
انتهى مارس وكأنّني احتفلت برأس السنة مع وداعه.
لا أدقق كثيرًا في أثر الشهور عليّ، ولا أتحمس بشكل مختلف لأيّ شهر سوى شهر رمضان المبارك وشهر أكتوبر (شهر ميلادي)، لكن مارس الماضي كان شهرًا مختلفًا، الشهر الذي توقفت فيه عن الدوران والركض المحموم. عملت في ثلاث وظائف مختلفة، وعلى عشرات المشاريع دون أن أعلم. عند إجراء الجردة الشهرية وأنا أجيب على أسئلة وضعتها لنفسي كي أقيّمها وجدت أنني أنجزت الكثير. ذهلت في الحقيقة وتمتمت: ما شاء الله يا هيفا! في نهاية الشهر أيضًا قررت التوقف عن التشتت الذي سببته لنفسي وتوقيع عقد وظيفة رسمية بدوام كامل بعد انقطاع طويل. أحبّ العمل المستقل، وأجد فيه قضيتي الأولى والأهم. عملت بشكل مستقل منذ تخرجي من الجامعة في العام ٢٠٠٤، وتنقلت بين الوظائف لأجد المرونة التي أنشدها، درّست وكتبت وترجمت لأحافظ على استقلاليتي ولأنقذ روحي من مقابر الإبداع المسمّاة “مكاتب“. عندما تبدأ عملك المستقلّ كلّ شيء يشبه الربيع، لا وقت محددّ للعمل، اجتماعات عن بُعد بمكالمات هاتفية أو عبر المحادثات النصية على الإنترنت. رسائل بريد إلكتروني سريعة، ومكتبك يمكن أن يكون سريرك ببساطة. ما لا يقوله لك المادحون لهذا النوع من العمل بالتحديد هو الدراما المصاحبة والفوضى التي ستقع فيها إذا لم تنتبه لنفسك.
بدأت بحماس وقسّمت الأسبوع بين أعمالي المختلفة، ووضعت الجمعة والسبت كمنطقة محظورة. لا عمل في نهاية الأسبوع، لأركز على الزيارات العائلية والقراءة وهواياتي الأخرى. مضى الشهر الأول بسلاسة وشعرت بأنّ المزيد من المشاريع ستكون فرصة جيدة للحصول على مبلغ إضافي من المال، والسفر والتسوق. قابلت العروض المختلفة بالموافقة ثم بدأت الخطوط بالتشابك. أنجز العمل خلال الوقت المحددّ بلا مشكلات، لكنني تدريجيًا أصبحت بلا حياة. مثل ماكينة لا تتوقف عن الدوران، أكتب، أترجم، أصمم، أحضر الاجتماعات وأوافق على المزيد من المهامّ بلا تفكير. نهاية أسبوع؟ لم يعد هناك حدّ فاصل، الحد الفاصل كان انهياري التامّ من النعاس أو المرض. تأثرت مناعتي وصحتي، آكل أي شيء يوضع أمامي، أرتدي ملابسي كيفما اتفقّ.
علمت بأنني وصلت الحضيض عندما ذهبت في عطلتي السنوية المنتظرة ولم أتوقف عن العمل هناك، سرقت الوقت بين ساعات الصحو والإغماء للمشي بلا هدف في المجمّعات التجارية وتناول الطعام حتى التخمة. عدت من رحلتي وقررت أن كلّ هذا سيتوقف، وسأقبل بأول عرض وظيفي جيّد وفق شروطي التي ستكون:
-
المرونة في الحضور صباحًا.
-
الاستسلام للمزاج أحيانًا.
-
تغطية تأمين صحّي.
-
راتب بسقف مرتفع.
لماذا الشروط التي قد تبدو للبعض في الوهلة الأولى طفولية؟ يعاني الموظف المستقلّ من غياب تفاصيل الأمان كالتأمين الصحي والدخل الثابت، ومع أنه محسود على مرونة ساعات العمل لكنه معرض لشهور من القحط وغياب المشاريع.
أنا الآن في مكان جيّد يسمح لي بالتحدث إلى زملاء مهنتي السابقة –(العمل المستقل) وأذكرّهم بما يجب عليهم تذكره.
١– اصنعوا جدولاً للعمل، مثل جدول الحصص في المدرسة ولا تتركوا المشاريع تطغى على بعضها.
٢– نهاية الأسبوع منطقتكم المقدسة والمحظورة؛ لا عمل خلال نهاية الأسبوع كي تتمكنون من تأمل نجاحاتكم والنوم وترتيب الأسبوع المقبل.
٣– ابحثوا عن جهات تستفيد من مهاراتكم وخبراتكم واعقدوا معها شراكات طويلة، هذه الشراكات ستساهم في تأمين دخلكم الشهري في حال لم تجدوا عميلاً أو مشروعا مناسبًا.
٤– التنويع في نظام التسعير الخاصّ بكم فكرة صائبة، ألف مرة؛ هناك عميل مستعد للدفع بكرم ولن يعترض على المصروفات والطلبات الإضافية، وهناك عميل تحبون العمل معه لكنه لا يدفع الكثير، نظام التسعير المتفاوت حماية لكم.
٥– لا تنسوا كتابة العقود بينكم وبين العملاء، حددوا شروطكم ومُدد العمل وموعد التسليم.
٦– إذا كان عملكم يختص بالكتابة والتحرير مثلاً، حددوا مع العميل عدد مرات إعادة الكتابة والإضافة والتعديل، وأي تعديل بعد هذا العدد يتطلب رسمًا جديدًا أو مبلغًا إضافيًا.
٧– تعرفوا على الموظفين المستقلّين في مجالكم، احضروا اجتماعات، احتفلوا معهم بالنجاحات واستفيدوا من بعضكم في العمل على مشاريع ضخمة واقتسام العائدات.
٨– المبالغ التي تستلمها بشكل متقطع قد تعني ميلك للصرف غير الواعي، خصصوا حسابًا بنكيًا لعائدات عملكم أو سجلوا مصروفاتكم بالضبط بواسطة تطبيقات الهاتف الخاصة أو حتى بالورقة والقلم.
٩– في فترات ازدهار العمل وفروا مبالغ مالية تدعمكم عند الرغبة في الانعزال والحصول على إجازة ممتدة.
١٠– العمل المستقل مغامرة جميلة ومرعبة في نفس الوقت، أوصيكم بها في حالة واحدة فقط: إذا كانت السوق تحتاج موهبتكم النادرة، أو أنّ مجال عملكم مزدهر بحيث يمكنكم العمل مع أكثر من جهة.
هل سأعود للعمل المستقل؟
ربّما بعد فترة من الاستقرار الوظيفي، قد أجرّب مجالاً جديدًا أو مشروعًا يتيح لي العمل عن بعد. لا تتركوا نصائحي أعلاه تثير فيكم الرّعب أو التردد تجاه خوض التجربة، وإذا كانت وظيفتكم الحالية جيدة ولا تتطلب الكثير من الجهد ابدؤوا بالعمل على هواياتكم وتحويلها لمصدر للدخل تدريجيًا.
.
.
.
.






