١٨ | ست قصص إيطالية

١

بدأت اليوم عطلة قصيرة منتظرة في زيارة لإكمال حديث لم ينتهي مع روما! بشكل عام رحلات الطائرة دائمًا خالية من الازعاج والصخب بالنسبة لي -توفيق ودعاء الأمهات؟- لكن رحلة اليوم كانت مختلفة. في المقعد المجاور سيدة تسافر وحيدة مع طفلها. ومنذ اللحظة الأولى بدا مشاكسًا يحب الحركة ويتململ قبل الإقلاع. ما إن استوينا في السماء حتى ذهب في غفوته وانتهزت الفرصة للنوم كذلك. لم تطل الغفوة للأسف وتحول التململ إلى بكاء لتحمله أمه وتهدهده. استيقظت وقررت إكمال هذه الرواية التي لم أرد أن تنتهي. السرد لذيذ ومسترسل والحديث عن الخياطة وتفاصيلها يدفئ القلب. كسبت من هذا الأرق الإلزامي فرصة إكمال القراءة حتى الوصول. تناولت الطعام وشربت القهوة وتذكرت ألم أسناني الذي يلحّ منذ أيام وتجاهلته لأن لا وقت لزيارة الطبيب. فجأة فكرت ربما طفل الستة أشهر يمرّ بآلام التسنين؟ واشتركنا كلانا في حفلة ألم. وتذكرت أن الستة أشهر هذه مرت على بدء قيادتي للسيارة. ولد الطفل يوم حصولي على الرخصة ربما؟ حسنًا هذه الاستطرادات متعبة! أفكر في هيفا الصغيرة وهي تقرأ يوميات هيفا الأربعينية وتفخر بعامها الملوّن الملئ بالفرح والخيبة في وقتٍ واحد. ما الذي ستقوله عندما تنهي قراءة هذا الفصل؟ وأفكّر أيضًا لدي الكثير من الخطط الممتعة للغدّ وحان الوقت لإقفال عينيّ.

٢

في يوم وصولي مدّ لي موظف الاستقبال مفتاح الغرفة وكان المدير المناوب موجودًا حينها. قلت له مازحة أتمنى ألا تكون نفس غرفتي العام الماضي لأني أودّ تجربة شيء جديد. ثمّ ترددت واعتذرت: طبعًا إذا كان ذلك متاحًا. قال لي حينها: هل تريدين غرفة حمراء على الطراز البومبي؟ أجبت نعم بالتأكيد! لم يكن لدي أي توقعات. لكن المسمّى أثار اهتمامي. والطراز البومبي الحديث (ظهر في القرن ١٨ و١٩ تقريبا) يحاكي ألوان بومبي القديمة (الأحمر والأسود والأصفر) وزخارفها وتقنيات رسم الجداريات فيها.

أحبّ هذا الفندق جدًا، مصعده بطيء يذكرني بالتنفس بعمق والحركة البطيئة لأنني في إجازة! أحب طابع الغرفة الكلاسيكي، لا مقابس يو اس بي في الجدار ولا شاشات رقمية عدا شاشة التلفزيون. بلكونة صغيرة مطلة على شارع فرعي وستائر ثقيلة تحجب الضوء والمدينة إذا أردت.

٣

في غرفة من غرف فيلا فارنيسينا تركوا ورق الحائط منزوع لرؤية تفاصيل المبنى القديمة. التقطت هذه الصورة وفكرت في رمزية الطبقات والزمن. أفكر في شخصيتي التي أحبّ في السفر، ما الذي يبدو تحت ورق الحائط وازدحام الأيام ومرور الوقت؟ يومي كان لطيف منذ الصّباح. ارتديت فستانًا أحبّه بلون لا ارتديه عادة. تناولت الفطور وانطلقت للتنقل بين المتاحف وتأمل السقوف. صحيح قبل ذلك التقيت بالعائلة الأمريكية التي صادفتهم ليلة البارحة في مطعم سطح الفندق. كان طفلهم يلعب ويركض في الأرجاء وأصيبوا بالتوتر ظنًا بأنه يزعجني. استأذن والده لبدء الحديث معي واعتذر عن ركض الصغير وأكدت له أن ذلك طبيعي وطفلهم مهذب حقيقة ولم يزعجني. كلمة واثنتين وانضمت زوجته إليه وسألتهما عن زيارتهم لروما ورددت على سؤالهم تحدثنا في أمورٍ شتى لاكتشف أن الزوجة مولودة في التاسع من أكتوبر وتكبرني بعام. ضحكنا من المصادفة وتمنينا لبعضنا عيدًا سعيدًا. في زقاق صغير في وسط المدينة قابلت زوجين رأيتهما في الصباح في شارع الفندق على بعد الكيلومترات. هذه المدينة مترامية الأطراف جمعتنا من جديد بغرابة. كيف تذكرتهما؟ من بنطال الزوجة الذي أعجبتني نقوشه. مشيت قليلا وتبعت فتاتين جميلتين مظهرهم مرتّب ولافت. مشينا سوية باتجاه واحد وقبل دخولي لمكتبة عتيقة توقفن قليلا عند الباب وتبعنني. لم استمع لحديثهم فقد فصلتنا مسافة بسيطة في الطريق. لكن إحداهن أعلنت عندما دخلن المكتبة: جوّي! فز قلبي حرفيًا. هذه الكلمة التي يستخدمها الشباب لوصف شيء محبب. التفتت فورًا وابتسمت وسألت: سعوديات؟ أجابوا نعم. وتبعتها بـ أهلًا وسهلا كأني أرحب بهم في بيتي. أخبرتهم عن جمال المكتبة والكنوز الصغيرة التي تحتاج منهنّ البحث وحسب. في طريق العودة للفندق مرت بي سيدة إيطالية وقالت بحماس: bel vestito “فستان جميل”. في الحديقة التي تتوسط الفندق حفلة عرس صاخبة. استمعت رغمًا عني لأغنية رقصة العروسين ولكلمات الزوار العاطفية التي شارك في كتابتها chat gpt. سأحاول البقاء مستيقظة لوقتٍ أطول الليلة لأن بداية اليوم في الرابعة صباحًا مزعجة.

٤

كتبت قبل عدة أيام اقتباسًا في تطبيق الملاحظات: “علينا جميعا أن نحكي أجزاء من قصّتنا. من الصعب أن تكون إنسانًا، وتنخرط في علاقات دون أن يكون لك نسخة من قصة حياتية، تطفو حولك.” سأتذكر هذا الاقتباس في كلّ مرة أقرر فيها الانكفاء على نفسي والتوقف عن “القص”. وفي الحقيقة لم أجد ذلك أبدًا! منذ أن تعلمت تركيب الجمل والجمع بين الشخصيات لسرد حدثٍ أو حكاية – البداية كانت من حلقة لتوم وجيري حسب ما يتذكره والدي. أصبح القصّ جزءا من هويتي حتى أنني استخدم التعريفLifelong Storyteller  هكذا أسهل وهكذا اختصر الكثير من التعريفات والتوقعات.

زرت اليوم قصر أسرة كولونّا المذهل. تجاوزت الجولة فيه الساعتين وتمنيت لو امتدت قليلًا فالمرشدة تهرول بين الغرف والحديقة قبل أن يزدحم المكان بمزيد من الزوار. تمشيت في المنطقة واخترت دائما الطريق الأطول ففيه أجمل الاكتشافات‪. تمكن مني الجوع فجأة وقررت الدخول لمطعم أمامي ولكن قبل ذلك قرأت المراجعات سريعًا وكانت متفاوتة بشدة، أحدها انتقد الطعام وجودته، وتعليق آخر هاجم الندّل وعجرفتهم. استقبلني نادل ظريف وتفحص وجهي قبل أن ينطلق بالكلام. طاولة لشخص واحد من فضلك! وردّ سريعًا: لا، بل طاولة لاثنين! ضحكت وأعدت عليه: طاولة لشخص واحد! قال: وأنا؟ ضحكت وهكذا بدأت جولات من الظرافة. كان يحاول اكتشافي ويمكنني رؤية ذلك. ثمّ عاد بعد لحظات وقال: يلا يلا .. قلت له: يلا مانجاري! (يعني أكل بالايطالية). كان الأكل دافئًا بجودة مقبولة. وعندما هممت بالخروج وجدت قصاصات صحف على جدار المطعم إحداها لتقرير صحفي عنوانه: موت المطاعم العائلية. يبدو أنها مأساة فعلًا. في المدخل أيضا صورة قديمة لعائلة ربما كانت العائلة المؤسسة للمكان.

خرجت للعشاء في مطعم على سطح إحدى المباني. وعلى الطاولة بجانبي صديقات أمريكيات صاحبات، قالت إحداهن قصة التقطتها: تروي أن والدها ترك لها تعليقًا على منشور ليوم ميلادها وقال لها اخترت لك لباسك الأول وتختارين لباسي الأخير، أخذتِ نفسك الأول معي، وسآخذ نفسي الأخير معك استقبلتك في الحياة وستودعينني حين أغادرها. شيء بمثل هذه المعاني. كان الجو باردًا ولكن عيناي غرقت بهذا الدفء. وحانت لحظة عودتي لفندقي وإنهاء يومٍ ممتع آخر!

٥

أقول لوالدتي ممازحة قبل أسبوع تقريبًا أن يوم ميلادي هو يوم ولادتها وهكذا نحتفل بالمناسبة سويّة. نقلات حياة عظيمة حدثت ذلك اليوم! أصبحت أمّ وأصبحتُ أنا. العام الماضي احتفلت بميلادي معها في روما. كانت رحلتنا الأولى للمكان وعشنا التجربة المدهشة سويّة. هذه السنة أمرّ بأماكننا وأشعر بدفء وبعض من تأنيب الضمير -فقد دفعتها للمشي وصعود الكثير من السلالم في المتاحف حينما كنا نجهل إصابة ركبتها. شعرت بالكثير بالألم وتحاملت على نفسها من أجلي- من جديد.

اليوم احتفلت بعيدي الثالث والأربعين، تمر السنوات أحيانًا والتفت للرقم ولا يعود يحمل ثقلا أو معنى جوهري مقارنة بالتجارب والمشاعر التي أعيشها في عامٍ كامل. لو تسألوني عن أيام ميلادي السابقة سأجد ذاكرتي عالقة في عيدي الثامن والعشرين، أو الحادي والثلاثين -مثلا. كعكة شهية وأحباب مجتمعين.

هذه السنة أنا وحدي والقمر الذي يطلّ من نافذة فلورنسا.

صباح اليوم طلبت سيارة أوبر لتأخذني للنقطة الأبعد من جولة النهار، هذه المرة الأولى التي أفعلها منذ وصلت فلورنسا فهي مدينة جميلة تقطعها بالمشي خلال ساعة على الأكثر! لكني تذكرت صعود حدائق بوبولي في قصر بيتي المقر الرئيسي لعائلة مديتشي. الكثير من الصعود والمشي والانعطافات السريعة، ثم جولة التسوق السريعة لآخر نهار في المدينة. في معرض الحديث قلت للسائق أنّ اليوم ذكرى ميلادي، وأصرّ لاحقًا على ايقاف السيارة أمام بوابة القصر لأنه على حد قوله سيمنحني معاملة المشاهير! وأصر أيضًا على بقائي حتى يفتح الباب بنفسه ضحكت من اللفتة وتقبلتها بفرح. ستكون هيفا الصغيرة فخورة بي هذا النهار. فقد صعدت الحدائق التي شاهدتها في وثائقي قديم ومنذ ذلك اليوم وفلورنسا في ذهني لا تغيب. أدعو الله أن يكون عامي القادم مليئا بالحبّ والرضا. أن أعرف الدروس ولا أنساها. وأن يبقى الفضول مشتعلا في قلبي. وألا أفقد حسّ المغامرة والتجريب. وأن أعبر الأبواب والطرق بخفة وأن يهدأ قلبي لمعرفتي أن كلّ شيء في حفظ الله ورعايته.

٦

في منتصف الرحلة غمرتني مشاعر متداخلة يصعب وصفها. كنت استيقظ يوميًا مبكرة، قبل شروق الشمس أحيانًا وينتهي يومي قبل الغروب حين أعود مشيًا للفندق. مثقلة بالجمال الذي رأيته ومحتضنة مشترياتي التي لم تخرج عن الورق والجلديات. كانت الأيام بين روما وفلورنسا تمرّ سريعًا، وتنكمش بين خطواتي حول المتاحف والكاتدرائيات. كانت هناك لحظة محددة ستبقى في ذاكرتي طويلًا: أقف في قاعة مزيّنة بالجداريات، رفعتُ رأسي لأتأمل السقف المزخرف وألتقط له الصور. أحسست بوخزة في صدري وغرقت عيناي بالدموع. لم أفهم حينها ما الذي حصل! خليط من الإعجاب والارتباك؟ حنين؟ رغبة في البقاء هنا للأبد ورغبة في الهرب؟

في أزقة فلورنسا المتوارية عن الشمس، مشيت ببطء لأحفظ المشهد في ذاكرتي. صوت الأحذية على الأرض الحجرية المتفاوتة، النوافذ الصغيرة المضاءة في منتصف النهار، وأوراق الخريف التي تتطاير حول المارّة. استمتع بعزلتي كما لم أفعل منذ زمن. في المساء وأنا أقرأ عن متلازمة ستندال أو الدوار الذي يصيب الإنسان أمام الجمال المفرط. ابتسمت بعد أن وجدت الإجابة والتفسير لعاطفة غامضة سكنتني. أدركت أن الثقل الذي كنت أعيشه في الأيام الماضية ليس تعبًا جسديًا، بل أثر الفنّ حين يتجاوز النظر ليقع في الروح. ربما كانت فلورنسا تختبر قدرتي على الاحتواء، وتذكرني أن الجمال لا يُستهلك على عجل، بل يسكننا للأبد.

.

.

.

We’ll always have Paris

جلست لكتابة هذه التدوينة بعد تأجيل. الجزء الثالث والأخير من تدوينات باريس الجميلة. ما الذي ذكرني بالعودة للكتابة؟ مررت بصفحة في ويكيبيديا تحدثت عن جوزفين بونبارت. تذكرت لوحة تتويج نابليون الهائلة التي كان الوقوف أمامها إحدى لحظات رحلتي المميزة. الأسبوعين الماضية كانت مزيج من تعافي وانتكاسة صحية ومن ثم التعافي من جديد. ومن جهة أخرى استكمال حفلة ترميم حياتي الاجتماعية واللقاء بأفراد العائلة والصديقات بعد انشغال طويل. وأخيرًا الاستعداد للعودة للعمل. هناك تجارب جديدة واكتشافات لكن سأتركها لتدوينة أخرى، هذه التدوينة عن مونيه والزنابق وباريس المشمسة.

مع فواصل سعال قصيرة عدت للكتابة واستعادة ذكرياتي من ملف الصور في هاتفي، الصور بمثابة فتات الخبز الذي يعيدني إلى ذكرى معينة في حال نسيتها.

أربع أيام هذا ما يقوله الهاتف. بين وصولي والخروج لمتحف أورانجري في حديقة تويلري. يحتضن المتحف مجموعة غنية من لوحات المدرسة الانطباعية، وبالتأكيد زنابق الماء لمونيه. أصبت بالإحباط عندما علمت أن منزله ومتحفه والحديقة في جيفرني ستكون مغلقة لموسم الشتاء.

بدأت الصباح الضبابي بالمشي باتجاه الحديقة التي تبعد حوالي ربع الساعة من فندقي، الأجواء تقول يوم بارد جدًا. أراه في وجوه المارّة والطريقة التي يشدون فيها معاطفهم على أجسادهم. أما أنا فيبدو أن بقايا الحمّى ما زالت رفيقتي. لا أفهم سرّها لكن بالنسبة لي الجو في الخارج يشبه الربيع. لم ارتد شالا حول عنقي ولا قبعة صوفية. معطف ضخم وكنزة صوفية وسروال جينز وما إن عبرت البوابة للمتحف حتى قررت وفورا التخفف من القطع التي ارتديها. كيف لكل هذه التدفئة أن تتسق مع فكرة معاناة أوروبا مع الوقود؟ رتبت حقيبتي على هذا الأساس والنتيجة أن كل مكان في المدينة مدفأ أكثر مما يجب! والأيام الوحيدة التي استمعت بها هي تلك التي تخففت فيها من قطع ملابسي الصوفية.

متابعة قراءة We’ll always have Paris

آخر أسبوع في الرّبيع

قضيت الأيام الماضية في العمل من المنزل، يتيح لي نظام العمل في الجهة اختيار خمس أيام شهريًا والعمل فيها عن بعد. لم يكن هناك الكثير من المهام للإنجاز، فقط متابعة واتصالات خلال اليوم. لذلك كان من أجمل الأسابيع الماضية، يشبه عطلة لكنه ليس تمامًا. قضيت الصباح الباكر في القراءة عدة ساعات، وكتبت قليلا وترجمت في مشروع جانبي. أعددت الإفطار وبدأت العمل بعد أن شعرت بالامتلاء الحقيقي وهذه الفكرة التي تزورني دائمًا وأجد الكثير يشجعون عليها: افعل شيئًا تحبّه في بداية اليوم. قبل أن تذهب للعمل، وقبل أن تفتح جهاز الكمبيوتر ويمطرك بالمهامّ والرسائل.

هذا الوقت الفائض في الأسبوع ساعدني في ترتيب غرفتي بعد عطلة طويلة وتنظيف سطحي. أعدت تنظيم مهامّ الفترة القادمة من الحياة، وتلصصت على الكتب الجديدة التي تنتظر القراءة. رتبت قائمة سألتزم بها قبل القفز لغيرها. وهذا التأهب وحده كفيل بمنحي البهجة والاستعداد لعطلة الحج الطويلة (أسبوعين من القراءة والنوم العميق).

بدأ الأسبوع بلحظة درامية أجلتها في كل مرة تأتي سلة الغسيل النظيفة لغرفتي. أسبوع بعد الآخر وأنا أرتدي قطعة ملابس عمرها عشرة أعوام. مثقوبة في كلّ اتجاه ولكنه هذا الارتباط السحري الوثيق. هذه آخر قطعة ملابس من بداية العقد الأجمل والأصعب في حياتي. اشتريتها من محل أُقفل اليوم وأقفل المجمع الذي يضمه. حملتها معي في كل رحلة خارج المنزل. لبستها في التجول، في التمارين، في اكتشاف أماكن جديدة، وفي العمل من المنزل بعد أن فقدت شكلها ومعالمها. كل مرة أوشك على التخلص منها اتردد وأضعها عوضا عن ذلك في سلة الغسيل. سأعطيك وأعطي نفسي أسبوع آخر من المغامرات! ما الذي يدفعنا للاحتفاظ بقطعة ملابس باهتة لا تصلح لشيء أو ربما تحويلها لقصاصات أصغر واستخدامها كممسحة أرضيات؟ أو أربطة قطنية؟ أو أي شيء آخر غير الارتداء.

هل هذه الملابس تحلّ محل بطانية الرضيع التي لا يغفو بدونها؟ تسمى بالإنجليزية comfort blanket والتي توصف بأنها أي شيء مألوف يشعرك بالأمان والثقة. بحثت عن معنى عربي للعبارة حتى توقفت عن المحاولة: هل هي بطانية الطمأنينة، أو ملاءة الطمأنة؟ لحاف الحنان؟ (إذا وجدتموها شاركوني) الأكيد أنني ودعت هذه البطانية للأبد.

وهكذا تخلصت من آخر قطعة ملابس قديمة ومتهالكة. كانت اللحظة بلا مشاعر، لكن الحقيقة داهمتني في اليوم التالي: هل كان ما فعلته صائبًا؟ الأمر ينطبق على الكثير من الحاجيات التي تخلصت منها تباعًا خلال السنوات القليلة الماضية. إما بسبب المساحة التي تضيق وتتسع في المسكن، أو لأن النظر إليها يطلق سلسلة من الذكريات التي طويتها وأخفيتها بحرص.

ما زلت استعيد ذكريات الرحلة القريبة إلى لندن، وبينما اتصفح الصور القليلة التي التقطتها وجدت صورة للوحة أحبها للرسام الانطباعي إدغار ديغا مهزوزة ومظلمة. لم يكن التقاط الصورة عملية سهلة وتذكرت السبب. في هذه الرحلة وفي كلّ متحف أو معرض فنّي زرناه وحتى عندما خرجنا بعيدًا عن المدينة والصخب إلى قصر هامبتون كورت، سبقتنا الرحلات المدرسية! في نصل باكرًا مع فتح الأبواب ويصطف إلى جوارنا طوابير لا نهائية من الصغار.

يركضون في كل اتجاه وتصرخ بهم المدرّسة: لا تلمسوا شيئا. يتحداها أحد المشاكسين ويضع يده على تمثال عمره مئات السنين أو يقترب ليقف بيني وبين لوحة اقتربت بحذر لرؤيتها. كنا ننتقل من غرفة لأخرى ونحذر بعضنا: هيا قبل أن يهجموا. وفي اللحظة الانتقالية للعبور، يمكننا سماع الأحذية الصغيرة تتدافع.  هذه المرة الأولى التي أشهد فيها هذا العدد من الرحلات المدرسية. ربما لأنني أسافر صيفا أو في وقت الأعياد حيث يمضي الصغار لعطلاتهم الخاصة.

لقد التهمني وجودهم بالكامل! وفكرت في هذه الفرصة العظيمة التي تتاح لهم في هذا العمر، أن تخرج من مدرستك صباحًا لتتأمل ديغا وبيكاسو وفان غوخ. لست بحاجة للسفر آلاف الأميال والتعرض للمشقة. تنادي المعلمة مجددًا: تأملوا هذه اللوحات جيدًا لديكم مهمة للكتابة عنها. وفي زاوية من هامبتون كورت تمدّ معلمة أخرى أوراق لأسئلة اختيار من متعدد عن زوجات هنري الثامن الستة. أليس مبكرًا الحديث عن المقصلة في هذا العمر؟ لا أعرف شيئًا غير الغبطة في هذه اللحظة.

قرأت خلال الأسبوع عن عملية الـ unlearning ودخلت من جديد عن بحث عن أفضل ترجمة لها: نبذ الطباع؟ نبذ المعرفة؟ اللاتعلم؟ المقصود بها هو التخلص من معرفة أو معلومة عن شيء أو سلوك التصق بك طويلًا وترغب في استبعاده. والوصف الحرفي يقول: تجاهل (شيء تم تعلمه خاصة العادات السيئة أو المعلومات الخاطئة أو القديمة) واستبعاده من ذاكرة المرء.

أقول إن هذه السنة بالنسبة لي سنة الـunlearning، لكن هذه العملية غير سهلة! تبدأ بالوعي، ثم اكتشاف البديل وتبنيه. في مقال نشرته مجلة Breathe حول الموضوع، يقترح ريتشارد آيفري أستاذ علم النفس والأعصاب بجامعة كاليفورنيا- بيركلي  الخطوات التالية لعملية استبعاد ناجحة:

  • حدد ما تودّ تغييره. إذا كنت تعرف أن ادائك في مكانٍ ما لا يتفق مع ما تريده راجع أسلوبك ومهاراتك وأهدافك واسأل نفسك ما هي الجوانب التي يمكنني تغييرها؟
  • حدد حجم التحدّي. هل ستحاول تضمين إصلاحات بسيطة أو ستذهب إلى حلول جذرية؟
  • قيّم تجربتك. راجع التغييرات التي أجريتها على حياتك، هل أدت إلى النتائج المرجوة؟ إن تتبع هذا التغيير واختباره يضمن ثبات الجيّد منه.
  • تحمّل المطبات. ستشهد تذبذب في الأداء حتى تصل للمستوى المطلوب. والأهم هنا أن تكون صبورًا لتجني الفوائد على المدى البعيد.

لم أطلع على اقتراحات ريتشارد من قبل ولكنها ذكرتني بمساري العفوي الذي لم اختر له أي خطة. يمكن أن يكون نبذ المعرفة أو اللاتعلم الخاص بك في مجال شخصي، أو مهني، أو حتى في علاقتك مع الناس حولك، وعلاقتك بالمال مثلًا. إذا كنت سأقترح شيء ما من تجربتي: لا تحاول فرض التغيير دفعة كاملة. تدرج مع نفسك وعاملها برفق حتى لا تفقد شهية التغيير بالكامل.

أتمنى لكم نهاية أسبوع سعيدة!

يوم السبت بإذن الله سأشارك معكم تدوينة منوّعة عن مفضلات الفترة الماضية.

.

.

.

Painting by Henri Matisse – Interior with a Young Girl (Girl Reading)

,

,

,

غُرف دافئة نحبّها

مضى وقت طويل على آخر مرّة كتبت فيها هنا (شهرين ويوم بالتحديد)

إنّها أطول مدة لا تزورني فيها حتى أفكار للتدوين، ولا رغبة في الكتابة، أو الجلوس لها.

اقرأ كثيرًا هذه الأيام، اقضي ساعتين يوميًا في قراءة المقالات والأخبار والقصاصات التي جمعتها لسنوات. كأنني أحاول استعادة شيء هرب منّي على حيِن غفلة. في نهاية التدوينة الماضية قلت لنفسي: أريد أن أهدأ. وهدأت. وسمحت للآخرين بمساعدتي، وتوصلت لهدنة مع القلق، وسرت أيام وأيام بلا خطة.

لديّ أصدقاء جدد، ووجهات جديدة تنتظر. وشركة وليدة أحاول كل يوم تجهيزها للخروج للعلن. ولستُ أتحدث عن سجل تجاري أو عقود أو وجود فيزيائي، انتهيت من كلّ هذا. لكن الموقع، والمحتوى الرقمي الذي ستتحدث من خلاله للعملاء والمتابعين، في مسودة منسية على جهازي.

لا بأس.

كان عليّ أن أجازف بتأخر العمل في سبيل التحرر من القلق، وتقييمي المنخفض لقدراتي الإبداعية.

حبسة كاتب من نوع خاصّ لأن الكتابة في هذه الحالة هي تسويق، ودعم لشركة لن تتحرك خطوة إلى الأمام ما لم يكن وجودها الإلكتروني محفزًا لعملائها.

* * *

خلال ساعات العمل اليومية نسرق بعض الدقائق للحديث عن أي شيء، عن كلّ شيء في الحياة. وذات مرّة وصلنا للحديث عن أسرتي، عن أخواتي وعن حياتنا معًا.

علقت إحدى الزميلات بأنّها تشعر بقوة علاقتنا (أنا وموضي ومنى). كأننا أسسنا تحالف قديم، وبقية الأخوة لا ينتمون له أو ينتمون له بنسبة مختلفة.

نعم، أجبتها.

لقد قضينا عدة سنوات سوية دون مقاطعة، تعرفنا على الحياة والأشياء، تعرفنا على أنفسنا معًا.

الفارق العمري بين منى (أصغرنا) والأخ التالي حوالي ٥ سنوات. والفرق بيني (الكبرى) وأخي الأصغر تسع سنوات، و٢٠ سنة تفصلني عن حصة (الاخت الصغرى).

قلت أنّ الأخوة الذين يأتون لاحقًا مثل غرف إضافية في منزل اكتمل بناؤه، غرف تختلف في لونها وأثاثها وموقعها من المنزل. لكنّنا نحبها بالقدر ذاته، نحب دفء الشمس فيها. نحبّ جدّتها وغرابتها ونحب أنفسنا ونحن نتعرف عليها ونحاول الاندماج.

أحبّ اخوتي بلا حدّ، السابق واللاحق منهم، أحبّهم وأود لو أنني أخبئهم في قلبي، من ألم الأرض، وصعوبة الأيام، وكل أذى يلتهمني قبل التهامهم.

* * *

وبما أنني أتكلم عن الحبّ وحتى لا تطول هذه التدوينة كثيرًا، إليكم أشياء أحببتها خلال الشهرين الماضية:

.

.

.

نورس تائه في الصحراء

 by kayla varley 

.

.

لاحظت على نفسي خلال السنتين الماضية حالة غريبة، أصبحت أحبّ الاستماع للأغنيات ذات الألحان الخليجية، أغنيات دول الخليج، نغم المناطق الساحلية الشرقية، الغناء البحري الخليجي. أصوات الآلات وايقاعاتها يحملني للخليج مع أول نوتة. إذا كنتم متخصصين في الموسيقى ومصطلحاتها لا تضحكوا منّي وصوبوني أرجوكم فهذه الوصوف كلها لأصل لمعنى وحيد. تعرفون ألحان خالد الشيخ؟ وأغاني عبدالله الرويشد في الثمانينات؟ وبعض أغنيات عبدالكريم عبدالقادر؟ قائمة الأغاني تطول. ما أحاول قوله أن النورس داخلي يحب الاستماع لهذا النوع من الموسيقى، ويأكل السمك بشكل أكبر من المعتاد. فيما مضى كنت أتناول السمك والمأكولات البحرية بشكل محدود. والآن لا يكاد الأسبوع يمر حتى أتذوق من كلّ بحر ٍكائن!

قررت البحث عن سبب شهيتي المفتوحة على الأطعمة البحرية المطهو منها والنيءووجدت بين الأسباب حاجتي للبروتين، استبعدت هذا السبب لأنني أتناول البروتين في وجباتي كلّها وبأنواعه النباتية والحيوانية بشكل يومي، وإذا لم يكن هناك كفاية في الوجبات أصنع مخفوق الفواكه مع بودرة مصل اللبن Whey Protein.

المواضيع الأخرى التي توصلت إليها تقول أن هذه الشهية نفسية أكثر من أي شيء آخر. وربّما تريحني فكرة أن الهواء هنا لا يحتوي على اليود وجسمي ببساطة يحتاجه بشكل أكبر.

إذا كانت لديكم إجاباتك لتساؤلاتي أو فرضيات مثل التي طرحتها شاركوني.

شاهدت قبل عدة أيام الفيلم The Light Between Oceans الفيلم جميل ومليء بالمشاعر. أخطأت في شيء وحيد: شاهدته على مدى ليلتين كل ليلة ساعة لأنني لم احتمل السهر طويلًا وبدأت أفكّر هل فاتني شيء أم أن الفيلم فعلًا عادي وقصته كان يمكن اختصارها في مدة أقلّ؟ تأملت بعد الفيلم وفكرت: إلى أين سيذهب بك الحبّ؟ وإلى أي مدى ستُمسك بالأمل؟ عندما تشاهدون الفيلم ستعرفون لماذا لازمتني هذه الأفكار.

اليوم فكرت في إدوارد هوبر، وكيف أصبحت لوحاته محل دراسة مجتمعات وحقبة زمنية وتحليل وبناء أفكار ، مدهشة ألوانه الكثيفة. ومن المستحيل أن تنظر للوحة وتعبر ذهنك فكرة واحدة فقط! جمعت مقالات حول هوبر سأعود لقراءتها لاحقًا، لكنّي أشارككم إياها هنا: واحد واثنين وثلاثة.

نسيت أن أخبركم عن هوسي الجديد!

لدي وأخوتي مجموعة اتصال على تطبيق انستقرام ونتبادل فيها الصور والفيديوهات وتعليقاتنا عليها، أكثر وسيلة تواصل خلال السنة الماضية كانت هذه المجموعة. إننا نتكلم بالاختيارات، لا نقول الكثير فقط نشارك المقاطع والصور وهي تتكفل بالباقي. منها المضحك ومنها المخيف ومنها اللطيف وبالتأكيد ولد هوسي الجديد منها كذلك. تعرفت على مقاطع الطهي القصيرة والسريعة، التي تجبرني على الخروج والتسوق والركض للمطبخ وتجهيز وجبتي القادمة. إنّهم يجعلون صناعة وليمة مسألة بسيطة، عدة ثوانٍ والخضار مقطعة ومطهوة والصلصات محضرة واللحوم على وشك الاستواء! البداية كانت مع هذه القناة Tasty التي أطلقتها شركة BuzzFeed لاكتشف لاحقًا أن الشركة أطلقت حسابات أخرى لتغطي كافة المذاقات، من الشرق للغرب وكل حساب بلغته:

أحيانًا يطول بي الوقت في تصفح الفيديوهات وسعدت كثيرًا بتحديث الانستقرام وإمكانية تفضيل المقاطع للعودة إليها لاحقًا. هذه المقاطع السريعة دربتني على إعداد صلصة البشاميل بنفسي، كنت دائمًا استخدم الخيارات الجاهزة أو أطلب من والدتي أو المساعدة المنزلية إعدادها. الآن بمهارة طاهٍ متمرس، أحمر الطحين في الزبدة وتبدأ الحكاية، والآن اكتشفت حساب عربي بنفس الفكرة: يومي يستعرض أطباق بمذاقات عربيّة لكل يوم. وأيضًا هذا الحساب هدية: Twisted Food

وأخيرًا،

أشعر بأنني قفزت من فوق حاجز.

لا أدري هل كانت فوضى العام الماضي؟ التأهب للانتقال لمنزل جديد؟ تجاوز مطبّ قرائي وإبداعي؟ أشعر بأنني أهدأ. واقتحمت تجربة جديدة سأحدثكم عنها قريبًا ما أن أجمع حولها الحكايات. أقرأ على مهل كتاب عن الوِحدة، وأفكر في جمالية الشعور وإن كان ثقيلًا وأزرقًا أحيانًا.

.

.