فاصل هادئ

١

أكتب هذه التدوينة من غرفتي بعد انقطاع أسبوعين عن الصباحات فيها.

كانت العودة لمقرّ العمل مؤقتة بسبب مشاريع تحتاج حضور وتفكير جماعي. واليوم من جديد في غرفتي والنافذة مفتوحة تنقل أصوات العالم الخارجي والشمس منعكسة على المرآة الضخمة وقطّتي فزِعة من ظلها المنعكس على السقف. تهاجمه تارة وترتمي على البلاط تارة أخرى لتراقب ذيلها وهو يرقص مع انعكاس أشجار الجيران. حفلة ظلال ونور. المؤجر الذي نسكن في بيته يسكن ملاصقًا لنا، وكأن غرفنا امتداد لغرفهم. يمكنني سماع كعب الفتيات المتأنقات مساء. وفي وقتٍ آخر يشاركني الأطفال المتخمين بالسكّر أحلامي وأفكار ما قبل الغفوة. يركضون ويقودون دراجاتهم ويضربون الزجاج بالكرة. لقد اعتدت على هذا الصخب لدرجة أني احتاج التعود تدريجيا على النوم في غرفة هادئة كلما ابتعدت عن غرفتي. من النافذة يصلني صوت الجدة والأم والحفيد -أو الحفيدة-. إنه الموعد اليومي لتعرضهن للشمس مع الرضيع. صوت طفل يلعب، وأم وجدة يناغينه. موعدهم ثابت ويتحرك قليلا مع تحرك الشمس وحالة الطقس. يؤنسني وجودهم وكأنني جزء من شرفتهم الممتدة. وتنتهي هذه الفقرة الممتعة بعودتهم للداخل مع أذان الظهر الذي يتبعه تشغيل آلات الحفر والتكسير في الحارة. الأرض التي كانت مثل مساحة تنفس أمام شارعنا تتحول تدريجيا لبناية ضخمة.

٢

لقد كانت النيّة الأساسية من توقفي العودة للداخل والتفكير في كلّ شيء.

ذهبت في العمق للإجابة عن الاسئلة التي تركتها مرشدتي بين يديّ منذ سبتمبر الماضي: ما هي التزاماتك في الحياة؟ وما هي الأشياء التي تفعلينها بحبّ وعفوية؟ بمجرد أن أوقفت زرّ التشغيل للمشاركة كأنني دخلت في فقاعة تخصني وحدي. حتى أثر الشبكات الاجتماعية تغيّر فورًا. تخلصت من هلع فوات الأشياء والقصص. والحقيقة أنني لم أنقطع تمامًا عن دخول حساباتي على الشبكات الاجتماعية. واخترت قائمة مختصرة من الأصدقاء، والفنانين والمدونين الذين أحبهم وأطلّ عليها من وقتٍ لآخر، فما من سبيل للاقتراب منهم إذا أقفلت كلّ الأبواب. الجديد في الموضوع أنّي اخترت المشاهدة والتحليل وحبس اللحظات بداخلي دون الحاجة للتعليق أو التفاعل، أو إعادة المشاركة. عدت لمتعة المكالمات الهاتفية الطويلة، وزيارات المنازل وفناجين القهوة الملونة. صحيح أن العالم كان تحت تأثير الجائحة، ولم يتغير شيء. لكن ذهني كان حاضر ومستعد ومتحمس أكثر. فتحت قوائم رغبات قديمة وهوايات ومشاريع. وعدت لإتمام الفصول المتبقية من كتابي الذي أملت أن يظهر للنور العام الماضي، وربما كان تأخيره فكرة جيدة!

٣

بجانب مكتبي لوحة ملاحظات أثبّت عليها القصاصات والصور العائلية والذكريات. وأحيانًا أترك عليها أوراق ملاحظات دوّنت فيها أفكار خلال العمل لأعود إليها.

في إحدى أيام نوفمبر وبينما أنا منهمكة بالعمل والكتابة التفتت للوحة وانتبهت لقصاصة مخفية خلف الصور والبطاقات. كتبتُ عليها بالإنجليزية: How would it feel without obligations or limits? كيف ستشعر بلا التزامات أو حدود؟ من الورقة أعرف أنها مكتوبة بين ٢٠١٧- وبداية ٢٠١٨. كيف عرفت؟ لأني أذكر دفاتر الملاحظات وأحبّها. أظنها كانت مرتبطة بورشة “كيف تصمم يومك المثالي؟” لا أذكر الآن، لكن السؤال اللطيف أعادني لسؤال المرشدة. وحاصرتني هذه الفكرة -بشكل جيد- خلال الشهرين الأخيرة من العام. إن التوقف عن المشاركة والكتابة والنشر في المدونة أظهر لي إلى أي مدى أصبحت منغمسة في القراءة والبحث اليومي عن مواضيع يمكنني الكتابة عنها. لم تكن مرتبطة باهتماماتي الحالية، والدليل أن توقف التدوين صاحبه القراءة في مواضيع مختلفة. هل اتضح لكم مقصدي؟ كنت أقول لأخواتي: هل أنا أقرأ هذا الكتاب لأنني أريد قراءته الآن أم لأنّ المتابعين يرغبون في معرفة محتوياته وما إذا كان ممتعًا؟ هل أنا أشاهد هذا الوثائقي أو المسلسل لأنني في مزاج للمشاهدة أم لأنه جديد وقد يكون نشر مراجعة حوله فكرة ممتازة؟ وهكذا كانت الأسئلة تستدرج المزيد من الأسئلة وأنا أتأمل وابتسم واكتشف. لقد حولني العمل في التسويق وصناعة المحتوى الرقمي إلى وحش أرقام! كانت مدونتي وحساباتي على الشبكات الاجتماعية مساحة لاكتشاف أفكار التسويق التي أطبقها على العملاء. أقول لقد نجحت الفكرة والدليل إليكم يا أعزائي هذه الاحصائيات المذهلة! التركيز في الموضوع سبب لي الغثيان في بعض الأوقات. عدت لأرشيف المدونة وبدأت بقراءة التدوينات للتحقق من صحة مشاعري واكتشافاتي. وجدت أدلة عملية كثيرة. المدونة في وقتٍ ما ستكون صالحة لدراسة حالة، كيف تحول هواية إلى عمل تكرهه، أو كيف تصنع ملف إنجاز من تدوينات شخصية وتتحول إلى روبوت. إلخ.

حسنًا بالغت! كثير من التدوينات لها طابع شخصي حميم وأحب العودة إليها لأتذكر أنّ التدوين بهذه الطريقة يشبه الكتابة في مذكرتي الورقية. تصلح هذه الفكرة لتكون بوصلة أو مرساة تعيدني كلما ظللت الطريق. والآن ماذا؟

٤

في الفترة الماضية تحوّلت بالكامل إلى التعلم والترفيه الشخصي. أقضي ساعات اليوم في العمل وفي المساء استرخي، واتابع المسلسلات، وأحيانًا أقرأ لو وجدت كتاب ممتع. بدأت أيضا القراءة المتخصصة حسب الحاجة، إذا تطلب العمل ذلك أو رغبت بتطوير جانب من حياتي. الكتب دائمًا فكرة جيدة، وتأتي بالنسبة لي قبل مشاهدة الفيديوهات والاستماع للبودكاست. أصبحت اتعامل مع العالم الرقمي من حولي وكأنه أداة مساعدة، أو مكمّل غذائي. وتعلّمت أن أحصل على القبول والمكافآت بشكل ذاتيّ، وبالتالي خفتت تدريجيًا الأصوات التي تطالبني بالنشر لجمع الأرقام والإعجابات لاحتفل في نهاية اليوم بمنجزي. لم أضع الكثير من الضغوط على يومي واخترت قائمة قصيرة جدًا أشطب نقاطها قبل الغفوة مساءً. أصبحت كمن يتعلم هواياته من الصفر، أعود لكلّ شيء بعين جديدة ومشاعر مختلفة. وكلما شعرت بأنني انزلقت لاكتناز المعلومات والركض بين الصفحات، اتحقق من بوصلتي واسترخي.

الشيء الممتع في الموضوع: ارتفع معدّل الإنجاز بشكل ملحوظ! والمهامّ التي تحتاج مني يومين إلى ثلاثة أجلس لإتمامها خلال ست ساعات أو أقل.

٥

مع نوفمبر تغيّرت أشياء كثيرة. استعدت شهيتي للحياة بعد أن فقدتها في منعطف ما خلال السنة. جربت أشياء جديدة، وعدت لحماس الانتظام على فكرة أو تغيير حتى يصبح عادة. لم يكن هناك ممانعة شديدة كما واجهت في الأشهر الأولى. هدوء عامّ وغامر. وتذكرت عندما بدأت السنة وفي مجموعة من الأصدقاء عبّر كل شخص عن هدفه من العام وأذكر جيدًا أنني قلت: السلام أكثر من مرّة، وربما أشرت للحبّ والبحث عنه. اليوم أنا أحبّ نفسي أكثر من أي وقتٍ مضى، وأشعر بالسلام بعد عاصفة طويلة. أعمل بمبدأ قيادة السيارة بلا مرآة خلفية Rear-View mirror، أذهب للأمام فقط ولا ألتفت. لأن الالتفات سيكون كارثيّ على التركيز.

٦

الفاصل الهادئ يضعك بمواجهة “دراما” الأيام التي تظن بأنك تتفادها بالتخلص من أشياء تحبّها أو استبعاد هواية أو نشاط تحمّله وزر هذا التعب والفوضى. تكتشف أن المشاكل لا تختفي بمجرد أن أغمضت عينيك أو وضعت اللحاف على رأسك. وللأسف في أحيان كثيرة ستستيقظ لتجدها تتمطى على حافة السرير وتنتظر الخروج معك. هل حللت كلّ مشاكلي؟ لا. لكن أعدت ترتيب مساحتي ورأسي وتنفست قليلًا وكتبت كثيرًا لأصل إلى مكان جيد في نفسي. بدأت التنظيف من زاوية الغرفة وانتهيت بزوايا قلبي. نظفت الخزائن، وأعدت تدوير كلّ شيء ممكن تدويره، وجمعت الملابس التي ستجد بيتًا جديدًا لها. وانتقل التنظيف من غرفتي لغرفة الحمام المشتركة بيني وبين أختي، وضحكنا كثيرًا عندما وجدنا علب شامبو ومنتجات للشعر انتهت من ٢٠١٣، والمفزع في الموضوع ليس كونها انتقلت من الجبيل للرياض وحسب، بل تنقلت بين ثلاث بيوت! وغيرها الكثير من العلب التي جاءت كهدايا، أو عرض تسويقي لنجربها ونكتب عنها وهذه حياة أخرى. أصبحت مساحتنا ونظيفة وتشبه تخففنا الذي نطمح إليه. تشبه أيامنا التي نحاول عبورها بأقل فوضى ممكنة. لقد أفرغت خزائني لدرجة أن الحديث في الغرفة أصبح له صدى خفيف. وفي أيام أخرى سيكون السؤال: متى نملأها مجددًا؟ لكنني عازمة ألا أفعل. وإذا أمكنني التخفيف من الأشياء حولي بشكل أكبر سأفعل. الحياة مع كورونا أجبرتني على تخصيص مساحة عمل أكلت ربع الغرفة تقريبًا، وربما مع تحسن الأوضاع (المادية والعالمية) سأبحث عن مكان أنقل له مكتبي ومكتبتي بحيث تكون مساحتي مخصصة للنوم والراحة فقط.

٧

يعيد الناس اختراع أنفسهم دائمًا.

فكرت في اللحظة التي سأقرر فيها العودة للحديث والكتابة -العلنية- من جديد. بعد الثامن من أكتوبر والتدوينة الأخيرة قبل الانقطاع، فكّرت في التدوين كلّ يوم. كل شيء أمامي كان موضوع مهمّ للتدوين وكلما عبرت فكرة لذيذة ذهني واستيقظ شعور مخالف للضجر الذي أطبق على نفسي أضحك. أضحك لأنّني ولو رغبت باستدعاء كل هذه القصص لم تأتِ. وبمجرد أن ذهبت لمكان آخر، مكان يغلب عليه الصمت والتأمل، استيقظت الحكايات وتجمّعت في حلقي!

هذا الأسبوع أكملت مدونتي ١٣ عامًا. أحبها كثيرًا ولم أطق الابتعاد لأكثر من شهرين عنها.

فأهلًا بالعالم من جديد.

.

.

.

الفصل ٣٨: إلى لقاء

ظهرت الفكرة في البدء مثل إعلان لعطلة ساحرة، أو بوستر دعائي لشواطئ معزولة بنخيل وثمار جوز هند وسيّاح رائقون ينظرون للأفق. قاومتها طويلًا. وكنت أحيانًا أفكر ماذا لو فعلتها في ظل الجائحة؟ شاهدت الكثير من الأفلام والمسلسلات وقرأت القصص التي يستغل أبطالها كارثة عالمية للاختفاء تمامًا والعودة بهوية جديدة. كانت الفكرة درامية لذلك لم أعطها الحيز الذي تريد. بالإضافة إلى أن شهور الجائحة الأولى وضعتني في مأزق، مأزق الرغبة بالكلام والمشاركة والانشغال عن كل ما يحدث في العالم بالتدوين. مرت الأيام وبدأت رحلتي الخاصة في الاستشفاء والبناء. مرت الأيام واكتشفت الملفات المفتوحة والمرفوعة على رفّ أقصى في روحي. حان وقت علاجها وإقفالها.

لقد كانت عشرة أشهر كابوسية، وسعيدة، وملونة في نفس الوقت. هذا التأرجح لم يكن بسبب تأرجح مشاعري أو خلل فسيولوجي أثر على عقلي. إنها الحياة! قرأت قبل مدة مقالة أضعت الطريق إليها واحتفظت بجملة منها كتبتها في مذكرة اليوميات “يعيد الناس اختراع أنفسهم دائمًا.” وكأنني أعطيت نفسي الإذن بالبدء. كتبتها في يونيو الماضي بلا تعليق، فقط الجملة وتاريخ اليوم وتركتها. لقد توقعت كل هذا منذ سنوات، أن أصل للحظة مفصلية كهذه.

في البدء كان الانتقال لمدينة جديدة، ثم تغيير مسار العمل، ثم تغييره من جديد بشكل كلّي وتوديع كل ما يربطني به – إلا إذا استثنيت الاستشارات والتدريب-. لقد كبرت، وتغيرت، وتعلمت، وتوصلت لمفاهيم جديدة. يعيد الناس اختراع أنفسهم في الجانب المهنيّ بشكل دائم، بشكل هادئ، يبدأ بتغيير السيرة الذاتية، عدة دورات تدريبية هنا وهناك، وفرصة جيدة تتيح لهم القفز لمسار عمل جديد.

لكن ماذا عن الجانب الشخصي؟

أمرّ بأوقات صعبة منذ بداية العام، أحاول تفكيك نفسي وإعادة تركيبها، أحاول فهم نقاط الانفجار، لماذا حصل هذا؟ وكيف يمكنني علاجه؟  حصلت على مساعدة جيدة. وهذه المساعدة تدفعني للتفكر، والتأمل، وترتيب الأولويات. وقد وصلت لقمة الهرم الآن. احتاج فاصل تنفس طويل! أشعر بالضجر من الكتابة، والمشاركة، والتصوير، والحديث عن اليوميات والتجارب، كلها مجتمعة. أشعر بالضجر من الركض بين التغريدات ونوافذ انستقرام البراقة. لم استخدم هذه الكلمة لمرتين متتالية ربما لأنني كنت أخجل من الاعتراف بالملل. لكن هذا هو الشعور الغامر الآن.

احتاج فاصل تنفس طويــــــــــــــــل.

سأتوقف عن التدوين، والتسجيل، وتصفح الشبكات التي أجدني في نهاية اليوم ألهث حرفيًا من كمية المعلومات التي أثقلت كاهلي بها. هل من وقت محدد؟ لا أعلم! والآن تذكرت في بداية ٢٠١٧ عندما صرحت بأنني سأترك تويتر بلا عودة، رجعت للتدوينة وضحكت من حماسي وجهلي لما سيحدث لاحقًا. عدت وبقوة. لذلك لن أضع لنفسي إطار زمني. أنا لا أكتب هذه التدوينة بحثًا عن تعليقات أو محاولات لتثنيني عن الخطة، لا أبدًا. هذه رسالة شكر واحترام للقراء والمتابعين، وهي فرصة لأشارككم محاولتي في إيجاد طريقة أفضل للعيش.

وأنا احتفل بعيدي الثامن والثلاثين، قررت الابتعاد لإيجاد إجابات لنفسي. لإعادة اختراعها من جديد، لأحبّ نفسي، وأسامحها. ستكون المدونة متاحة لقراءاتكم ورسائلكم، كذلك المحتوى الذي نشرته سابقًا على تويتر، وانستقرام. سأبقي عليها لأنها مجتمعة حصيلة ١٣ عامًا من القصص والصور والتجارب التي ابتهج شخصيًا بالعودة إليها.

شكرًا لكم، شكرًا لكل الحبّ والمتابعة والدعم والتشجيع.

.

.

.

لو الحياة رفوف سوبرماركت

١

“مهذبون جدًا وكلامهم مصفوف بعناية كأنّه صينية حلوى. لا يتكلمون في السياسة، أو الاسقام، أو الاقتصاد، أو أي شيء قد يعكر كدر المساء. هادئون، يتبادلون القصص اللطيفة، وتجارب الحياة.” لديّ ملف أكتب فيه مشاهد من الحياة، لا تنتمي لشيء، يوميات للمستقبل أو تصورات للحياة بشكلها المثالي. وقبل عدة أيام وبينما أبحث عن فكرة قديمة وجدت هذه السطور، قرأتها وتذكرت السياق الذي كتبتها فيه، كنت أتخيل شكل حوار عائلة في أمسية ما وهذا الوصف الذي خرجت به.  

٢

طلبت منّي مرشدتي تنفيذ مهمّة للأسبوعين القادمة، أعتقد بأنها طريقتها في التعرف على شكل علاقاتي والروابط المختلفة وأين أقع من كلّ هذا. تقتضي المهمّة كتابة وصف للإنسان الجيّد ما هي صفاته؟ كيف يتعامل مع الآخرين؟ كيف يعيش حياته؟ شيء مثل خريطة أو دليل إرشادي للإنسان الجيد وأنا لا أقول كامل لأن الكمال مستحيل. ومن جهة أخرى طلبت مني كتابة قائمة -طويلة إن أمكن- للالتزامات التي ربطت نفسي بها. ما من حدّ لهذه القائمة، التزامات العمل، الالتزامات الشخصية، الالتزامات في العلاقات. الهدف هو مدّ هذه السجادة الضخمة أمام عينيّ واكتشاف المواضع التي كانت الالتزامات فيها “ورطة“. بالإضافة إلى تأثير ذلك على علاقاتي خصوصًا، هل الالتزامات مرهقة؟ هل أطالب بمقابل؟ هل تعني هذه الالتزامات رفع سقف التوقعات مع الآخرين وبالتالي الشعور بالإحباط؟ متحمسة لإتمام التمرين ومتحمسة للنتيجة والتحليل.

٣

أحبّ رحلة التسوق في السوبرماركت، ولعدة أشهر مضت كانت تمثل الرعب الحقيقي، أذهب سريعًا والتقط احتياجاتي وأعود للمنزل. كانت رحلة السوبرماركت قبل كورونا رحلة التأمل الأسبوعي، والوقت الذي اختلي فيه بنفسي تمامًا. لا شيء سوى أنا وقائمة التسوق والرفوف. في الأيام الرائقة، أقضي الوقت في قراءة الملصقات لمنتجات جديدة لا اختارها عادة، أو ألمح من يحتاج مساعدة من المتسوقين وأمدّهم بها. وخلال الأسابيع الماضية عدت تدريجيًا لهدوء التسوق المعتاد، كورونا لم تغادرنا لكن خوفي فعل. هل سبق وفكرتم في الحياة كما لو كانت رفوف سوبرماركت؟ تنتقي المنتجات الأجود، تنحاز للخضروات التي لا تفسد سريعًا، تختار غذائك بسيط المكونات واضح المعالم، تبتعد عن كلّ ما زاد تصنيعه وجهلت مكوناته. والقائمة تطول طبعًا. ضحكت من الفكرة، وحدثت نفسي من جديد أفكك الأشياء وأبحث عن تفاصيل بعيده.

٤

عثرت على مذكرات من العام ١٩٩٧، كنت حينها في الصفّ الثالث متوسط. قرأت وضحكت وبكيت. تبدو هذه الإنسانة بعيدة وغريبة، ما زلت أشاركها الكثير من الاهتمامات والتفاصيل، لكن الأشخاص التي تحدثت عنهم وكأنهم أصدقاء الأبدية غابوا في النسيان. تحبّ فرقة Oasis البريطانية وما زالت، تحلم بزيارة اسكتلندا وفعلت بعد عشرين عامًا بالتمام، وتتابع بحماس حلقات مسلسل Law and Order المعادة عشرات المرّات. قرأت عن رعبها من نقصان الدرجات، ونوعًا ما نبهتني لتعلقها الشديد بالاعتراف بالامتياز، واتقان الأشياء، ربما كانت هذه طريقتها في الشعور بالحبّ والاهتمام، أن تحرز الدرجة الكاملة!

أزرق ممتد

لم أكن متأكدة بشكل قاطع من ارتباط حياتنا اليومية بالكوابيس التي نراها خلال نومنا، حتى توقفت مؤخرًا أحلام السيارة المنطلقة على الطريق وأنا مرتبكة أبحث عن حلّ لإيقافها أو قيادتها ولا أستطيع! أصبحت الأحلام أكثر وداعة، الآن هيفا تبدأ بتشغيل السيارة، تعرف أي الدواسات تستخدم، وتنطلق على طريق ولا تسقط من هاوية. والسبب؟ هو دروس تعلّم القيادة التي تلقيتها في مارس الماضي، أما الرخصة والاختبار ذهبت في النسيان مع إقفال كلّ شيء.

ما هو الكابوس الذي تخلصت منه في أغسطس؟ كوابيس البحر المائج. لقد فعلتها أخيرًا وركبت الماء وأقول الماء لأنني لم أكن في قارب، صغير كان أو كبير على امتداد حياتي. نعم عشت لثلاثين عامًا في مدينة ساحلية، لكنني كنت دائما على الساحل. لذلك ولدت كوابيسي، من المدّ الهائل، للموج الذي يغمرني، للظلمة الممتدة وأنا لا أسبح ولا أغرق. نعم أنا واعية للتفسير خلف رموز الأحلام، وربما هي مسائل من الحياة لكنها تظهر على شكل بحر، أو أسد، أو حتى عنكبوت. لكنني تخلصت من كابوسي الحقيقي، وقضيت عدة أيام في البحر. كانت مثل حلم هادئ. وقد تخوفت من احتياجي لعلاجات الغثيان لكن الموج كان لطيفًا. وأدرك اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى إلى أي درجة أحب البحر. وإلى درجة احتاجه في أيامي. وستة أشهر بعيدة عن رؤيته أصابتني بشوق غريب. شوق الذي يغمض عينيه ويرى أزرق ممتدّ في كلّ مكان، ويسمع صوت نوارس ولا يراها في مدينته الصحراوية.

ركبت البحر وحصلت على عدة ليالٍ بعيدًا عن المنزل وهكذا كسرت تعهدي بعدم الذهاب إلى أي مكان حتى تنجلي الجائحة أو يُعرف لها علاج. كانت الرحلة مزيج من عمل وترفيه، ولكن أيضًا كان لديّ خيار رفضها أو تأجيلها. لم أفعل. وتزامن ذلك مع قراءة لمقالة صادفتها في هارفارد بزنس ريفيو خلال أغسطس الماضي.

المقالة في المجمل تتحدث عن ضرورة الحصول على إجازة، حتى في هذه الظروف، وتطابقت أفكار المقال مع ما بدأت ترويض نفسي عليه: لن تكون الرحلة كما خططتِ لكّنها فرصة لتغيير المناظر والبشر.

في المقال نصائح متفرقة عن كيفية تحقيق هذه الخطة، ومن الممكن ألا تكون سفر بالمعنى الحقيقي (ركوب طائرة، أو قطار، أو سيارة) قد تكون ليلة في فندق قريب في مدينتك، أو نهاية أسبوع بصحبة أقاربك. المهمّ هو ألا تتنازل عن فكرة الراحة والاستجمام.

أغسطس كان شهر اليقظة، أن أكون منشغلة تمامًا بشيء، بعيدة عن منزلي وأشيائي المألوفة، عن زاوية التأمل التي أقضي بها نهاية النهارات، ثم يغمرني شعور هائل، أريد أن أعود الآن للمنزل، أريد أن ابدأ شيء، أن انتقل لمكان، لا أعرف ما هو لكنّه شعور موجود وملحّ لتغيير كلّ شيء. هل سبق وشعرتم بهذا؟

هل كانت هذه حصيلة الخروج الأول للحياة؟ حصيلة إيقاف القلق والهلع للحظات لنتخيل العالم بلا جائحة؟ نلتقي بأحبتنا ونتذوق أطايب الحياة، نتسوق ونمشي في ضوء الشمس، نتأمل أضواء المساء في مدينة بعيدة. نعم قد يكون هذا هو السبب، كنت فقط بحاجة للنوم ليلة واحدة بعيدًا عن حبسي الفيزيائي والمعنوي.

الرفض والبدء من جديد

تزورني كثيرًا فكرة الرفضهذا الشعور الذي يأتي بمثابة حاجز، أو تحويلة إجبارية في الطريق. ونحن، إما أننا نواصل ونقاوم هذه العقبة أو نستسلم ونعود أدراجنا. والرفض يأتي بأشكال كثيرة، فهو مرة مقابلة عمل تحولت إلى منحدر ورسالة إلكترونية تفيد باستبعادك. ومرة صمت ممتد لا يمكنك تفكيكه أو فهمه بطريقة أخرى غير أنّه رفض متأنق. قد ترفضنا العلاقات وتنتهي، وقد تستغني عنّا جهة العمل فجأة وبلا إنذار. كلّ هذه المواقف رفض. وبعد أن مددت خطتك ورسمت كل اتجاهاتها بحذر يأتي الرفض وكأنه طفل مشاغب، يقلب كلّ شيء ويقول: هاه ماذا ستفعل الآن؟ في كثير من المرات شعرت بأنّ الرفض نهاية كلّ شيء، واحتجت لوقت طويل لاستيعاب طريقي وخطتي من جديد. لكن، مع العمر والتقدم في الحياة واكتساب الخبرات، قررت أن أمنح نفسي وقفة قصيرة فقط لإعادة التهيئة والانطلاق من جديد. وفي أحيان كثيرة ويا لدهشتيكان الرفض أجمل عقبة وجدتها في طريقي، ورضيت وقنعت بأقدار الله، لاكتشف أنني ما كنت لأرى هذا المنظر الجديد، ما كان لي أن أجد ضالتي لو لم يكن الطريق مقفلًا في وجهي للحظات.

صحيح الرفض متعب، ومخجل أحيانًا سأستطرد قليلًا هنا: تذكرت رسائل الإعجاب التي بعثتها لأشخاص لم أجد منهم سوى ردود غريبة أو مجاملة سببت لي المغص بدلًا من الفرح ودارت الأيام وتقاطعت طرقنا في عمل أو علاقات مشتركة. كيف تتوقعون أنني تعاملت مع الموقف؟ نسيت رسائلي تمامًا. كان الرفض موجعًا وقتها، لكن الآن أفكر بجدية: الحمد لله أنّ الرد لم يكن بالقبول والموافقة، ربما لم نكن متوافقين تمامًا، وربما كانت تصوراتي الحالمة عن هذا الشخص هي ما قادتني بالدرجة الأولى لكتابة الرسالة. وعلى أيّة حال، لم تتغير فكرتي عن المبادرة، وربما سأفعلها مرة واثنتان وثلاث.

ما الذي وجدته مفيدًا للتعامل مع كلّ أشكال الرفض؟

  • الوعي بمشاعري والاعتراف بها، لا أهمشها ولا أقمعها ولا أقاومها بشدة. إذا كنت حزينة، أو خجلة، أو محبطة، أواجه كلّ شيء وأعطيه مساحته. ثم أنهض من جديد.
  • إذا قوبلت بالرفض هذا لا يعني النهاية، كوني أصل وأقف عند الحاجز يعني أنني أقدمت بطريقة أو بأخرى، دفعت نفسي إلى مداها، وهذه العقبة ليست إلا دليل على شجاعتي مهما كان الموقف.
  • أعامل نفسي برفق، واستبعد التقريع والكلام المؤذي معها. ودائمًا أتذكر النصيحة التي تقول: عامل نفسك وكأنها صديق تحبّه جدًا وتثق به. هل ستقابلها بالأذى الدائم والبذاءات؟ لا أعتقد.
  • الرفض الذي أواجهه والعبارات والأحاديث المصاحبة لهذا الرفض لا تمثلني بالكامل. قد تكون مرتبطة بجزء من شخصيتي، الجزء الذي اخترت إظهاره في تلك اللحظة. وسواء كان الرفض من وظيفة أو علاقة، يجب ألا يحدد هذا الموقف تقديري لذاتي ونظرتي لها.
  • أتعلم من هذا الرفض درس للحياة. ومثل أيّ تجربة أخرى، يصبح الموقف بوصلة يحدد خطواتي القادمة وما الذي يجب عليه فعله للتقدم إلى الأمام.

انتصار مهمّ

أحبّ خوض مغامرات وتحديات مع جسمي، أعرف أن الله وضع قدرات هائلة في أجسامنا وعلينا اكتشافها بكلّ الطرق. تارة يكون التحدي نظام تغذية جديد، أو تمارين مختلفة، وتارة أخرى يكون التحدي مع الساعة البيولوجية وكيفية ضبطها لتناسب طاقتي وأهدافي اليومية. أعرف مثلًا أن البقاء يقظة بعد الساعة ١٢ صباحًا يرسل جسمي في اليوم التالي في رحلة فوضوية من الكسل والضياع. لذلك اعتمدت الاستعداد للنوم قبل ١١ مساء، والانشغال بأي نشاط يبدّد آخر ما تبقى من طاقتي، سواء قراءة، أو تدوين يوميات، أو مكالمة هاتفية.

ما هي المشكلة التي واجهتها الفترة الماضية؟ أن وقت صلاة الفجر يصادف غرق في النوم العميق، وما من سبيل للاستيقاظ بهدوء لأن المنبّه يفزع كل خلية في جسمي، وأوفر هذا الفزع لموعد الاستيقاظ للعمل عادة. لكنني ما زلت أعمل من المنزل لليوم وساعتي البيولوجية توقظني حول الثامنة والنصف بلا منبّه.

احتجت لإضافة تنبيه بيولوجي جديد، بدأت بمنبه بصوت خفيف وبعيد في الغرفة، يصل لعمق نومي وكأنه نداء خافت. واستيقظ في نفس الوقت لعدة أيام. ثمّ توصلت لفكرة شرب السوائل في وقت متأخر قريب من وقت الغفوة، وأصبح جسمي يوقظني في الرابعة والنصف أو بعد بقليل. لقد انتصرت! حدث الأمر بمرونة وهدوء والآن أتممت الأسبوع الأول من الاستيقاظ للفجر بلا منبّه.

ماذا أحببت في أغسطس؟

.

.

.

إلى الحقيقة وما بعدها

ليكن شفاؤك الذاتي مهمّتك الأولى

مررت بهذا الاقتباس قبل عدة أشهر واحتفظت به، كتبته على ورقة صغيرة، ونسخته لعدة نسخ. أحمله في محفظتي، ودسسته في مذكرتي اليومية، وبين الأقلام على المكتب تركت نسخة إضافية منه.

لقد بدأت محاولاتي الفعلية للاستشفاء منذ وجدت نفسي حبيسة المنزل قبل عدة أشهر، وما زلت. لقد كان الركض في العمل والحياة وزيارة الصديقات والأقارب وسيلة تخدير جيّدة لما أشعر به وأفكر فيه. لكن اللحظة الحاسمة جاءت. سبق وتكلمت عن الموضوع في عدة تدوينات سابقة. لم يتغيّر الكثير، بدأ الأمر بالقراءة، الكثير من المقالات عن مساعدة النفس والبحث عن شفاء. الأدعية اليومية وصلوات آخر الليل، الحديث لمن يهمّه الأمر، والكتابة، الكثير من الكتابة والتدوين الذي لا أعود لقراءته مرتين. لقد وجدت ضالتي قبل عدة سنوات مع صفحات الصباحالتي تحولت إلى صفحات المساء والظهيرة، وفي حالات نادرة هطول ما قبل النوم.

احتاج كلّ مرة أعود للتدوين لقراءة الأرشيف، لأنني أكرر نفسي، اختار كلمات مختلفة ربّما، لكنها نفس الحكاية، مع تغير مسقط الضوء.

خلال الشهر الماضي وبعد تجربة الحديث إلى مرشدة عدة مرات، قررت حسم أمري والاتفاق معها على جلسات أسبوعية، لقد جرّبت أثر أن يسمعك شخص مختلف، ويطلب منك النظر في ذاتك لكنني لم اقتنع في البدء. أوجدت في نفسي أعذار كثيرة، أنا تجاوزت منتصف العقد الثالث من العمر ويفترض بأنني عرفت نفسي جيدًا، ما الذي يعنيه الاستسلام التامّ وترك المقود للآخرين؟ هل سأكون متصالحة مع فكرة بثّ مشاعري ومشاكلي لشخص غريب؟ وغيرها من الأسئلة التي اثنت عزيمتي لوقت طويل.

لكنّ الغضب واليأس تمكّن مني، ولم تعد المقالات الأسبوعية تشفيه، ولا مديح مسؤولي العمل على مهامّي المنجزة بكفاءة، ولا الأصدقاء والأحباب من حولي وضحكاتهم. كل شيء يبدو مثل نسخة من فيلم بلا ألوان وإن غمرته الحياة للحظات.

كتبت لها رسالة وشكرتها على محاولتها السابقة والواجبات التي مررتها لي لتجربة نفسي بها. هذه المرة أنا عازمة على الاستمرار.

شكوت لها شعوري الدائم بالغضب، والثقل الذي يسببه التفكير في قصص سابقة، أو حالات متنوعة لا شأن لها بالوقت الحاضر. بدأت العمل بالاستماع التامّ ومن ثمّ أوصتني بالكتابة، الكثير منها.

خلال أسابيع، بدأت بملاحظة الأمور الدقيقة التي تخرجني عن هدوئي، أركز فيها وأعيد تحليلها بهدوء واجتازها. أنسى كثيرًا بأن التفاعل مع المواقف ليسَ ضروريًا، وأن دخول النقاشات التي لن تؤثر على سياق حياتك غير ضروري، بل مذموم أحيانًا. شعرت بعد تطبيق التمارين والتأمل لجدولي اليومي ولحظات الانتكاسة أنني تعافيت فجأة، لدرجة أنني لم أجد ما أتحدث عنه في الاتصال التالي مع المرشدة، وضحكت وقالت هذا طبيعي سيأتي الحديث، لا تشعري بالحرج أو الاضطرار للثرثرة. وأقول لها أن ما أمرّ به الآن يشبه أن يتقن طفلك خدعة أو مهارة في خصوصية بيتك، وتطلب منه تكرارها أمام الضيوف ويرفض بعناد. هذه حكايات غضبي وما يشغلني واختفائها المفاجئ عندما تحدثنا.

من أنتِ؟

قد يكون الثقل الذي تشعر به هو فجوة بين شخصيتك الحقيقية والشخصية التي تظهر بها للعالم الخارجي. عندما تحدّثنا في هذا الموضوع سألتني المرشدة: من أنتِ فعلًا يا هيفا؟ انطلقت للحديث عن عملي، عن حياتي، عن مكاني بين أفراد عائلتي، وشيئًا فشيئًا أدركت بأنني أصف نفسي من الخارج، أصف هيفا في قصص الآخرين. لكنّي لم أقل أي شيء عن نفسي بمعزل من كلّ هذا.

طلبت مني التفكير بعمق في الأمر، وحاولت تسهيل الموضوع باقتراح تمرين واسئلة من قبيل لو لم تخف من شيء ماذا ستفعل؟ وماذا لو امتلكت الدعم المالي غير المحدود ماذا ستفعل؟ وغيرها من الأسئلة التي تدغدغ المشاعر وتفتح باب للأمل، والحلم ربما.

لتعرف نفسك تمامًا فكّر في لحظة السعادة الصافية، اللحظة التي تتخذ قرار أو تقول شيئًا لأنك تعنيه، وترغب بقوله، وفعله. لا أن تأتي خطواتك من خوف، أو تردد، أو صورة تحجب حقيقتك لتعبر بها إلى مساحة القبول.

لستُ هيفا المدرسة، ولا الكاتبة، ولا التي تجتهد كلّ يوم بالبحث عن طريقة جديدة لإقناع عميل بفكرة إبداعية، أو رسم طريق لمشروع ما.

البحث عن أناالحقيقية يعني الغطس لأعماق سحيقة، أين أنا قبل كلّ هذه الطرق المرسومة بالمسطرة، أين أنا قبل الاختبارات المدرسية، وأوسمة التفوق، وشرائط الشعر المشدودة.

جزء من التمارين والأسئلة يمرّ بمنطقة ممتعة لكنها في نفس الوقت تفتح ملفات لم أرغب بالعودة إليها، كأن يقول لك السؤال ما هي أكثر لحظات حياتك تمردًا؟ وأذكر حدثين على وجه التحديد وكلها حصلت قبل عمر الثامنة، تلك النسخة الصافية من روحي، جرّبت أن تمسك بالمقص، وتمرره على شعرها وملابسها بدلًا من الورق. انتهيت بقصة غريبة، ومدرسة روضة أصابها الهلع ولم تعرف كيف تبلغ والدتي بالكارثة.

أحبّ هذه القصة، وأقلبها في رأسي كثيرًا. أنا لا أقول بأنني سأقص شعري بلا تركيز، أو ملابسي. ولكن لحظة الهدوء التي شعرت بها هيفا في ذلك العمر وهي تفعل شيء ما، شيء وجدت فيه سعادة صافية. أريد ذلك!

هل تظنون أن أمر البحث في النفس سهل؟

لا طبعًا.

ليست لدي رفاهية التوقف عن العمل وكسب الرزق، وليست لدي رفاهية ساعات اليوم الطويلة التي أقضيها في نبش الذاكرة. كنت أسرق الوقت من هنا وهناك. أو أقبض على نفسي وأنا ألمح لمعة سعادة بعيدة في عيني بمجرد مروري بلحظة تشبه حدث قديم واتمسك بها. أكتب من جديد، واطرح المزيد من الأسئلة على نفسي لأصل.

من أنتِ عندما تستبعدين عملك؟ والكلمات والقصص والأخبار والروابط المفيدة التي تشاركينها على الشبكات الاجتماعية؟ من أنتِ في هدوء يومك؟ في الصباحات التي تقضينها مع صديقة؟ من أنتِ بصحبة إخوتك؟

وأكتب. وتمتدّ القوائم وتدهشني لأنها لا تشبه الشخص الماثل هناك، على المنصة يمرر الهدايا والفوائد.

تذكرت في تلك اللحظات حديث أحد الأصدقاء الذي يصفني وهذا رأيه طبعًابأنني شخصية ذات هيبة، قد تدفع بالآخرين للتردد والحديث معك عن أشياء عفوية وبسيطة، فكرة المزاح مثلًا قد ترعبهم! ليس وحده من يقول ذلك، ولن أكذب إذا قلت بأنّ الموضوع يسبب لي الضيق، وكنت استغرب كثيرًا عندما يصرح المقربون والأصدقاء بأنّ هيفا في الفضاء الإلكتروني لا تعكس تلك اقتربنا منها وعرفناها.

ومن جهة أخرى، أحبّ كثيرًا اللحظات التي يصرح فيها البعض بأنّ شخصيتي خارج الفضاء الإلكتروني مطابقة لما يقرؤونه ويرونه.

إذا قلت بأن آراء الآخرين لا تهمّني تمامًا فأنا أكذب، نعم أهتم. وأذهب مع الرأي الذي يقول بأن العلاقات والمسافات بين الناس وبيننا حياة كاملة، هذا التفاعل، هذه الرؤية، وهذه الآراء مهمّة في نموّنا النفسي والاجتماعي. نحن بحاجة للخروج من أنفسنا ولو للحظات.

كيف وصلت هنا؟

نعم كنت أتحدث عن هيفا بصورتها المحببة.

أذكر بأنني ألغيت حسابي على موقع Goodreads لسببٍ قد يبدو اليوم سخيفًا لكنّه مهم في قصة نموّي وشفائي: لم أرد أن يكون كل ما أنا عليه، مراجعات كتب، لستُ هيفا القارئة فقط، ولا أريد الارتباط الأبدي بالقراءة وكأنها مهنة أو صفة. لكنني لم أتوقف عن هوايتي الأحبّ، إنما اخترت أن أذهب في مخبأ سرّي، أرسل منه ومضات قصيرة وقصص لمن يرغب بها.

طبعًا كلما تذكرت هذه القصة أشعر بالخجل لأن ما علاقة هذا بذاك؟ لا يمكنني طبعًا استعادة الحساب، وحاولت بعدها البدء الجديد ولم اتحمس للفكرة فتركتها للنسيان. وهذا مثال على الأفعال الغريبة التي كنت وما زلتأقوم بها لأنفصل من صورة التصقت بي ولم أعد أشعر بالانتماء لها.

أذكر قصص أخرى ترتبط بكتابة تغريدة عفوية، أو مشاركة صورة، أو أي شيء قد يجده المتابعون مخالف للصورة الذهنية التي وضعوها لي. بعض التعليقات وإن بدت بريئة في لحظة، تصبح مؤذية عندما أفكر بها مرة ومرتين ولا أستطيع تجاهلها. من يحددّ حقيقتك؟

توقفت هنا لنصف ساعة تقريبا وعدت للكتابة، وشعرت بأنّ مكان التدوينة في المسودات، أو الصفحات التي لا أعود لقراءتها مجددًا.

سأحارب هذه الفكرة وأمضي لتنفيذ تمرين الأسبوع. أن أكتب عن نفسي كما أحبّ، بلا قيود، أو تدقيق أو التفكير في: ماذا سيستفيد القارئ؟ هل هذا محتوى ترفيهي؟ هل بدأت التدوين للترفيه؟ أو للفائدة فقط؟ أسئلة كثيرة ومقلقة : )

الآخرون طبعًا لا يحددون حقيقتك، أفكر بالآخر وكأنه جهاز استقبال لما أبثّه، وظيفتي ليست الترفيه، أو التلقين أو التعليم، أنا هنا لأعبّر وأشارك قصة. وهذه إحدى الصفات التي توقفت عندها عندما فكرت في هيفا الحقيقية.

منذ عمر مبكّر أحببت سرد القصص، اختلقت الكثير منها، وأضفت البهارات والدراما، وفي هذا السياق كنت أرفّه عن والديّ ومدرساتي، وأقاربي. هذا الجوع للقصّ لم يغادرني أبدًا على مرّ السنوات. ولكنني لوثته أحيانًا بالعبء الذي أضعه عليه. أن تقول قصة مفيدة، قصة فيها معلومة، أو نتيجة نهائية. وتحوّلت الكتابة من هواية محببة، إلى وظيفة، ثمّ طريقة لجذب الانتباه والقبول. لا عيب في ذلك طبعًا، لكنني أفرطت وابتعدت عن التوازن كثيرًا.

خلال الأيام الماضية بدأت تدريجيًا مشاركة جوانب من حياتي اليومية دون تدقيق أو مراقبة ذاتية. لم يكن الأمر سهلًا وهذا ما قد يثير الاستغراب والحنقعندما تكون شخص يعيش حياته بحقيقتها الكاملة ولا يجد مشاركة لقطة من مسلسل كرتوني للكبار أمر يدعو للتوتر وتزوره أفكار مثل: ماذا سيقول المتابعون عن هذا؟ إنه مسلسل كرتوني يزدحم بالنكات البذيئة! كيف تشاهدينه؟ لكنني أحبّه.

كما بدأت الكتابة في القائمة اللانهائية للأمور التي أجدها أقرب لنفسي وتشبهني وتثير بداخلي سعادة صافية! أحب الضحك من قلبي على النكات البذيئة خصوصًا القديمة منها التي ترويها جدتي وهي تلف غطاء رأسها على فمها وتغرق بالضحك. أحبّ برامج الواقع التافهة وأتابعها بحماس لأكثر من عشر سنوات، أحب المشروبات الغازية الباردة وحاولت الإقلاع عنها ولم استطع، أكسل في أيام كثيرة ولا أرتب غرفتي حتى تغرق في الفوضى، أعتذر عن الخروج من المنزل لأنني أحاول إتمام مسلسل اكتشفته صدفة، اتبادل مع الصديقات الـ memes الغريبة، ونقضي الساعات في كلّ مرة نلتقي في تخيل العلاقات التي كدنا نفقد أنفسنا لنبقيها وعندما نظرنا لها في المرآة مبتعدين اكتشفنا بأنها كابوسية، لدي لوحات في بنترست خصصتها لمنزلي الحلم، وأحبّ قائمة كتبتها وأحفظها في صندوق عن صفات شريك حياتي الرائع واقتباسات وقصائد حبّ سأشاركها يومًا ما وأتذكرها في اللحظات التي أفقد رأسي وأندفع بكل قوّتي تجاه شخصٍ غير مناسب.

تضحكني فكرة أني بحاجة لكتابة هذه الأشياء في قائمة، ولم انتهِ منها بعد لكنّها نصيحة مرشدتي لتذكيري بأنّني حقيقية وأن كل هذه الضغوط التي أضعها على نفسي في رأسي فقط، أنا بحاجة للتحرر من الصندوق الذي وضعت نفسي فيه ولم يضعني فيه أحد.

تهانينا وصلتم لنهاية التدوينة!

كانت حفلة صاخبة في رأسي ووددت وضعها في صفحة كي لا أنساها، وأعود إليها لأتذكر نقطة الانطلاق. نقطة الحقيقة والخفّة. لن يتغير كلّ شيء في ليلة واحدة، لكنني سأحاول.