
.
.
قابلت صديقة على الغداء قبل أسبوعين تقريبًا، وفي معرض حديثنا تطرقت للفقد وقدرته العجيبة على صقل الإنسان. تصبح أقوى عندما تفقد عزيزًا وتغرق في الحزن وتملؤك فجوة عميقة ولا تعرف كيف تغمرها أو تمحوها. يحمل قلبك إعدادات سريّة تمكّنه من تجاوز أي حزن قادم. طاقة فولاذية على السخرية من الألم والنهوض من جديد. لكنك في نفس الوقت تتعلم ألا تنسى.
قبل ١٨ سنة تقريبًا فقدت أخي الذي كان آنذاك بعمر التاسعة، وسبب الوفاة؟ توقف مفاجئ في القلب. هكذا، في يوم من الأيام خرج من المنزل وأوراق واجباته مبعثرة على الأرض، ولم يعد.
أذكر أنني لم أتعامل مع حزني كما أردت. لم يكن هناك وقت، منزل صغير وعائلة صغيرة اضطرت دفعة واحدة لاستقبال أفواج من البشر. لم نكن نعلم ما الذي يقدّم في مجلس العزاء؟ لم أكن أملك ملابس مناسبة، وأذكر بأنني في لحظة ما فكرت في ارتداء مريولي البني فهو الزي الأنسب. لحظة سمعت الخبر هويت على الأرض، لم أعرف ما الذي يعنيه إغماء أو دوار لكن الأرض أصبحت هشة تحت أقدامي. لقد رسمت له محور التناظر قبل ساعات وأنجز واجب الرياضيات. لكنهم خرجوا للنزهة فقط، ما أسوأ ما قد يحدث عندما تخرج للنزهة؟ كثير من الكلمات تجري في دمي وصوت والدي يركض من الدور السفلي ليجلس مقابلًا لنا هو ووالدتي ويطلب منا ألا نبكي. لم أبكي حينها وليتني فعلت. أذكر أنني حسدت الجميع على بكائهم، المعزّين والأقارب، كانت رئاتهم تتفجر بالبكاء وأنا اختنق. قضيت صباح يوم العزاء الأول في غسيل ملابسي الداخلية، نعم فتحت الدرج وغسلتها من جديد ونشرتها على منشفة فوق سجادة الغرفة. لم أجد تفسيرًا لما حدث، لكن شعوري بالخجل عندما قررت خالتي النوم في سريري لا يغادرني حتى اليوم.
مرت الأيام سريعًا واختفى الجميع، وحصلنا من جديد على الراحة والهدوء. لا أحد يتكلم عن حزنه ولا أحد يبكي. مذهولين وبقينا كذلك على مرّ السنوات.
تخلصت والدتي من ملابسه وصوره كلها، كنت أريد تلك اللحظة التي نمرر أيدينا على كل ما يخصّه ونبكي. بكاء صافي يغسل صدورنا. تخيلوا أنكم تحملون بداخلكم هذا الحزن العظيم لمجرد أنّكم لا تستطيعون التخلص منه! أي لعنة هذه.
لم نعترض على القضاء، لم نصرخ. لكن قليل من الدموع يا الله! لم أتحدث مع أفراد العائلة عن المشاعر الغريبة التي تسكنني، أشعر أننا جميعًا نمر بنفس المشكلة. خلف القشرة القوية وألوان السعادة ما زال هناك حزن بعيد.
قلت لنفسي كي أشفى يومًا ما: لا يمكن أن تمرّ الكارثة دون فائدة. من عمر ١٦ وصاعدًا لن أسلّم نفسي للألم مهما تمكن مني. وفي كلّ مرة اختنق أتذكر أن لا مأساة ستطغى على فقدان أخي، آخذ نفس طويل وأقفز للماء برأسي، ثم أطفو.
بقي سؤال لم أجد له إجابة ووجدتها قبل عدة أيام في فيديو عرض على التلفزيون. جلسنا صامتين أنا وأختي أمام شاشة التلفزيون، وبيلي بوب ثورنتون يتحدث عن وفاة أخيه بسبب مشكلة في القلب، ويروي قصتنا بلغة أخرى في مكان آخر من العالم. في الصمت الذي غمرنا تدفقت دموع دافئة، دموع صافية، دموع الوصول لإجابة. لم ننظر لبعض بكينا ومسحنا الدموع وأكملنا يومنا كالمعتاد.
يا لها من مصادفة أن تبحث عن إجابة وتجدها في فيديو من دقيقتين.
لماذا حافظنا – أنا وأسرتي– على مسافة ثابتة بين الفرح والحزن ونعبر بينهما بحذر؟ إنّها سمة لمن يفقد إنسانًا بهذا القرب. كل شيء ممكن، وقريب ومفاجئ فتعلّم كيف تعيش بكامل وعيك.
.
.
.
.
.


