدت له أن ذلك طبيعي وطفلهم مهذب حقيقة ولم يزعجني. كلمة واثنتين وانضمت زوجته إليه وسألتهما عن زيارتهم لروما ورددت على سؤالهم تحدثنا في أمورٍ شتى لاكتشف أن الزوجة مولودة في التاسع من أكتوبر وتكبرني بعام. ضحكنا من المصادفة وتمنينا لبعضنا عيدًا سعيدًا. في زقاق صغير في وسط المدينة قابلت زوجين رأيتهما في الصباح في شارع الفندق على بعد الكيلومترات. هذه المدينة مترامية الأطراف جمعتنا من جديد بغرابة. كيف تذكرتهما؟ من بنطال الزوجة الذي أعجبتني نقوشه. مشيت قليلا وتبعت فتاتين جميلتين مظهرهم مرتّب ولافت. مشينا سوية باتجاه واحد وقبل دخولي لمكتبة عتيقة توقفن قليلا عند الباب وتبعنني. لم استمع لحديثهم فقد فصلتنا مسافة بسيطة في الطريق. لكن إحداهن أعلنت عندما دخلن المكتبة: جوّي! فز قلبي حرفيًا. هذه الكلمة التي يستخدمها الشباب لوصف شيء محبب. التفتت فورًا وابتسمت وسألت: سعوديات؟ أجابوا نعم. وتبعتها بـ أهلًا وسهلا كأني أرحب بهم في بيتي. أخبرتهم عن جمال المكتبة والكنوز الصغيرة التي تحتاج منهنّ البحث وحسب. في طريق العودة للفندق مرت بي سيدة إيطالية وقالت بحماس: bel vestito “فستان جميل”. في الحديقة التي تتوسط الفندق حفلة عرس صاخبة. استمعت رغمًا عني لأغنية رقصة العروسين ولكلمات الزوار العاطفية التي شارك في كتابتها chat gpt. سأحاول البقاء مستيقظة لوقتٍ أطول الليلة لأن بداية اليوم في الرابعة صباحًا مزعجة.

٤

كتبت قبل عدة أيام اقتباسًا في تطبيق الملاحظات: “علينا جميعا أن نحكي أجزاء من قصّتنا. من الصعب أن تكون إنسانًا، وتنخرط في علاقات دون أن يكون لك نسخة من قصة حياتية، تطفو حولك.” سأتذكر هذا الاقتباس في كلّ مرة أقرر فيها الانكفاء على نفسي والتوقف عن “القص”. وفي الحقيقة لم أجد ذلك أبدًا! منذ أن تعلمت تركيب الجمل والجمع بين الشخصيات لسرد حدثٍ أو حكاية – البداية كانت من حلقة لتوم وجيري حسب ما يتذكره والدي. أصبح القصّ جزءا من هويتي حتى أنني استخدم التعريفLifelong Storyteller  هكذا أسهل وهكذا اختصر الكثير من التعريفات والتوقعات.

زرت اليوم قصر أسرة كولونّا المذهل. تجاوزت الجولة فيه الساعتين وتمنيت لو امتدت قليلًا فالمرشدة تهرول بين الغرف والحديقة قبل أن يزدحم المكان بمزيد من الزوار. تمشيت في المنطقة واخترت دائما الطريق الأطول ففيه أجمل الاكتشافات‪. تمكن مني الجوع فجأة وقررت الدخول لمطعم أمامي ولكن قبل ذلك قرأت المراجعات سريعًا وكانت متفاوتة بشدة، أحدها انتقد الطعام وجودته، وتعليق آخر هاجم الندّل وعجرفتهم. استقبلني نادل ظريف وتفحص وجهي قبل أن ينطلق بالكلام. طاولة لشخص واحد من فضلك! وردّ سريعًا: لا، بل طاولة لاثنين! ضحكت وأعدت عليه: طاولة لشخص واحد! قال: وأنا؟ ضحكت وهكذا بدأت جولات من الظرافة. كان يحاول اكتشافي ويمكنني رؤية ذلك. ثمّ عاد بعد لحظات وقال: يلا يلا .. قلت له: يلا مانجاري! (يعني أكل بالايطالية). كان الأكل دافئًا بجودة مقبولة. وعندما هممت بالخروج وجدت قصاصات صحف على جدار المطعم إحداها لتقرير صحفي عنوانه: موت المطاعم العائلية. يبدو أنها مأساة فعلًا. في المدخل أيضا صورة قديمة لعائلة ربما كانت العائلة المؤسسة للمكان.

خرجت للعشاء في مطعم على سطح إحدى المباني. وعلى الطاولة بجانبي صديقات أمريكيات صاحبات، قالت إحداهن قصة التقطتها: تروي أن والدها ترك لها تعليقًا على منشور ليوم ميلادها وقال لها اخترت لك لباسك الأول وتختارين لباسي الأخير، أخذتِ نفسك الأول معي، وسآخذ نفسي الأخير معك استقبلتك في الحياة وستودعينني حين أغادرها. شيء بمثل هذه المعاني. كان الجو باردًا ولكن عيناي غرقت بهذا الدفء. وحانت لحظة عودتي لفندقي وإنهاء يومٍ ممتع آخر!

٥

أقول لوالدتي ممازحة قبل أسبوع تقريبًا أن يوم ميلادي هو يوم ولادتها وهكذا نحتفل بالمناسبة سويّة. نقلات حياة عظيمة حدثت ذلك اليوم! أصبحت أمّ وأصبحتُ أنا. العام الماضي احتفلت بميلادي معها في روما. كانت رحلتنا الأولى للمكان وعشنا التجربة المدهشة سويّة. هذه السنة أمرّ بأماكننا وأشعر بدفء وبعض من تأنيب الضمير -فقد دفعتها للمشي وصعود الكثير من السلالم في المتاحف حينما كنا نجهل إصابة ركبتها. شعرت بالكثير بالألم وتحاملت على نفسها من أجلي- من جديد.

اليوم احتفلت بعيدي الثالث والأربعين، تمر السنوات أحيانًا والتفت للرقم ولا يعود يحمل ثقلا أو معنى جوهري مقارنة بالتجارب والمشاعر التي أعيشها في عامٍ كامل. لو تسألوني عن أيام ميلادي السابقة سأجد ذاكرتي عالقة في عيدي الثامن والعشرين، أو الحادي والثلاثين -مثلا. كعكة شهية وأحباب مجتمعين.

هذه السنة أنا وحدي والقمر الذي يطلّ من نافذة فلورنسا.

صباح اليوم طلبت سيارة أوبر لتأخذني للنقطة الأبعد من جولة النهار، هذه المرة الأولى التي أفعلها منذ وصلت فلورنسا فهي مدينة جميلة تقطعها بالمشي خلال ساعة على الأكثر! لكني تذكرت صعود حدائق بوبولي في قصر بيتي المقر الرئيسي لعائلة مديتشي. الكثير من الصعود والمشي والانعطافات السريعة، ثم جولة التسوق السريعة لآخر نهار في المدينة. في معرض الحديث قلت للسائق أنّ اليوم ذكرى ميلادي، وأصرّ لاحقًا على ايقاف السيارة أمام بوابة القصر لأنه على حد قوله سيمنحني معاملة المشاهير! وأصر أيضًا على بقائي حتى يفتح الباب بنفسه ضحكت من اللفتة وتقبلتها بفرح. ستكون هيفا الصغيرة فخورة بي هذا النهار. فقد صعدت الحدائق التي شاهدتها في وثائقي قديم ومنذ ذلك اليوم وفلورنسا في ذهني لا تغيب. أدعو الله أن يكون عامي القادم مليئا بالحبّ والرضا. أن أعرف الدروس ولا أنساها. وأن يبقى الفضول مشتعلا في قلبي. وألا أفقد حسّ المغامرة والتجريب. وأن أعبر الأبواب والطرق بخفة وأن يهدأ قلبي لمعرفتي أن كلّ شيء في حفظ الله ورعايته.

٦

في منتصف الرحلة غمرتني مشاعر متداخلة يصعب وصفها. كنت استيقظ يوميًا مبكرة، قبل شروق الشمس أحيانًا وينتهي يومي قبل الغروب حين أعود مشيًا للفندق. مثقلة بالجمال الذي رأيته ومحتضنة مشترياتي التي لم تخرج عن الورق والجلديات. كانت الأيام بين روما وفلورنسا تمرّ سريعًا، وتنكمش بين خطواتي حول المتاحف والكاتدرائيات. كانت هناك لحظة محددة ستبقى في ذاكرتي طويلًا: أقف في قاعة مزيّنة بالجداريات، رفعتُ رأسي لأتأمل السقف المزخرف وألتقط له الصور. أحسست بوخزة في صدري وغرقت عيناي بالدموع. لم أفهم حينها ما الذي حصل! خليط من الإعجاب والارتباك؟ حنين؟ رغبة في البقاء هنا للأبد ورغبة في الهرب؟

في أزقة فلورنسا المتوارية عن الشمس، مشيت ببطء لأحفظ المشهد في ذاكرتي. صوت الأحذية على الأرض الحجرية المتفاوتة، النوافذ الصغيرة المضاءة في منتصف النهار، وأوراق الخريف التي تتطاير حول المارّة. استمتع بعزلتي كما لم أفعل منذ زمن. في المساء وأنا أقرأ عن متلازمة ستندال أو الدوار الذي يصيب الإنسان أمام الجمال المفرط. ابتسمت بعد أن وجدت الإجابة والتفسير لعاطفة غامضة سكنتني. أدركت أن الثقل الذي كنت أعيشه في الأيام الماضية ليس تعبًا جسديًا، بل أثر الفنّ حين يتجاوز النظر ليقع في الروح. ربما كانت فلورنسا تختبر قدرتي على الاحتواء، وتذكرني أن الجمال لا يُستهلك على عجل، بل يسكننا للأبد.

.

.

.

١٧ | عن تأخير النوم الانتقامي

أحبّ اكتشاف مسميّات للفترات والمشاعر التي أمرّ بها ولا أعرف لها مصطلح يصفها. معرفة الأمر جيدًا يعني قدرتنا على معالجته ومواجهته. وقبل عدة أشهر اكتشفت مصطلح “تأخير النوم الانتقامي – Revenge Bedtime Procrastination” ضحكت لأن الاسم مضحك فعلًا. لكن بعد نهاية الطرفة تأكدت من أنّه مشكلة ينبغي علي حلّها في أقرب وقت قبل أن تلتهم عقلي وطاقتي. كنت أعود للبيت مرهقة بعد يوم عمل طويل وأفقد السيطرة على ما تبقى من ساعات المساء. أتناول العشاء من مطعم للوجبات السريعة غالبًا – سقطت في الفخّ وتوقفت عن طهي وجباتي للأسف. ثم أتمدد في السرير حتى ساعات الصباح الأولى أشاهد حلقة تلو الأخرى من مسلسل مفضل وغالبًا إعادة مشاهدة لمسلسل قديم. والحلقة تجرّ أخرى، أتبعها بجولة مطولة في منصات التواصل بتصفح غير واعي. فيديو قصير على تيك توك يأخذني لآخر وفجأة أصبحت الساعة الواحدة أو الثانية صباحًا. كنت أقول لنفسي مع كلّ لحظة: أنتِ تستحقين! كان يومًا طويلًا ولم تفعلي فيه أي شيء لنفسك. استمتعي قليلا.  وفي الصباح التالي استيقظ متعبة متوعكة وانطلق في الركض من جديد.

فكرة تأخير النوم الانتقامي ببساطة أن الإنسان الذي يقضي يومه تحت ضغط العمل أو المسؤوليات، يشعر أنه لا يملك وقتًا لنفسه، فينتقم في الليل: يسرق من نومه ليعيش لحظات حرية. لكن هذا “الانتقام” سلاح ذو حدين فهو يعطينا إحساسًا زائفًا بالتحكم، لكنه يسرق منا صحتنا، تركيزنا، وأحيانًا سعادتنا.

وهذه المقدّمة تنقلني للتساؤل التالي: لماذا نفعل ذلك؟

اكتشفت أن الأمر لم يكن مجرد حب لإعادة مشاهدة المسلسلات أو وسائل التواصل.
كنت أبحث فيما أفعله عن:

  • الإحساس بالتحكم: بعد يوم تحدد فيه الاجتماعات مواعيدي، كنت أريد شيئًا أختاره وأقرره أنا.
  • الهروب من الضغط: التصفح اللاواعي كان وسيلتي لتجاهل الإرهاق.
  • الوهم بالمتعة: ظننت أني أستمتع، لكن في الحقيقة كنت أمارس عادة آلية تزيد من توتري وتأخذني في متاهات من البحث والأسئلة.

لعلاج المشكلة عدت إلى صندوق الأدوات القديم لبناء خطوات عمليّة ترتب يومي:

  • أضفت لحظات خاصة خلال اليوم بحيث أقدم لنفسي وقتًا ولا انتظر عودتي في المساء. من هذه اللحظات قراءة عدة صفحات من كتابي قبل بدء يوم العمل، وهذا يعني وصولي مبكرًا وتناول الإفطار والقهوة في المكتب.
  • بناء روتين ليلي ثابت والالتزام به. في كلّ مرة أعود لجدول نومي الصارم تتحسن حياتي بشكل كبير! حتى عندما تصلني ملاحظات مزعجة تنتقد نومي المبكر أو تفويتي للكثير. وكحل مناسب خصصت أيام محددة في الأسبوع أقضي فيها وقتًا ممتع مع الصديقات والعائلة ولا أمانع من السهر يومها. روتين المساء مزيج من قراءة هادئة، مشاهدة حلقة واحدة من مسلسل مع أختي، وكتابة يوميّات. أحيانا لا أتمكن من إتمامها كلّها لكن هناك شيء ما يقول لعقلي وجسدي حان وقت الراحة والهدوء تدريجيًا.
  • وضع الحدود للعمل بعد الخامسة مساءً ونهاية الأسبوع. أي اتصالات أو رسائل تحتمل الردّ في اليوم التالي أتركها لوقتها. وأعلن عادة عن تفضيلاتي للاجتماعات وتسليم المهامّ حتى لو يعني ذلك تسليمها في بداية اليوم، لكن العمل المسائي مخصص لمشاريعي الشخصية فقط. واستثني من ذلك فترات المشاريع النشطة والمواسم التي لا يمكننا جميعًا التحكم فيها وجدولتها.
  • أخصص وقت أطول للغداء وأقضي ساعة كاملة إذا استطعت. اتناول طعامي، أتصفح الرسائل وأتبادل الاحاديث مع صديقاتي. أحبّ هذه الوقفة المنعشة في منتصف اليوم، وخاصة عندما تمتد ساعات العمل إلى السادسة مساء.
  • في الأيام التي يسمح بها وقت العمل أغادر للمنزل باكرًا وأصنع شيئًا محببًا مثل التسوق لوجبة العشاء وإعداد الطعام لي ولأختي. وأحيانًا اتجه للتمرين أو موعد طبي بعد يوم العمل مباشرة ولا انتظر نهاية اليوم للخروج مجددًا.
  • مررت مؤخرًا بمصطلح أحببته “أيام العمل الداخلي” وهي ترجمة حرفية لـ inner work days يقصد بها الأيام التي نخصصها للتطوير الذاتي عبر أنشطة ذهنية وداخلية نفسية بعيدًا عن ضغط المهام الخارجية. نستثمرها في الخروج للطبيعة أو قضاء الوقت مع الأحباب أو التعلم والتأمل والاكتشاف الذاتي بشكل عام.
  • إعادة تعريف مصطلح “الانتقام” وتوجيهه لما يستحق فعلًا! وبدأت الانتقام من العادات التي تستنزفني ليصبح التوجّه إيجابيًا مع الوقت. عدت لممارسة هواية قديمة وهي الرسم، عدت للكتابة والتدوين، وعدت للرياضة بعد انقطاع وإصابات متعددة.

ما الذي حصل؟

بعد أسابيع من التجربة، لاحظت التغيير:

  • أستيقظ أكثر خفة وبذهن صافٍ ومشاعر منعشة.
  • إنتاجيتي ارتفعت بشكل جيّد.
  • مزاجي أصبح أهدأ، وعلاقاتي اليومية أقل توترًا.
  • والمفاجأة أنني لم أفقد وقتي الخاصّ بل أصبح لديّ المزيد منه. شاهدت الوفرة الحقيقية في المزاج والوقت وهذا الأهم.

والخلاصة من هذه التدوينة القصيرة -نوعًا ما- إذا وجدت نفسك تسرق دقائق من نومك لتستعيد حريتك ويومك، تذكر أن الحرية الحقيقية ليست في السهر، بل في القدرة على أن تحظى بطاقتك كاملة وأيامك بلا توتر وإرهاق.
الحل ليس أن تضيف وقتًا في الليل، بل أن تستعيد توازنك في النهار.

.

.

Collage by Karen Reiser

.

.

١٦ | أصدقاء الطفولة: المخطط الخفيّ لعلاقاتنا

تزورني منذ فترة فكرة ملحّة: أنّ الصداقات والعلاقات الأولى التي مررنا بها لم تكن مجرد تفاصيل عابرة من طفولتنا، بل كانت أشبه بـ مخطط أولي (Blueprint) يرافقنا ويُعيد تشكيل نفسه في كل علاقة جديدة ندخلها.
ما قبلته لنفسي حين كنت طفلة، وما ظننته طبيعيًا في تعامل الآخرين معي، بقي معي طويلًا، وكأنه أصبح تعريفًا غير مكتوب لهويتي العاطفية. ومع مرور السنوات، بدأت أرى أثر تلك العلاقات في صداقة متذبذبة هنا، أو علاقة مؤذية هناك، حتى وجدت نفسي أكرر نفس الأنماط دون وعي. لقد أدركت – بعد زمن – أنني سمحت بعلاقات لم تنضج يومًا لتصل إلى مستوى الصداقة الحقيقية أن تُحدّدني.

لكن السؤال الذي يراودني دومًا: كيف يمكن لطفلة أو مراهقة أن تعرف الفرق بين العلاقة السليمة والعلاقة المضطربة؟

الطفولة ليست مجرد لعب ومغامرات عابرة، بل هي مختبرنا الاجتماعي الأول. في ساحات اللعب نتعلم المشاركة والانتظار، وفي الصداقات الصغيرة نختبر معنى الثقة والوفاء، كما نختبر لأول مرة مرارة الخيانة أو الغياب.

عالم النفس إريك إريكسون وصف هذه المرحلة بأنها مرحلة الثقة مقابل عدم الثقة، حيث يبدأ الطفل في إدراك إن كان العالم مكانًا آمنًا يعتمد عليه أم لا. هذه البذور الأولى برأيه تمتد عميقًا في وجداننا وتشكل علاقتنا بذواتنا وبالآخرين لاحقًا. أما جون بولبي مؤسس نظرية التعلّق، فيرى أنّ أنماط التعلّق التي نختبرها في سنواتنا الأولى تصبح نماذج داخلية نعود إليها في علاقاتنا اللاحقة، سواء في الصداقة أو الحب أو الأسرة. بمعنى أن الغياب والحضور والاهتمام أو الإهمال الذي عشناه في الطفولة لم يكن حدثًا عابرًا، بل تعليمًا أوليًا لكيفية التعامل مع الآخرين.

إعادة إنتاج الألم

مع مرور الوقت، لاحظت أنني لم أكن أعيش صداقات جديدة بقدر ما كنت أعيد إنتاج صدى صداقات قديمة:

  • صديق يغيب فجأة كان كفيلًا بأن يعيد إحياء قلق الانفصال بداخلي.
  • علاقة تتجاوز حدودي وتجعلني أفقد صوتي الخاص.
  • لحظات أخجل فيها من اهتماماتي لمجرد أنها لم تناسب الآخرين.
  • تقبّل سلوكيات مؤذية فقط لأنها بدت مألوفة.

والغريب أنني حين وجدت صداقات طازجة، مليئة بالحماس والاهتمام، لم أشعر بالاطمئنان، بل دفعتني للهروب لأني ببساطة كنت أرى فيها فرط تعلّق واهتمام زائد عن حاجتي! لقد بدا القرب الصحي غريبًا وغير مألوف لدرجة أنه أقلقني أكثر من العلاقات المتذبذبة.

لكن مع التقدم في العمر والنضج والتعلم أدركت أن قلق الانفصال الذي ظننته جزءًا من شخصيتي لم يكن وراثيًا ولا ثابتًا، بل كان ردّ فعل طبيعي على غياب غير متوقع وعلاقات مضطربة. وفي المقابل، عندما واجهت علاقات آمنة ومستقرة، شعرت بالارتباك والرفض بدل الطمأنينة.

هنا فهمت أن أنماط الماضي لم تكن تشرح “من أنا” بقدر ما كانت تصف “ما تعلّمته” مبكرًا. والفرق بين الاثنين جوهري، لأنه يعني استطاعتي على التعلم من جديد وكسر القوالب.

هل يمكننا إعادة رسم خريطتنا؟

الجواب المبدئي: نعم.
وهذا ما ساعدني على التغيير.

الوعي بداية الطريق: أن ندرك أن ما نعيشه اليوم ليس قدرًا محتومًا، بل نمطًا موروثًا من الماضي.

المرونة العصبية: العلم يخبرنا أن الدماغ قادر على إعادة التشكل (neuroplasticity). أي تجربة جديدة، أي علاقة آمنة، يمكنها أن تعيد رسم خرائطنا الداخلية.

العلاقات الراشدة: كل صداقة ناضجة، كل علاقة قائمة على الأمان والصدق، قادرة على إعادة برمجة تصورنا عن القرب والثقة.

خطوات عملية لبناء علاقات صحية جديدة

  1. مراقبة الأنماط:تدوين المواقف التي تتكرر. متى تشعر بالقلق؟ متى تهرب؟ متى تصمت رغم الألم؟
  2. رسم الحدود:الحدود ليست أمرًا سيئًا، بل إشارة إلى حب للذات. أن تقول “لا” يعني أنك تعترف بحقك في الأمان.
  3. اختيار العلاقات الآمنة:لا تمنح قلبك لمن يثير قلقك باستمرار. ابحث عن حضور ثابت واهتمام صادق.
  4. طلب الدعم:سواء من معالج نفسي أو صديق واعٍ أو مرشد متمرّس، الدعم الخارجي يساعدنا على كسر العادات القديمة.
  5. التعاطف مع الذات:تذكّر أن الطفل أو المراهق الذي كنتَه لم يكن يتقن التمييز بين الصداقة الحقيقية والعلاقة المؤذية. وبكلمات أخرى: سامح نفسك.

العودة إلى الذات

في النهاية، صداقات الطفولة ليست مجرد صور قديمة أو موجات حنين غامرة، بل هي مخطط أولي يستمر في تشكيل علاقاتنا. لكننا لسنا أسرى له. بإمكاننا أن نعيد تشكيله ورسمه. ربما نقضي حياتنا نبحث عن ذلك الشعور الأول: حين اختارنا أحدهم لنلعب معه في ساحة المدرسة. لكن النضج الحقيقي أن نختار أنفسنا أولًا، ثم نسمح لمن يستحق أن يكون جزءًا من مخططنا الجديد.

وربما أجمل ما حدث مؤخرًا هو أنني عشت ذلك التغيير على أرض الواقع. في مكان العمل، حاولت زميلة بلطفها واجتهادها ومثابرتها أن تقترب مني، تدعوني للقاءات بسيطة وتمضي وقتًا معي. لم يكن الأمر سهلًا عليّ، لكن إصرارها اللطيف اخترق قوالبي القديمة، ووجدت نفسي ابتهج لمحاولاتها الناجحة. أدركتُ حينها أنني كنت بحاجة لمن يمد يده أولًا، ليذكّرني أن الأمان ليس فكرة نظرية بل ممارسة يومية.

وحدث هذا تحديدًا في فترة كانت تواريخ ميلاد بعض صديقاتي القديمات تمرّ في ذاكرتي بلا دعوة مني. لا أدري لِمَ احتفظ عقلي بهذه التواريخ بالذات، لكنها كلما عادت أيقظت في داخلي شيئًا من الألم. ومع ذلك، كان في هذه الصداقات الجديدة ما ينعشني ويعيد لي الإيمان بأن القلب لا يشيخ، وأنه قادر على استقبال صداقات صحية ودافئة، حتى بعد كل ما مضى.

وهكذا أتعلم أن مخططات الطفولة لا تُمحى، لكنها قابلة لإعادة الرسم كلما أفسحنا المجال لعلاقات صادقة وجديدة. الصداقة الحقيقية قد تبدأ في أي عمر، وفي أي مكان-حتى في أروقة مكان العمل- إذا كنا مستعدين أن نلين قليلًا، ونسمح للآخرين بأن يفتحوا لنا أبوابًا لم نجرؤ أن نطرقها وحدنا.

.

.

Painting by Amanda Blake

.

.

 

١٤ | الكتابة من القاع

“أحيانًا عندما أشرع في كتابة قصة جديدة وأجد صعوبة في إتمامها، أقف متأملا أسطح باريس وأقول لنفسي: لا تقلق! لقد كتبت من قبل وستكتب الآن. ما عليك سوى أن تكتب جملة صادقة واحدة. اكتب أصدق جملة تعرفها. كنت أكتب تلك الجملة ومنها تنبثق الحكاية.”

-إرنست همنغواي

مررت بهذا الاقتباس قبل عدة أيّام وفكّرت في شعور مشابه. أحبّ الكتابة وأنطلق بها أيامًا عديدة بلا توقّف. اتخلص من حبستي وتعود بلا مقدّمات أو إشارة. أكتب في كلّ مكان بسلاسة وانطلاق لكن عندما يرتبط الأمر بالمدونة أفقد شهيتي ورغبتي بمشاركة أيّ شيء. قرأت همنغواي وفكّرت في الكثير من الجمل الصادقة التي أودّ مشاركتها ولتكن هذه التدوينة بوابة العودة للحديث من جديد.

انتهى الصيف رسميًا بالنسبة لي. يمكنني الشعور بذلك في هواء المساء. في تغير حرارة الماء خلال النهار. وفي مزاجي بشكل واضح. ترك الصّيف أثره المنعش بعد المغامرات المتعددة التي كسرت رتابة أيّامي. الكثير من الأحلام القديمة تحققت فجأة وكأنها خرجت من صفحة منسية في مذكرات هيفا المراهقة! كانت أجمل اللحظات حضور حفلة فرقة Oasis   بصحبة أخواتي. أغنياتهم خلفية موسيقية للتسعينات ولم تغادر ذاكرتي أبدًا. لم تكن مجرد حفلة موسيقية. كان المشهد الأكبر: اجتماع أخوين بعد سنوات من الخلاف. يعتليان المسرح معًا من جديد. كانت العودة ممكنة متى ما وجدت الرغبة. وأنا وسط الآلاف من الحضور أحسست أني أعقد هدنة داخلية مع ذاتي.

ما أن هدأ صخب العطلة، وتبعه رحلة سريعة للدراسة ظهر داخلي فراغ مختلف. مشاعر متزاحمة وأولويات غير مستقرة ووحدة غريبة اتخذت شكل منحدر! وفي مواجهة ذلك قررت وضع أوتاد صغيرة في أرضي المضطربة: استعادة الروتين الذي فررت منه. عدت للاستيقاظ المبكر، والقراءة الاجبارية في البدء ولاحقًا استعدت المتعة. النوم المنتظم والغذاء الذي اختاره بتركيز أظهر لي إيجابيات سريعة ضبطت إيقاع جسدي. لم أحاول إعادة بناء كلّ شيء دفعة واحدة. اخترت لكل عدة أيام فكرة جديدة للتبني، كما لو كنت ابدأ من الصفر. وهذا التراكم الهادئ وضع الأسس الأقوى.

استطرد كثيرًا في حديثي وفي كتابتي. قبل قليل ذكرت شعور الوحدة وهو ليس بالشعور السهل وصفه. خاصة إذا كنت شخصًا بدائرة اجتماعية وحياة مزدحمة -في ظاهرها. تغيّرت ملامح العلاقات من حولي خلال السنوات القليلة الماضية. وجوه غابت وأخرى ظهرت. والغريب أني وجدت نفسي في دورٍ مختلف: أصغي أكثر مما أتكلم، أقدم النصيحة أكثر مما أطلبها. تجلّى دور الأخت الكبرى بوضوح. لكن العزلة تنمو بتسارع غير مسبوق. شعور الاستسلام ربّما أمام فكرة انعدام الفهم أو الأسوأ: التغاضي عن فكرة أن تكون مفهومًا. مرئيًا. أظن أنّ هذا الشعور محايد أو ربما أقوله لنفسي. لكن الخبر الجميل والمبهج وسط هذه الزرقة الداكنة، أني أصبحت أكثر تجاوبًا مع المبادرات التي تظهرها رفيقات العمل أو المتابعات لي أو معارفي المشتركة. هناك سعادة من نوع خاصّ أجدها عندما أتصرف بشكل غير متوقّع على الأقل من نفسي. وبالعودة قليلا لموضوع انعدام الفهم: ربما أحتاج لمزيد من الجهد، بدلا من انتظار أن أُفهم تلقائيًا. سيساعدني اختيار شخص مقرب ومشاركة تجربة أو شعور بداخلي بصدق ووضوح. هذا الأمر أفضل من الغياب والعزلة الكاملة. قرأت في نشرة بريدية ذات مرة تقنية لطيفة ساعدتني في تأمل أيامي بشكل أفضل. اكتب في مذكرتي في نهاية الأسبوع “ما تصالحت معه هذا الأسبوع” حتى لو كان أمرًا صغيرًا لا يثير الانتباه. فكرة، أو ذكرى، أو علاقة مضطربة، أو عادة اكتسبتها أو تخليت عنها. تذكرت مع هذا التمرين دفترًا قديمًا اسميته “دفتر التغيير” كنت أدون فيه كل تغيير جديد اعتمده في حياتي. وكلا الفكرتين مهمة في تذكيري بأن التغيير يحدث فعلًا صغر أو كبر.  وأن الحياة تمضي وتتحرك بسرعات مختلفة سواء انتبهت لها أو لم انتبه. والخلاصة من هذه التدوينة المتشعبة كالعادة؟

  • حوّلت وحدتي لمساحة مراجعة وبدأت الفكرة في رحلتي القصيرة لحضور دورة تدريبية. استعدت لذة السفر وحيدة ومع قرصات الوحدة الصغيرة التي شعرت بها دوّنت مشاعري الصادقة التي تبدأ بماذا؟ وتنتهي بـ: هذا ما سنفعله!
  • بناء روتين صغير متدرج.
  • ضبط النوم والغذاء وتحريك الجسد.
  • اختيار التواصل الحقيقي والواعي، حتى لو كان محادثة قصيرة لعدة دقائق. أفضل بكثير من الانغماس بصخب لقاءات اجتماعية مجهدة.
  • ممارسة التصالح الأسبوعي مع أي جانب حياتيّ يحتاج ذلك.

استعيد بداية التدوينة واقتباس همنغواي: “اكتب أصدق جملة تعرفها.” ربما كل ما فعلته هنا هو محاولة صادقة للتوثيق؛ توثيق عودة بسيطة، وتغييرات صغيرة، ومشاعر متناقضة لكنها حقيقية. وربما تكون هذه التدوينة نفسها الجملة الأصدق التي كنت أبحث عنها منذ أشهر.

الكتابة بالنسبة لي لا تعني فقط ملء الفراغ على الشاشة أو الورق، بل هي وسيلة لإعادة ترتيب حياتي من جديد. حين أكتب أستطيع أن أرى الصورة الأوسع: كيف تغيّر إيقاع يومي، كيف عدت للروتين تدريجيًا، وكيف وجدت في أبسط التفاصيل إشارات صغيرة على أنني بخير. هذه التفاصيل عادة ما تضيع وسط زحمة الأيام، لكن التدوين يعيدها إلى الواجهة، يمنحها قيمة إضافية ويذكرني بأنها تستحق أن تُلاحظ.

أشعر أن العودة للتدوين بعد فترة من الانقطاع تشبه الوقوف عند مرآة صافية. أرى انعكاسي بوضوح، أحيانًا يعجبني وأحيانًا يربكني، لكنني في كل الأحوال أتعامل معه بصدق. لا أحتاج أن أُجمّل أو أبرّر، فقط أن أدوّن الأشياء كما هي.

قد لا تكون لدي إجابات جاهزة لكل الأسئلة التي أطرحها على نفسي مؤخرًا، لكن التدوين نفسه شكل من أشكال الإجابة. هو إعلان أنني موجودة، وأنني أتحرك، حتى وإن كانت الخطوات مترددة. وأن التغيير يحدث فعلًا، ليس كقفزة مفاجئة، بل كسلسلة من المحاولات الصغيرة التي تترتب ببطء وتبني أساسًا أكثر ثباتًا.

لذلك، أسمح لهذه التدوينة أن تكون علامة بداية. بداية عودة للتدوين بلا شروط ولا توقعات عالية. بداية لحديث طويل لا أعرف إلى أين سيقودني، لكن يكفيني أنه بدأ. وربما كما قال همنغواي كل ما أحتاجه فعلًا هو جملة واحدة صادقة.

.

.

.

١٣ | من أنت حين تتوقف عن العمل؟

لا أعلم متى كانت اللحظة الحاسمة التي أدركت معها أن مساحة حياتي العملية والشخصية اختلطت تمامًا بلا عودة! ربما كانت مجموعة من المواقف، أو الوقفات؟ أو اللحظات التي سألت فيها نفسي: لمَ أترك العمل ولا يتركني؟ أغلق الجهاز وأعود للمنزل وتبقى إشارات وتنبيهات البريد تلكزني لتربك سلامي. أذكر قبل سبع سنوات تقريبًا مررت بلحظة قررت بعدها ترك وظيفة والبقاء في المنزل بلا خطة حتى أعيد ترتيب كلّ شيء. كنت محظوظة بأني امتلكت خطة توفير مسبقة ومبلغ مالي يساعدني في اتخاذ قرارات الوظيفة التالية من منطلق قوّة. لم أكن أبحث عن توازن مثالي وتامّ لكن فاصل صحي، يجعلني أعمل بذهن صافٍ وأعطي كلّ ما لديّ، وفي الوقت نفسه مزاج طيّب ومساحة استرخاء دافئة.

لم أكن دائمًا الشخص الذي يبني هويته الكاملة حول حياته المهنية، لكني وقعت في الفخ لفترات قصيرة وأنقذت نفسي بأعجوبة. الانغماس الكامل في العمل لم يترك أثرًا جيدًا عليّ. صحتي وحياتي الاجتماعية وعلاقتي بهواياتي ومفهوم الراحة والإنجاز بشكل عامّ تأثرت.

هذه التدوينة لا تدّعي إيجاد الحلول لكل من يعاني من هذه المشكلة، لكن فيها خلاصة تجربة شخصية، وبحث، وأفكار مساعدة. لكل منّا تجربته الشخصية التي قد نتشابه في بعض تفاصيلها ونختلف في أخرى. كانت مشكلتي مع الجانب المهني من شخصيتي ليس انمساخ تامّ ليصبح يوم العمل كل ما اتحدث عنه أو أفعله، بل غياب الحدود بين تلك المساحة ومساحتي الشخصية. إذا لم تكن هذه مشكلة تعاني منها فهذا عظيم! وإذا كانت هذه مشكلتك تابع القراءة وقد اقترح عليك شيئًا ملهمًا.

خلال بحثي عن الموضوع وجدت مصطلحًا يستخدمه علماء النفس “التورّط – Enmeshment” وهذا وصف لحالة تتلاشى فيها الحدود بين الأشخاص وتفقد الهوية أهميّتها. لكن في حالة حديثنا هذا يصبح التورّط مع حياتك المهنية. وكان هناك مجموعة من الأسئلة لتساعدك على اكتشاف تورط حياتك الشخصية وهويتك مع حياتك المهنية:

  • ما مدى تفكيرك في وظيفتك خارج المكتب؟ هل عقلك منشغل بشكل متكرر بأفكار العمل؟ هل يصعب عليك المشاركة في حوارات مع الآخرين لا تتعلق بعملك؟
  • كيف تصف نفسك؟ ما مدى ارتباط هذا الوصف بوظيفتك أو منصبك أو شركتك؟ هل هناك أي طرق أخرى تصف بها نفسك؟ ما مدى سرعة إبلاغك للأشخاص الذين التقيتهم للتو عن وظيفتك؟
  • أين تقضي معظم وقتك؟ هل اشتكى لك أحد من قبل أنك تقضي وقتًا طويلاً في العمل أو أداء مهامّه؟
  • هل تملك هوايات خارج العمل لا تتضمن بشكل مباشر مهاراتك وقدراتك المتعلقة بالعمل؟ هل أنت قادر على قضاء وقتك باستمرار في تمرين أجزاء أخرى من دماغك؟
  • ما شعورك لو لم تتمكن من الاستمرار في مهنتك؟ هل الفكرة مزعجة لك؟

هذه الأسئلة مناسبة للتأمل كبداية! هل أثارت قلقك؟ أو شعرت بأنها مبالغة وغير منطقية؟ قد تكون المرحلة الأولى لتقييم الوضع من قراءة الأسئلة والاجابة عليها بصراحة – ولا مشكلة من استشارة شخص تثق به فأحبتنا دائمًا يصدقوننا القول في هذه الحالات. كيف يمكننا إذًا مقاومة هذا التورّط وتعلم كيفية الفصل الصحي بين حياتنا المهنية والشخصية – كضرورة لرفاهية العيش؟

هذه خطّة مبسطة (مقترحة) لتفكيك المشكلة وحلّها.

المرحلة الأولى: الوعي والتقييم.

  • ما الذي تمر به الآن؟ وما الذي تأمل في الحصول عليه؟ (هل تبحث عن الاسترخاء؟ ممارسة الهوايات؟ قضاء وقت أطول مع العائلة والأصدقاء؟ أو مساحة للنمو الشخصي والتعلّم؟) معرفة الدوافع يساعدك على البقاء في المسار الصحيح.
  • راجع وقتك الحالي، تابع أسبوع من حياتك وكيف تقضي وقتك فيه خارج ساعات العمل. هل تفضل كتابة الملاحظات في مذكرة أو حتى مذكرة الهاتف الرقمية. كلما كنت صريحًا وصادقًا مع نفسك كلما توصلت على لبّ المشكلة بشكل أسرع.
  • أين تتسرّب حياتك المهنية لوقتك الشخصي؟ مثلا: التحقق من رسائل البريد الإلكتروني بشكل مستمر وبعد ساعات العمل، تلقي المكالمات والرسائل والردّ عليها، أو التفكير في العمل بشكل مستمر بحيث يطغى على يومك.
  • كيف شكل مساحتك الشخصية المثالية؟ هذا النشاط ممتع حقيقة ومبهج، يذكّرني بورشة عمل قدمتها قبل سنوات وتدوينة هنا عن صناعة يومك المثالي. نفس الفكرة إنما على نطاق أوسع لتشمل كافة جوانب حياتك. قد تكون مساحتك المثالية هي عدة ساعات من القراءة بعد ساعات العمل، أو طبخ طبق شهيّ لعائلتك، أو لقاء صديق مساءً بلا مشتتات رقمية أو مهامّ عمل.

المرحلة الثانية: وضع الحدود

 تضمّ الحدود عدة أشكال ويمكن تصنيفها باختصار إلى:

  • حدود مادية: كمنطقة العمل المحددة وهي مقر العمل الذي تذهب إليه، وقد يكون العمل في المنزل فيشمل منطقة عمل محددة كالمكتب.
  • حدود رقمية: مثل إيقاف إشعارات الهاتف والبريد الإلكتروني، أو اقتناء جهاز هاتف شخصي غير جهاز تستخدمه خلال ساعات العمل.
  • حدود الوقت: ساعات العمل وتحديدها بوضوح (متى يبدأ يوم عملك ومتى ينتهي؟ بلغ الجميع بهذا وكن ملتزمًا تجاه نفسك). يندرج ضمنها أيضًا تحديد وقت شخصي غير قابل للتفاوض أو التأجيل كالزيارات العائلية أو ممارسة الهوايات والأنشطة.
  • حدود التواصل: يمكننا تلقي الرسائل في أي وقت لكننا نحدد متى نتجاوب معها. رسائل العمل يمكنها الانتظار لليوم التالي، ومثلها رسائل الهاتف. حدود التواصل تتطلب قول “لا” كثيرًا وللأسف كانت عادة صعبة تدربت عليها لسنوات حتى تمكنت منها.

المرحلة الثالثة: تنمية المساحة الشخصية

قد تكون هذه المرحلة هي الأصعب في نظري لأنها تتطلب العمل والانتباه والحرص على قضاء أوقات طيّبة ما استطعت كي لا أنزلق لنمطي السابق. قبل فترة قررت قرارًا لطيفًا: أريد صيفًا يشبه صيفيات الطفولة. الكثير من الراحة والقراءة واللعب والبوظة! وهذا ما يمكننا أن نفعله في مساحتنا الشخصية عندما نستعيد السيطرة عليها.

  • أعد التواصل مع هواياتك القديمة وأي أنشطة تشعرك بالسعادة مثل القراءة، اللعب في الخارج، أو الطهي والفنون الإبداعية.
  • استثمر في مساحتك الشخصية. مثل إعادة تأثيث أركان في المنزل، أو شراء عدة فنون، أو الاشتراك في موقع تعليمي ممتع.
  • تمرن على الحضور الكامل في وقتك الشخصي وتخلص من تشتت المهامّ والعمل على أكثر من جبهة.
  • أعط أولوية للوقت مع الأصدقاء والعائلة وأي دوائر اجتماعية يمكنك التواجد فيها بمعزل عن حياتك المهنية.

يتبع هذه المراحل بالتأكيد المراجعة والتعديل المنتظم بحسب ما تقتضيه الحياة وتحوّلاتها. والبدء بالتدريج طبعًا فكلّ خطة فشلت فيها كانت بسبب حماسي والاندفاع الذي يولد مع الانطلاق ويخبو تدريجيًا كون الهدف أكبر وأصعب من معطيات واقعي. يساعدني أيضا بالإضافة لكلّ ما سبق الاحتفال بالتغيرات الصغيرة وأثرها على أيّامي، حتى لو كانت فسحة في نهاية الأسبوع أو نصف ساعة يومية أسرقها لقراءة مقالات المفضلة. طالمًا أوجد الوقت لنفسي ونموّي الشخصي أولًا سأكون سعيدة وراضية. أضيفوا إليها الصبر! الكثير من الصبر والحلم مع أنفسكم.

لم أنسَ أيضًا توقّع المشكلات التي قد تواجهكم وجمعتها وأعراضها والحلول المقترحة في الجدول التالي لسهولة الاطلاع:

مشكلات قد تواجهك – اضغط على الصورة للتوضيح

استعدت مع كتابة هذه التدوينة لحظات كثيرة في حياتي المهنية التي امتدت حتى اليوم لأكثر من عشرين سنة. كنت استمد قوّتي من معرفتي الأكيدة بهويتي وما أحبه وما أفضّله ومعرفتي أيضًا باللحظة التي تستدعي تدخلي لإصلاح حياتي الشخصية وضبطها أو مغادرة وظيفة إلى أخرى تسمح لي بذلك.

أمرٌ ظريف حدث خلال ساعات كتابة التدوينة. فقد تلقيت بريدًا من صديقتي تطلب مني الاطلاع على ملفّ للعمل. نظرت للساعة وعدت للكتابة في شاشة الكمبيوتر ثمّ قررت الرد على رسالة بعثتها في هاتفي: “أرجو منك الاطلاع على الملف إذا كان الوقت مناسب.” ثم تبعتها بـ”إذا لم يكن لديك المزاج، اتركيه للغدّ”. أخبرتها أني سأتركها للغدّ بالتأكيد فليس لدي الوقت. ثم أخبرتها أيضًا أني أعدّ تدوينة عن الفصل بين الحياة المهنية والشخصية. ضحكنا من الموقف وقررت إضافته هنا كقفلة للموضوع!

تسعدني قراءتكم ويسعدني أيضًا معرفة رأيكم في هذه المشكلة -إذا كانت مشكلة لديكم- كيف تمكنتم من الفصل بين الشخصيتين؟ وكيف تحافظون على مساحتكم المقدسة.

.

.

.

* Collage by Stephen Sheffield

 

.

.