٢٢ | كيف أنظّم حياتي بثلاث أجندات وقلم؟

اطلعت مؤخرًا على إحصائية مربكة تقول بأنّ الشخص العادي يفقد تركيزه كلّ ثمان دقائق بسبب الإشعارات الرقمية. وفكرت: إذا كنت أعمل ثمان ساعات يوميًا فهذا يعني أنني أفقد ساعات من وقت الإنتاج الحقيقي وأشعر بالإرهاق بسرعة وتتبعثر أفكاري أكثر مما أقبض عليها. والحلّ؟ الهروب من الأدوات الرقمية لتنظيم أيامي مهما كانت ممتعة وجذابة والعودة للورق والكتابة بالكامل. التدوين اليدوي عادة بدأتها من الصغر لكنها كانت محدودة في تسجيل تأملات نهاية اليوم والأحداث التي أريد العودة إليها.

كانت تمرّ أيام كثيرة اعتمد فيها على الملاحظات والتقويم الرقمي في هاتفي وهذه فكرة جيدة للتنبيه اليومي، ولكن ليس على المدى البعيد. وهناك قلق من نوعٍ آخر وخاص بي: ماذا لو تعطلت كل هذه التقنيات؟ كيف أتذكر ما أريد حفظه وأحمله معي في كلّ الظروف؟ ومن جهة أخرى وجدت أنّ الكتابة اليدوية ليست فكرة رومانسية بل حل علمي مثبت. فهناك العديد من الدراسات العلمية تثبت أن الكتابة باليد تحسّن الذاكرة بنسبة تصل إلى ٦٥٪ أكثر من الرقمية وتقلل التوتر والقلق وتحفز الإبداع بطرق لا يمكن لأي تطبيق التفوق عليها.

القرار بالعودة إلى التدوين اليدوي بمثابة طوق نجاة. لم تكن مجرد كتابة، بل كانت عملية تأمل يومية أعادت لي السيطرة على أفكاري ومهامي. في هذه التدوينة، أشارككم نظامي الخاص الذي يعتمد على ثلاث أجندات ورقية مختلفة. هنا نظام بسيط ومرن يمكن لأي شخص أن يتبناه ويعيد به ترتيب عالمه الداخلي والخارجي.

نظامي الثلاثي: إعادة ترتيب الحياة

أحببت هذا النظام لبساطته ووضوحه وربما لسببٍ آخر: رغبتي في تنويع المذكرات التي أدونها لأصنع تاريخي الشخصي بعد حين. وبدلًا من تكديس كلّ شيء في مكانٍ واحد، هذا الفصل بين جوانب حياتي المختلفة يمنحني وضوحًا وصفاء ذهنيًا لا يقدر بثمن. كلّ أجندة لها دور محدد وواضح وشخصية مستقلة وطريقة كتابة وتدوين وأهداف واضحة.

أجندة العمل والمهام اليومية

أسميها أجندة الواقع والأداة التي أواجه بها متطلبات الحياة العملية واليومية. في هذه المساحة أدون الالتزامات وأروض الفوضى لأشعر بالإنجاز! لا يوجد أفكار عشوائية فقط نظرة واضحة على أيامي وجداولها. استخدم في هذه الأجندة مذكرة من موجي للعام ٢٠٢٦ للتخطيط الشهري والأسبوعي. ومذكرة ثانية لمهام العمل والقوائم، والثالثة لتسجيل تفاصيل الاجتماعات وأيّ معلومات تخص المشاريع التي أعمل عليها لأعود لها وقت الحاجة. الدفاتر نحيفة وخفيفة وأبدلها عندما تمتلئ واحتفظ بها في أرشيف خاص.

التدوين والتخطيط هنا له عدة أشكال: في المذكرة محددة التواريخ ابدأ بالنظرة الشهرية في صفحة كل شهر أوزع الأيام الهامة على التقويم والمواعيد وأيّ شيء ثابت ومقرر سابقًا. أضيف خلال الشهر أي مواعيد أو تفاصيل حدثت بلا تخطيط لتذكر الأحداث لاحقًا.

والنظرة الأسبوعية في الصفحات المخصصة لكلّ سبعة أيام ويقابلها صفحة فارغة أضيف عليها التفاصيل الأخرى. في بداية كلّ أسبوع أحدد المواعيد والمهام لكل يوم وفي الصفحة المقابلة أضيف جدولًا للأنشطة البدنية (التمرين-المشي) والعشاءات التي أحددها مسبقًا لتجهيز الوجبات. ومساحة صغيرة أسجل فيها أهم أحداث الأسبوع وما أودّ تذكّره.

في المذكرة الثانية أكتب مهامي كقائمة مطولة بلا تخصيص ولكل يوم عمل أضيف المزيد منها. في نهاية الأسبوع اظلل ما انتهيت منه وأنقل التي لم تتم لصفحة جديدة لأسبوع جديد.

أما المذكرة الثالثة التي أخصصها للملاحظات، أكتب في رأس الصفحة اسم الاجتماع أو المشروع والتاريخ واليوم واملأها بالأفكار. وضوح العنوان في رأس الصفحة يذكرني بالتفاصيل لاحقًا.

أجندة المشاريع الشخصية والأفكار

إذا كانت الأجندة الأولى هي العقل فهذه هي الروح. هنا أطلق العنان لأفكاري وأدون تفاصيل مشاريعي الشخصية التي تعطي الحياة معنى. ليس لديّ أي قوانين ثابتة هنا. واستخدم الصفحات في المذكرات للتالي:

العصف الذهني وخرائط الأفكار: عندما أعمل على ورشة جديدة أو أخطط للمحتوى استخدم الصفحات للتدوين الورقي بدون تخصيص أو ترتيب.

بنك الاقتباسات: هنا أجمع الاقتباسات من المقالات المطولة والنشرات البريدية ومشاهداتي وأي شيء أود تبنيه أو البحث عنه أكثر واكتشافه في المستقبل. أعود لهذه الصفحات عندما أبحث عن فكرة جديدة للتدوين أو بناء مشروع من الصفر.

تخطيط المشاريع: استخدم مذكرة ل٢٠٢٦ نفس تصميم المذكرة في أجندة العمل لكن الفرق هنا أنها مخصصة للمشاريع الإبداعية، ورش العمل، وكتابة المحتوى.

هذه الأجندة ممتعة ومليئة بالألوان والقصاصات وهي انعكاس حقيقي لطريقة تفكيري.

أجندة الكتب وعوالمها

اقتنيت لقراءاتي أجندة جلدية بحجم جواز السّفر. اخترتها صغيرة لأتمكن من حملها في كلّ مكان وأدون رحلتي مع كلّ كتاب. كان لدي مذكرات للقراءات سابقًا لكن توقفت قبل سنوات في المحافظة عليها. أصبحت التقط صور الاقتباسات وأجمعها في هاتفي وبالتالي ضاعت في الفوضى الرقمية. ولأنّ ٢٠٢٥ كانت بشكل جميل السنة التي استعدت فيها شهيتي القرائية وقرأت أكثر من عشرين كتابًا! استعدت أيضا رغبتي في الكتابة عن القراءات وتذكر رأيي حول كلّ كتاب وجمع الاقتباسات والمشاعر التي أمر بها خلال القراءة في مكانٍ واحد.

ببساطة عندما ابدأ قراءة الكتاب افتح صفحة جديدة واكتب في رأسها عنوانه والمؤلف والمترجم إذا كان مترجمًا وتصبح الصفحات التالية سلسلة من التأملات والتدوين. الفرق هنا أن الاقتباسات لم تعد حبيسة ملف الصور في الهاتف المحمول، بل أصبحت أكتبها بيدي وأذكرها. لديّ هدف من هذه التدوينات فهي طريقتي لتحويل القراءة إلى تجربة تفاعلية حتى وإن لم أشارك هذه التأملات مع أحد. ولتلخيص عملية التدوين هنا أتبع المخطط التالي:

ملخصات وأفكار: مع أني أكتب مشاعري وتأملاتي وانطباعاتي حول الكتاب خلال عملية القراءة. إلا أنّ النظرة الختامية اكتبها بعد الانتهاء منه. أكتب ملخص قصير وأهم الأفكار التي خرجت بها.

الاقتباسات: أدون الاقتباسات التي لمستني مع ذكر الصفحة للعودة إليها بسهولة.

قوائم القراءات المستقبلية: أدون في الصفحات في نهاية المذكرة أسماء الكتب التي أود اقتنائها أو قراءتها مستقبلا. فالآن مثلًا أخطط لقراءات العام القادم وأجمع العناوين التي أثارت اهتمامي. أيضا أدون الكتب بنفس الثيمة التي قرأتها أو التي يأتي ذكرها في كتاب آخر أو تشبه أسلوب كاتب أحببته وأود الاستزادة منه.

كيف تبني نظامك الخاصّ؟

قد يبدو نظام الثلاث أجندات معقدًا للوهلة الأولى، لكنه وبعد الاعتياد عليه أصبح مرنًا وممتعًا بالنسبة لي. أعرف أن هناك مكانًا محددًا لأي فكرة تمر في ذهني. أصبح الأمر أشبه بترتيب عقلي ومحتوياته على رفوف ناصعة البياض! يمكنك أيضًا الاستفادة من هذه الفكرة وتكييفها مع حياتك الخاصة وهذه مجموعة من الأفكار للبدء:

ابدأ ببساطة: لا ترهق نفسك بالبحث عن الأجندات والغرق في تفاصيلها. اختر ثلاث دفاتر بسيطة ومناسبة للتنقل والكتابة بأقلامك المفضلة أو حتى البدء بدفتر واحد أو مذكرة مؤرخة وتقسيمها إلى ثلاثة أقسام واستخدام علامات للفصل بين المجالات.

حدد محاور حياتك: ما هي الجوانب الثلاثة الأهمّ في حياتك الآن؟ هل تحتاج إلى تنظيم وتركيز؟ قد تكون العمل والأسرة والصحة، أو الدراسة والهوايات والتطوير الذاتي. اختر المحاور وخصص أجندة لكلّ واحدة منها.

تبنّى عادة يومية: خصص ١٠-١٥ دقيقة كل صباح أو مساء لمراجعة وتحديث الأجندات. ومع الوقت سيصبح لديك طقس ممتع لا تستغني عنه.

بعض الفوضى الملهمة: خاصة في الأجندة المخصصة للتفكير والإبداع. اسمح لنفسك بالفوضى والتجريب ولا تسع للكمال بل ابحث عن التعبير الصادق والاكتشاف.

 

أكثر من أداة تنظيم

ما أحبّه في المذكّرات والتدوين الورقي يتجاوز فكرة التنظيم وتسجيل المهام. هذه التجربة تتطلب البطء والتأمل والتفكير قبل وضع الكلمات على الورق وهذا ما أنشده. البطء في وقتٍ يركض فيه كلّ شيء بسرعة. أتمنى أن يكون نظامي هذا مصدر إلهام لك. وأدعوك لخوض هذه التجربة، واكتشاف نظامك الخاص الذي يعكس شخصيتك واحتياجاتك. وإذا كان لديك تجربة فعلية شاركها في التعليقات لتلهمنا.

.

.

 

١٤ | الكتابة من القاع

“أحيانًا عندما أشرع في كتابة قصة جديدة وأجد صعوبة في إتمامها، أقف متأملا أسطح باريس وأقول لنفسي: لا تقلق! لقد كتبت من قبل وستكتب الآن. ما عليك سوى أن تكتب جملة صادقة واحدة. اكتب أصدق جملة تعرفها. كنت أكتب تلك الجملة ومنها تنبثق الحكاية.”

-إرنست همنغواي

مررت بهذا الاقتباس قبل عدة أيّام وفكّرت في شعور مشابه. أحبّ الكتابة وأنطلق بها أيامًا عديدة بلا توقّف. اتخلص من حبستي وتعود بلا مقدّمات أو إشارة. أكتب في كلّ مكان بسلاسة وانطلاق لكن عندما يرتبط الأمر بالمدونة أفقد شهيتي ورغبتي بمشاركة أيّ شيء. قرأت همنغواي وفكّرت في الكثير من الجمل الصادقة التي أودّ مشاركتها ولتكن هذه التدوينة بوابة العودة للحديث من جديد.

انتهى الصيف رسميًا بالنسبة لي. يمكنني الشعور بذلك في هواء المساء. في تغير حرارة الماء خلال النهار. وفي مزاجي بشكل واضح. ترك الصّيف أثره المنعش بعد المغامرات المتعددة التي كسرت رتابة أيّامي. الكثير من الأحلام القديمة تحققت فجأة وكأنها خرجت من صفحة منسية في مذكرات هيفا المراهقة! كانت أجمل اللحظات حضور حفلة فرقة Oasis   بصحبة أخواتي. أغنياتهم خلفية موسيقية للتسعينات ولم تغادر ذاكرتي أبدًا. لم تكن مجرد حفلة موسيقية. كان المشهد الأكبر: اجتماع أخوين بعد سنوات من الخلاف. يعتليان المسرح معًا من جديد. كانت العودة ممكنة متى ما وجدت الرغبة. وأنا وسط الآلاف من الحضور أحسست أني أعقد هدنة داخلية مع ذاتي.

ما أن هدأ صخب العطلة، وتبعه رحلة سريعة للدراسة ظهر داخلي فراغ مختلف. مشاعر متزاحمة وأولويات غير مستقرة ووحدة غريبة اتخذت شكل منحدر! وفي مواجهة ذلك قررت وضع أوتاد صغيرة في أرضي المضطربة: استعادة الروتين الذي فررت منه. عدت للاستيقاظ المبكر، والقراءة الاجبارية في البدء ولاحقًا استعدت المتعة. النوم المنتظم والغذاء الذي اختاره بتركيز أظهر لي إيجابيات سريعة ضبطت إيقاع جسدي. لم أحاول إعادة بناء كلّ شيء دفعة واحدة. اخترت لكل عدة أيام فكرة جديدة للتبني، كما لو كنت ابدأ من الصفر. وهذا التراكم الهادئ وضع الأسس الأقوى.

استطرد كثيرًا في حديثي وفي كتابتي. قبل قليل ذكرت شعور الوحدة وهو ليس بالشعور السهل وصفه. خاصة إذا كنت شخصًا بدائرة اجتماعية وحياة مزدحمة -في ظاهرها. تغيّرت ملامح العلاقات من حولي خلال السنوات القليلة الماضية. وجوه غابت وأخرى ظهرت. والغريب أني وجدت نفسي في دورٍ مختلف: أصغي أكثر مما أتكلم، أقدم النصيحة أكثر مما أطلبها. تجلّى دور الأخت الكبرى بوضوح. لكن العزلة تنمو بتسارع غير مسبوق. شعور الاستسلام ربّما أمام فكرة انعدام الفهم أو الأسوأ: التغاضي عن فكرة أن تكون مفهومًا. مرئيًا. أظن أنّ هذا الشعور محايد أو ربما أقوله لنفسي. لكن الخبر الجميل والمبهج وسط هذه الزرقة الداكنة، أني أصبحت أكثر تجاوبًا مع المبادرات التي تظهرها رفيقات العمل أو المتابعات لي أو معارفي المشتركة. هناك سعادة من نوع خاصّ أجدها عندما أتصرف بشكل غير متوقّع على الأقل من نفسي. وبالعودة قليلا لموضوع انعدام الفهم: ربما أحتاج لمزيد من الجهد، بدلا من انتظار أن أُفهم تلقائيًا. سيساعدني اختيار شخص مقرب ومشاركة تجربة أو شعور بداخلي بصدق ووضوح. هذا الأمر أفضل من الغياب والعزلة الكاملة. قرأت في نشرة بريدية ذات مرة تقنية لطيفة ساعدتني في تأمل أيامي بشكل أفضل. اكتب في مذكرتي في نهاية الأسبوع “ما تصالحت معه هذا الأسبوع” حتى لو كان أمرًا صغيرًا لا يثير الانتباه. فكرة، أو ذكرى، أو علاقة مضطربة، أو عادة اكتسبتها أو تخليت عنها. تذكرت مع هذا التمرين دفترًا قديمًا اسميته “دفتر التغيير” كنت أدون فيه كل تغيير جديد اعتمده في حياتي. وكلا الفكرتين مهمة في تذكيري بأن التغيير يحدث فعلًا صغر أو كبر.  وأن الحياة تمضي وتتحرك بسرعات مختلفة سواء انتبهت لها أو لم انتبه. والخلاصة من هذه التدوينة المتشعبة كالعادة؟

  • حوّلت وحدتي لمساحة مراجعة وبدأت الفكرة في رحلتي القصيرة لحضور دورة تدريبية. استعدت لذة السفر وحيدة ومع قرصات الوحدة الصغيرة التي شعرت بها دوّنت مشاعري الصادقة التي تبدأ بماذا؟ وتنتهي بـ: هذا ما سنفعله!
  • بناء روتين صغير متدرج.
  • ضبط النوم والغذاء وتحريك الجسد.
  • اختيار التواصل الحقيقي والواعي، حتى لو كان محادثة قصيرة لعدة دقائق. أفضل بكثير من الانغماس بصخب لقاءات اجتماعية مجهدة.
  • ممارسة التصالح الأسبوعي مع أي جانب حياتيّ يحتاج ذلك.

استعيد بداية التدوينة واقتباس همنغواي: “اكتب أصدق جملة تعرفها.” ربما كل ما فعلته هنا هو محاولة صادقة للتوثيق؛ توثيق عودة بسيطة، وتغييرات صغيرة، ومشاعر متناقضة لكنها حقيقية. وربما تكون هذه التدوينة نفسها الجملة الأصدق التي كنت أبحث عنها منذ أشهر.

الكتابة بالنسبة لي لا تعني فقط ملء الفراغ على الشاشة أو الورق، بل هي وسيلة لإعادة ترتيب حياتي من جديد. حين أكتب أستطيع أن أرى الصورة الأوسع: كيف تغيّر إيقاع يومي، كيف عدت للروتين تدريجيًا، وكيف وجدت في أبسط التفاصيل إشارات صغيرة على أنني بخير. هذه التفاصيل عادة ما تضيع وسط زحمة الأيام، لكن التدوين يعيدها إلى الواجهة، يمنحها قيمة إضافية ويذكرني بأنها تستحق أن تُلاحظ.

أشعر أن العودة للتدوين بعد فترة من الانقطاع تشبه الوقوف عند مرآة صافية. أرى انعكاسي بوضوح، أحيانًا يعجبني وأحيانًا يربكني، لكنني في كل الأحوال أتعامل معه بصدق. لا أحتاج أن أُجمّل أو أبرّر، فقط أن أدوّن الأشياء كما هي.

قد لا تكون لدي إجابات جاهزة لكل الأسئلة التي أطرحها على نفسي مؤخرًا، لكن التدوين نفسه شكل من أشكال الإجابة. هو إعلان أنني موجودة، وأنني أتحرك، حتى وإن كانت الخطوات مترددة. وأن التغيير يحدث فعلًا، ليس كقفزة مفاجئة، بل كسلسلة من المحاولات الصغيرة التي تترتب ببطء وتبني أساسًا أكثر ثباتًا.

لذلك، أسمح لهذه التدوينة أن تكون علامة بداية. بداية عودة للتدوين بلا شروط ولا توقعات عالية. بداية لحديث طويل لا أعرف إلى أين سيقودني، لكن يكفيني أنه بدأ. وربما كما قال همنغواي كل ما أحتاجه فعلًا هو جملة واحدة صادقة.

.

.

.

السبت – ٢٠ نوفمبر

خلال الأسبوع الماضي مررت بقراءات مختلفة ويبدو أن الثيمة العامة لها: كيف أعود للتدوين بنفس الحماس ويكون المحتوى متدفقًا وممتعًا لي وللقارئ. لم أتعمد البحث بهذه العبارة لكنها أصبحت الحبل السرّي الذي جمع بين كل المقتطفات.

دفتر كلّ شيء

إذا كانت لدي عادة لم أتركها طوال السنوات التي قضيتها في التدوين وما قبله ستكون: دفتر كلّ شيء! هذا الدفتر الذي أحمل نسخه المتعددة أينما ذهبت:

  • في حقيبة العمل مذكرة بغلاف مقوى وقلم مشدود إليها.
  • على مكتبي مذكرة جلدية قابلة لإعادة الاستخدام والتعبئة بكراسات صفحاتها منقطة. أحب الكتابة وتدوين الملاحظات فيها لكن الكتابة تتحول فجأة لرسم المكعبات وتوصيل النقاط.
  • في حقيبة كلّ يوم دفتر ملاحظات حصلت على نسختين منه في فندق بنيويورك. صفحاته لا تكفي لتسجيل كل أفكاري لكن ارتباطه بذكرى رحلتي يبقيه قريبًا.

في نهاية كلّ شهر أو عدة أسابيع أعود لهذه الدفاتر واتصفحها والتقط ما أجده مهمًا فيها. أحيانا تبدو الأفكار سخيفة أو متقطعة أو غير ناضجة فاتركها ورائي. وأحيان أخرى تصبح هذه الأفكار بذرة لتدوينة أو مقال أو ورشة عمل! بدأت الأسبوع بورشة عمل خاصة حول البدء بالتدوين واستخدام منصة LinkedIn لم يسبق وأن قدمت ورشة على إطار ضيق كهذا لذلك كانت التجربة مختلفة. حددت المحاور والمحتوى على أساس احتياج الحاضرات واختصرت قدر الإمكان لتقديم كلّ ما أعرفه حول الموضوع خلال ثلاث ساعات.

كلّ مرة أقدم ورشة عن التدوين والمدونات يغمرني شعور الحماس والاستعداد للانطلاق والكتابة عن كلّ شيء. صادف اليوم نفسه إتمام مدونتي ١٤ عامًا منذ نشرت التدوينة الأولى فيها. أعدت التدوينة تلك من الأرشيف وما حدث أن مشتركي المدونة تلقوا رسالة بريدية بنشر تدوينة جديدة. بعد قراءتها وقراءة تاريخ النشر الأصلي والأسلوب فيها تأكدوا أنها ليست جديدة تمامًا.

العودة للتدوين

عندما استخدم عبارة البحث «العودة للتدوين» في مدونتي يظهر لي صفحتين من النتائج المتنوعة. القاسم المشترك بينها أنّ الحماس يأتي على شكل مدّ وجزر. أعود وأكتب باتباع أسلوب مختلف لتعزيز قدرتي واستمراري في الكتابة. غالبا هذا ما ينجح معي:

  • العمل على البحث وإعداد المحتوى لفترات ممتدة وترك مرحلة الكتابة الفعلية لوقت متأخر وخلال ذلك أعمل على فرز الأفكار والمحاور لاحتفظ بأهمها.
  • تحديد أهداف نشر أسبوعية (في فترات أفكر في تدوينتين أسبوعيا كرقم قياسي أطمح له).
  • تجهيز المسودات نهاية الأسبوع وترك النشر خلال أيام الأسبوع اللاحقة (تحرير، نشر، متابعة).
  • تخصيص نهاية الأسبوع للكتابة العميقة بلا انقطاع فلا مواعيد اجتماعات مفاجئة أو مهامّ تشتتني خلال يوم السبت مثلا (تقريبا ٧ ساعات من وقت الاستيقاظ لمساء السبت).
  • التحرر من فكرة التدوينة المثالية، لن تحصد كل التدوينات قراءات وتعليقات مثل غيرها. كل فترة هناك تدوينة مميزة وتصل لجمهورها المستهدف. شخصيا في هذه الفترة الهدف من التدوين هو الاستمرار والكتابة كطريقة لمشاركة التجارب والتخفف.
  • مصادر أخرى للبحث عن أفكار أعجبتني: مفضلة يوتوب، دفتر كلّ شيء، الصور المحفوظة في انستقرام، تغريدات بها أسئلة أو تفاعلت مع فكرة نشرتها.
  • الانطلاق في الكتابة عن أي شيء من تجربة شخصية، ومن ثمّ ملء الفراغ بالبحث والاطلاع على وجهات النظر والمصادر الأخرى.
  • اتخيل نفسي أسرد قصة على مستمع. يساعدني ذلك في تنظيم تسلسل الأفكار وبناء الانتقالات السلسة بينها.
  • اكتب بلا تنقيح في مسودة طويلة (أعود إليها أحيانًا للاختصار والتعديل – ليس دائمًا لأني أحب منظر الحشائش البرية غير المقلمة في مدونتي).
  • عندما تتوقف خبرتي في نقطة معيّنة أرشد القارئ بروابط خارجية.

الكتابة عن هذا الموضوع ذكرني بتدوينة جميلة نشرتها الصديقة مها البشر في مدونتها عصرونية، يمكنكم التعرف من خلالها على الكتب التي ساعدتها في إنشاء مدونة والاستمرار بالكتابة فيها. قد تبدو الأفكار أعلاه جيدة وفكرة الالتزام بها كبرنامج إبداعي مفيدة لي كمدونة، لكن ماذا لو لم يكن لدي الوقت أو المزاج أو الأفكار الصالحة؟ تذكرت هنري ميلر ووصاياه الإبداعية عندما أكّد على تجاهل البرنامج إذا شعرت برغبة في ذلك، ولكنه أوصى بالعودة إليه في اليوم التالي: ركّز، اختزل، واستبعد.

photo by David Seymour

.

.

.

السبت – ١٣ نوفمبر

وجدت على مكتبي صباح اليوم عدة أوراق من دفتر ملاحظات تحمل عنوان فندق زرته الشهر الماضي. كتبت في رأسها حصيلة أكتوبر كانت لتكون بذرة تدوينة أنشرها قبل أسبوعين ولم يحدث ذلك. حبسة الكتابة -والتعبير- تزورني مجددًا يبدو أنها مثل عدوى سنوية تأتي في موسم ثابت. صديقتي تقول ربما هذه المشاعر التي يسمونها ب birthday blues أو الحزن المصاحب لأعياد الميلاد. لم أشعر أبدا بالحزن في ذكرى يوم ميلادي حتى في تلك المرات التي حلّ فيها وأنا وحيدة وبعيدة.

هناك شعور بالتباطؤ وأنا اتجه لنهاية العام ما الذي يمكنني فعله في الأيام القليلة القادمة قبل أن تبدأ السنة الجديدة؟ إعادة تهيئة؟ كتابة قائمة أهداف مختلفة؟ أو الجلوس والانتظار؟ قدمت طلب إجازة للتخفف من الأيام الكثيرة التي جمعتها خلال عام الجائحة والتي لا يمكنني ترحيلها للمرة الثانية. تزامنت الاجازة مع بدء دورة للكتابة عن الفنّ أقامتها دار سوذبيز للمزادات بالتعاون مع معهد مسك للفنون في الرياض. كانت خمسة أيام منهكة وممتعة في نفس الوقت تعلمت فيها مزيج من المهارات الجديدة والقديمة لكن أكثر ما أسعدني هو التعرف على مجموعة من المتحمسين للكتابة والفنّ معًا. البعض جمعتني بهم منصات التواصل الاجتماعي أو ورش عمل قدمتها سابقا أو علاقات مهنية مشتركة.

انتهت الدورة يوم الخميس الماضي وحملت معي منا قصص جديدة ونظرة مختلفة. أما الكتابة التي خاصمتني لأسابيع تدفقت تحت ضغط التمرين والمشاركة. عرفتُ أنها نافذتي الوحيدة عندما أقفل كل نوافذ التواصل والاكتشاف وستكون دائمًا الهدية التي أشكر الله عليها كلّ حين.

ماذا عن أوراق الملاحظات التي حملتها معي؟ كتبت فيها نقاط سريعة وتأملات أنشرها هنا بلا تنقيح:

  • الجمعة ٨ أكتوبر، الميلاد والحفلة وحضور فيلم جيمس بوند الجديد وطقم الملابس المريح الذي اقتنيته ليذكرني باليوم. طلبت من أخواتي الكعكة التي أريدها بالتحديد: كعكة ميلاد تشبه كعكات السوبرماركت التي كان والديّ يشتريانها في الثمانينات احتفالًا بنا. أردت احتفالية بسيطة وغرقت في باقات الورود والأمنيات الطيبة والهدايا غير المتوقعة!
  • زرت مكة المكرمة وأديت العمرة في الأسبوع الثالث من أكتوبر. كانت هذه الرحلة برفقة والدتي التي شاركتني الانفصال عن كلّ شيء والتوقف وغسل أرواحنا. سأحتفظ بذكرى هذه الليالي حتى أعود إليها مجددًا. ولن أنسى اللحظة التي وضعت فيها جبيني على سجاد المسجد لتغمرني رائحة الورد وتمدني بالسكينة التي احتجتها لسنوات. قرأ الامام في صلاة المغرب حتى وصل «لا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها» ووقعت في قلبي تمامًا.
  • نهاية الشهر زرت المنطقة الشرقية لحضور افتتاح موسم تنوين الذي ينظمه مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي «إثراء». وصلتني دعوة الحضور بصفتي مدونة وحضرت مع مجموعة من العاملين في المجال الإعلامي. يمكنني ملاحظة الاختلاف بين المدارس التي ننتمي إليها. أنا جئت من مدرسة التدوين -إذا كان هناك شيء بهذا الاسم- وأشارك تجاربي وقصصي الشخصية في قالب مختلف جدًا عن الصحف والمجلات وقنوات التلفزيون والراديو. تعرفت على زميلات جدد وتبادلنا الأحاديث الممتعة خلال ساعات تنقلنا وحضورنا المؤتمر. كانت الرحلة هذه فرصة للقاء الأصدقاء بعد غياب امتد لسنة أو أكثر.

قراءات: انهيت قراءة رواية عمر طاهر «كحل وحبهان» ممتعة ولذيذة جدًا! وقرأت كتاب آخر عن أدب الرواية والكتابة غير الواقعية fiction بشكل عام للمؤلفة Alice McDermott بعنوان: What About the Baby? الكتاب يستعرض تقنيات متنوعة ويطرح أمثلة للتأمل والتحليل.

مشاهدات: وثائقي «دماء على نهر السين – بين فرنسا والجزائر» يحكي قصة أحداث مجزرة باريس عام 1961 التي نفذتها الشرطة الفرنسية ضد مئات المدنيين الجزائريين العزل.

.

.

.

كيف تنشر تدويناتك وتسوّق لها؟

يواجه المدون عقبة صغيرة بعد إتمام العمل على تدوينة جديدة، وهذه المشكلة مرتبطة بالانتشار والتسويق. أين أصل للقراء وكيف؟ ما هي الخطوات التي يجب عليّ اتباعها؟ وغيرها من الأسئلة. أنت لا تحتاج للإعلانات المدفوعة -على الأقل في بداية المدونة. إنما يمكنك الوصول لشريحتك المستهدفة والامتداد خراجها بواسطة أفكار مبتكرة -ومجانية.

  • البدء بنشر رابط التدوينة عبر منصات التواصل الاجتماعي واقتراح مشاركتها مع المتابعين المهتمّين.
  • الاستفادة من شبكة معارفك ومشاركة الرابط معهم وتوجيه الدعوة لهم لمشاركته.
  • المشاركة بالتعليق وإعادة النشر في مدونات أخرى لبناء شبكة قرّاء جيدة وهذه ميزة لطيفة في التسجيل للتعليقات بأنك تكتب بريدك الإلكتروني ورابط مدونتك وما إن يُنشر تعليقك حتى يمكن لكل القراء الوصول إليك.
  • بدء نشرة بريدية وإرسال التدوينات ومشاركتها من خلالها.
  • البحث عن منصات رقمية أخرى غير الشبكات الاجتماعية كالشبكات الاحترافية، ومواقع الأبحاث والمقالات المتخصصة في حال كنت تكتب في هذه المجالات.
  • استضافة مدونين وشخصيات أخرى للكتابة أو نشر المقابلات الشخصية معهم. هؤلاء يملكون قاعدة متابعين مختلفة وهذا يعني وصولك لشريحة جديدة.
  • الاستفادة من المواسم للمشاركة بتدويناتك وإن كانت قديمة (إعادة نشر تدوينات عن فصول السنة، أو الأعياد، أو شهر رمضان)
  • تضمين كلمات مفتاحية جيدة في التدوينات وعناوينها لزيادة عدد الزيارات.
  • متابعة المنافسين والتعلم من أساليبهم وربما اكتشاف زوايا لم يقوموا بتغطيتها من ثمّ الكتابة عنها لتحظى بالوصول من محركات البحث.
  • إتاحة أزرار المشاركة في التدوينة يسرّع من تسويقها (بالإضافة إلى منصات التواصل الاجتماعي يمكنك إتاحة أزرار المشاركة في تطبيقات المحادثة مثل Telegram، Whatsapp، وغيرها).
  • صياغة وتصميم التدوينة بطريقة ذكية تتيح إعادة نشرها على المنصات الرقمية المختلفة (انستقرام، بينترست، بودكاست)
  • إعادة النشر أكثر من مرة سواء كانت تدوينات جديدة أو قديمة.
  • اختيار أوقات النشر المناسبة للفئة المستهدفة (الطلبة لهم وقت، موظفو الشركات لهم وقت، وهكذا)
  • كتابة منشورات على منصات التواصل الاجتماعي كل فترة وتضمين رابط للتدوينة أو وسوم Hashtags  مناسبة لها.
  • تثبيت التغريدة المرتبطة بالتدوينة الجديدة في الملف الشخصي لعدة أيام.
  • مشاركة رابط التدوينة للإجابة على استفسارات في نقاشات على الشبكات، أو مواقع الإجابة على أسئلة مثل  Quora
  • صناعة الشراكات مع الكتّاب، الشركات، ونشر تدوينات تعاونية تزيد من نسبة المشاركة والوصول.

الصورة من Unsplash

.

.