أظن أن التخطيط (و-أو) كتابة اليوميات أكثر موضوع أكتب عنه في هذه المدونة وأعود إليه كل عدة سنوات بتدوينة مطوّلة ومفصلة تأخذه من زاوية لأخرى. هل أشعر بالملل أو أني سأتوقف عن ذلك؟ لا طبعًا سأعود إليه من جديد كلما شعرت بالاشتياق له أو الرغبة في الحديث عن وجه جديد من القصة.
أعرف بأني سأستطرد عدة مرات في هذه التدوينة ولذلك سأحدد هيكلًا لما أريد الحديث عنه، وربما بشكل موجز سأقول شيئًا مهما: غالبًا يُنظر إلى التخطيط باعتباره أداة للإنتاجية. لكن قبل تطبيقات التخطيط والمفكرات المسطرة والجداول بزمن طويل كان الناس ينظمون وقتهم والتزاماتهم وصلواتهم وحساباتهم وشؤون حياتهم المنزلية بطريقةٍ ما. الهدف النهائي هو الكفاءة لكن أيضًا عملية عاطفية تثبت تمسكّنا بقصصنا ورغبتنا بتخليدها.
لقد ركضت خلف الأرنب في بحثي وقراءتي عن الموضوع، أين بدأ التحوّل في تدوين اليوميات والتخطيط؟ ووجدت أن العصر الفيكتوري شهد تحولا في الموضوع: أصبح الناس يستخدمون المذكرات وتدوينها كوسيلة للتخطيط للمستقبل ولم تعد تقتصر على تأمل الماضي. أصبحت أداة تنظيمية بالإضافة لكونها سجلا للتجارب. واجتاحت العالم موجة من التطلعات للتقدم والصناعة والتجارة. وجاء مع هذا التحول سلع جديدة مثل المذكرات المؤرخة ومذكرات الجيب والأقلام.
والمفاجأة كانت أن العلامة التجارية Letts التي تحملها المذكرات السنوية التي كان والدي يقدمها لي مع العام الجديد خلال التسعينات والمدموغة أيضًا باسم شركته حينها؛ أسّسها جون ليتس صاحب متجر أدوات مكتبية وقرطاسية في ١٨١٢م. حققت المذكرات نجاحًا باهرًا، وبحلول العام ١٨٦٢م قدّم المتجر ٥٥ نسخة مختلفة موجهة لفئات اجتماعية محددة بأسعار متفاوتة تناسب الجميع. وفي ١٩٠٠م كان جون ليتس يبيع ما يقارب ربع مليون مذكرة سنويًا!
هذا الصعود في كتابة اليوميات والتخطيط ساهم في تغذية المصادر التي يعود إليها الباحثين اليوم لدراسة تلك الحقبة. كانت اليوميات تدوّن قبل القرن التاسع عشر من قبل أشخاص يدركون أهميتهم وتجاربهم مثل الارستقراطيين وأفراد البلاط والكتّاب. لم تكن اختراع فيكتوري وهذا معلوم لنا اليوم، لكن تحوّلها كما أسلفت من تدوين الماضي للتخطيط للمستقبل هو المختلف. ومع بدء إنتاج المذكرات المؤرخة المطبوعة بكميات كبيرة وبيعها لطبقة الموظفين الإداريين المتنامية بسرعة في المدن والضواحي البريطانية ظهرت معها يوميات سطحية وعملية يدوّن فيها أصحابها ملابسهم التي ارتدوها والطعام الذي تناولوه والثرثرة والمشاحنات. كانت مذكرات القرن التاسع عشر «أداة مراقبة» كما وصفتها الباحثة الأدبية آن-ماري ميليم وكان هدفها الأسمى ضبط النفس. فمن خلال تسجيل نجاحاتهم وإخفاقاتهم بدقة كان بإمكان كتّاب المذكرات مقارنة إنجازاتهم في الماضي والحاضر والمستقبل.
لكن قبل أن استطرد كثيرًا في التتبع التاريخي هذا سأتوقف وأترك لكم حرية البحث عن الموضوع. كان هذا فضولًا لديّ للبحث عن الأمر وتوصلت للإجابة المهمة التي تفسّر تأرجحي في استخدام تدوين اليوميات وتنوع مذكراتي –كما كتبت في تدوينة سابقة- فأنا في لحظات أدون مشاعري ومرئياتي وتأملي للماضي، وتارة أخرى أبني الخطط والتوقعات دون إسراف وهلع. والقاسم المشترك بين ما أفعله أنا وفعله الملايين من البشر قبلي هو الحاجة إلى وضع الحياة داخل بنية مرئية. وهذا هو التخطيط بشكله العاطفي حيث ينتقل فيه الإنسان من التاريخ المدوّن إلى الفكرة الشخصية والتأملية.
لقد وجدتُ في استمرارية الكتابة والتخطيط طريقة مثالية لتقليل عدم اليقين والتشتت. وقرأت ذات مرّة أن التخطيط للمستقبل يعطيك شعور منعش بانتظار قدومه وهذا طبعًا يختلف من شخصٍ لآخر فالبعض يشعر بالتوتر عند التفكير في القادم ويفضّل التعامل مع الأيام بشكل كيانات مستقلة – لا أستطيع العيش بهذه الطريقة لأن التخطيط والتدوين صمام أمان لشخصٍ قلق مثلي. التخطيط بالنسبة لي تفاؤل وطمأنينة ومكان يستريح فيه عقلي بعد التخفف من الأفكار. والآن تذكرت تقليد بدأت بتطبيقه بكتابة قوائم «القلق»-للأسف لم أجد لها اسم آخر- بداية كلّ أسبوع. انتهي من القائمة ثم أبحث عن حلول وأوزعها على الأيام حتى انتهي منها. هذا تخطيط بطريق واحد ومباشر لا يرتبط بساعة أو يوم بشكل متزمت. أفكّر في الأولويات وكيف أنقذ نفسي من صعوبتها بتوزيعها لأدخر طاقتي للأمور المعقدة وأدفع بالأخف لنهاية الأسبوع بعد نيل قسط من الراحة.
أظنّ أن أكثر ما يُساء فهمه في التخطيط هو ربطه الدائم بالصرامة وكأن الذي يخطط يريد أن يحوّل حياته إلى جدول جامد ولكل ساعة مهمة ولكل يومٍ نتيجة. لقد وقعت في هذا الفخّ بالتأكيد، ولكن بعد أن اعتدت استخدام التخطيط للتهدئة والاقتراب من العفوية قدر الإمكان. حين أكتب ما ينتظرني على الورق لا أشعر أني قيدت يومي بل أخرجت ما في رأسي ومنحته مكانًا أنظر إليه من زاوية جديدة! أذكّر نفسي أيضًا في هذا السياق بأن التخطيط ليس وعد بحدوث كلّ ما كُتِب ربما بوصلة أو تذكير أو مرساة إذا أصبحت الأيام أكثر سيولة وفوضى.
التخطيط والتدوين لا ينبغي أن يكون صعبًا أو مربوطًا بمذكرة جميلة وأقلام ملونة وصفحات مرتبة ولواصق لكلّ نشاط في يومك. لنفكّر به كأداة للثقة بالنفس فالخطة التي نكتبها تفترض ضمنيًا وجودنا غدًا بإذن الله وأن لدينا القدرة على العبور وأن نسخة مستقبلية منا ستفتح الصفحة وتشعر بشعلة حماس تضيء لننطلق. هذا الإحساس وهذه العاطفة هي ما يدفعني للنظر للتخطيط من زاوية مختلفة. هذا فعل اهتمام بالنفس ورعاية ذاتية- خططت لك يا هيفا ولم أتركك وحيدة.
وربّما أنا أحبّ طقوس التخطيط الصغيرة المرتبطة به أكثر من الخطة نفسها. الجلوس في ساعة من نهاية الأسبوع لتخطيط نهارات العمل، وساعة القهوة يوم الأربعاء مع كتابي ومذكرة أخرى لقوائم القلق وخطط نهاية الأسبوع. انقل من صفحات سابقة مهام متأخرة لأسبوع جديد دون شعور بالذنب وشطب مشروع يبدو أنّه لن يحدث في يومٍ قريب.
تدوين اليوميات سواء بالنظر للماضي أو بالتطلع للمستقبل مثل ترتيب غرفتك الداخلية لأن البعثرة تعني أن كلّ شيء عاجل وضخم ومهم ويطلبك بنفس القدر وبنفس نسبة التركيز والاهتمام.
في النهاية أظن أن عودتي المتكررة لهذا الموضوع تذكرني بحبّي واهتمامي ورؤيته في صور ملموسة بأشكال مختلفة. مرة كان التخطيط محاولة للإنجاز ومرة للنجاة ومرة للترتيب ومرة للطمأنينة. وأنتم ستبحثون في أنفسكم الآن وتفكرون ما الذي يمكن للتخطيط تقديمه الآن؟ في هذه اللحظة؟ في هذا المكان من حياتكم؟
أنا أكتب لأرى.
وأرى لأهدأ.
وأهدأ لأعيش الأيام بلا ركضٍ خلفها.
.
.
.
Painting by Albrecht Anker
.
.