في انتظار الرّبيع

«كلما طالت فترة التخطيط دون اتخاذ إجراء، كلما امتدت مساحة الشكّ الذي يشغلك ويمنعك من التنفيذ»

مررت بالاقتباس أعلاه قبل عدة أيام وقضيت وقت طويل في تأمله. هذا الاقتباس يشرح الكثير عن حياتي حاليا. في كلّ شيء أعمل عليه أقضي وقت للتخطيط والاستعداد ثم يتسلل الشك إلى نفسي واتراجع عن الانطلاق كلما ازدادت هذه المساحة وأثرت على تفكيري.

يمر ببالي اسئلة مثل: هل هذه الفكرة جيدة فعلا؟ هل سأتمكن من المتابعة والتنفيذ؟ وفي حالات كثيرة أبدأ بتخيّل نجاحها أو فشلها فينتهي بي الأمر محبطة وأنا لم انطلق.

أتممت شهري الأول في وظيفتي الجديدة، مرّت الأيام بين التعلم والتوتر والاكتشاف. وتزامنت هذه البداية مع زيارة منى (أختي) للسعودية في إجازة هي الأطول من سنوات. أشعر وكأنني في فقاعة مؤقتة وجميلة. نقضي أيامنا بين ساعات العمل في النهار والخروج مساء لاكتشاف المدينة وتعريفها بالتغيرات المتسارعة التي نمرّ بها.

الفترة الماضية أيضا شهدت أعلى نسبة قراءات في الروتين الإبداعي، والكتابة، واستعادة الإلهام (إذا كان هناك شيء حقيقي اسمه إلهام).

في نفس السياق تقريباقرأت عن ٧ تغييرات في روتينك اليومي قد تساعد في شحن طاقتك الإبداعية

  • تحرّك، فالجلوس لفترات طويلة قد يحجب طاقتك ويشعرك بالكسل.

  • ابدأ العمل على مشاريع صغيرة، أضف مشاريع مصغرة لحياتك اليومية والتي قد لا يستغرق العمل عليها أكثر من ٢٠ دقيقة. غالبا كتابة سريعة أو مسودات الرسم Sketch والتي قد ينتج منها لاحقًا مشروع كبير أو فكرة أفضل.

  • قسّم مهام العمل إلى مقاس أصغر وقابل للإدارة والمتابعة.

  • ابدأ يومك بشيء تحبّه. وركز إلى أي مدى تحبّ هذا الشيء وما هي المشاعر التي تحيط بك خلال العمل عليه. قد يكون هذا الشيء التنفس بعمق، أو صنع فطور شهي ومشبع، أو مكالمة شخص تحبه. بدء اليوم بهذه الطريقة يهدئ أعصابك ويضعك في حالة استعداد لما سيأتي في بقية اليوم.

  • احترم طعامك (هذه النصيحة الطريفة التي تأملتها طويلًا). بدلًا من تناوله سريعًا وبلا تفكير. قدّره. وفكّر في الطريقة التي صُنع بها وجُهّز. هذا التفكير في العملية الإبداعية وراء وجبة طعام يهذبك ويعوّدك على التحليل والنظر للأشياء بطريقة مختلفة.

  • تحدّث بوعي واهتمام واختر كلماتك بعناية. هذا التمرين سيصنع منك كاتبًا أفضل. وفكّر أيضا في أن المحادثات فرصة لممارسة الإبداع.


استقبل مارس بكثير من الحماس!

هناك ورش عمل ومشاركة في ندوة تثقيفية لطالبات الجامعة، رحلة قصيرة ربما، وحلقات جديدة من بودكاست قصاصات بعد أن أرتب وقتي بشكل أفضل. أتبع فتات الخبز الذي تركته ورائي لأعود إليه كلما اشتدت فوضى الأيام وأتمنى أن أنجح في ذلك.


في مفضلة الشهر الماضي:

 

.

.

 

الميل الأول

أحد قرارات السنة الجديدة التي حرصت على العمل بها: التعامل مع الأشياء بشكل مختلف.

اليوم وبعد مضي شهر وعشرة أيام من الشهر التالي وجدت أنّ هذا القرار هو الأكثر مرونة والأحب إلى قلبي. كلّ سنة كان الحماس يغمرني وأضع الخطط والأهداف والتزم بها لشهر أو اثنين ثم انزلق بعيدًا. ما السبب؟ تساءلت. محاولة حشر كلّ شيء في سلة واحدة، أو محاولة ترويض نفسي على تغيير كبير دفعة واحدة. وما يحدث بعد ذلك يدفعني للاحباط والفشل.

أحد المشاكل التي عانيت منها خلال السنوات الماضية، هي المحافظة على نظام غذائي صحي خلال ساعات العمل، والامتناع عن الاعتماد الكلي على الأكل في الخارج. كانت البداية قوية وحماسية ولكن خلال أيام الضغوط والفوضى أعود للعادات الغذائية السيئة: وجبات سريعة، وكميات هائلة من السكر والدهون.

بعد دراسة الوضع تنبهت لعدة أشياء:

  • لدي استعداد جدّي للالتزام والدليل أنني ابدأ بشكل جيد.

  • لدي الوقت للتهيئة لكنني أفضل الكسل عندما تغمرني الفوضى.

  • تجهيز خيارات أكل أبسط للغداء يعني التزام أطول بالخطة.

  • اختلال نشاطي الرياضي وزيادة الوزن مرتبطان بشكل كبير بوجبة الغداء.

  • هناك رابط واحد واضح جدًا بين هذه العقبات، وهذا الرابط هو أنا!

إذًا، وبالعودة إلى الفكرة الأساسية في بداية التدوينة، التعامل مع الأشياء بشكل مختلف يعني هذه المرة اعتماد تغيير بسيط سيمتد تأثيره تدريجيًا على بقية نواحي حياتي.

وكانت التحليلات مرعبة! كيف وجبة الغداء فقط قادرة على صنع كل هذه الفوضى؟

بدأت أولًا باتفاق مع نفسي: ٣ أيام من الأسبوع التزم بتناول طعام محضر من المنزل (أعمل على تجهيزه يوم السبت أو الأحد)، واليومين الباقية وفي حال الضرورة والاضطرار يُسمح لي باختيار وجبة محضرة في مطعم أو مقهى.

هذا الترتيب مريح جدًا لي، ولميزانيتي. وجرّبته لمدة أسبوعين لكنني اكتشفت الثغرات التالية:

  • الأطعمة المعدّة في مطعم / أو مقهى قريب من مكان العمل صحية فعلا، لكنها مرتفعة السعر وهذا غير مناسب لخطتي المالية.

  • الخروج للمطعم / المقهى والمشي فرصة للنزهة والتفكير، لكنها تقتطع من يوم العمل واحتاج معها لتعويض الوقت الذي غادرت فيه المكتب.

الحل الثاني للمشكلة هو تغيير قائمة الوجبات التي أتناولها على الغداء وتبسيط طريقة تجهيزها، يعني يمكن أن تكون عبارة عن طبق سلطة مع زيتون وجبنة، أو شابورة وشاي، أو زبادي وفواكه وغرانولا.. إلخ. وأقول بسيطة لأنني التقط مكوناتها وأنا في طريقي للعمل. مثل جولة تسوق سريعة من ثلاجة المنزل، وقد أجد أيضًا بقايا من وجبة عشاء اليوم السابق وأقرر لاحقًا ما يمكنني إضافته إليها.

وفي المكتب لاحقا يتوفر لدي: فواكه طازجة، زبادي، خبز، وسخانة ماء وميكرويف. وهذا كافٍ لحلّ مشكلة حيرة الغداء.

الأمر الوحيد الذي ساعدني على نجاح الحلّ: الاستيقاظ قبل موعدي اليومي بـ ٣٠ دقيقة، نعم فقط ٣٠ دقيقة ساعدتني وغيرت نظامي تماما. انتهي من الاستعداد للخروج وأذهب للمطبخ وأعدّ وجبة الغداء، والفطور كذلك.

طبّقت الفكرة لما تبقى من شهر يناير، والأيام الأولى من فبراير والمفاجأة:

لم احتج لتناول الطعام من الخارج، وخسرت كيلوين خلال ١٥ يوم!

وما حدث أنني تدريجيًا تخلصت من مشكلة الغداء دون الحاجة لتجهيز مكثف للوجبات، وبلا خلل في ميزانيتي.

وبنفس الفكرة سأنتقل لمعالجة مشاكلي العالقة تدريجيا، أولا بإيجاد القاسم المشترك بينها، ثم اختيار تغيير بسيط، ومعالجتها بطريقة مختلفة لم اعتمدها من قبل.


قرأت خلال الأيام الماضية مقال لطيف عن كيفية التعرف على أصدقاء جدد عندما تنتقل لمدينة جديدة وأعتقد بأننا جميعًا وفي وقت معين من حياتنا احتجنا لمثل هذه النصائح. قد لا يكون الانتقال بالضرورة لمدينة جديدة، يمكن أن يكون مكان عمل جديد، أو حيّ. الفكرة هي كيف تجد أصدقاء ومعارف بعد انتقال جديد.

والكاتب يقترح التالي:

  • استكشف الصلات القديمة أو كما يسمّيها (العلاقات الخاملة) ويُقصد بها معارفك من فترة سابقة في حياتك. سواء خلال سنوات الدراسة، أو العمل، أو الشبكات الاجتماعية (صداقات افتراضية) فقد يكون من ضمن هؤلاء أشخاص تودّ تعزيز معرفتك بهم ولقاءهم في مدينتك الجديدة.

  • يمكن أن نجهز أنفسنا قبل الانتقال للمدينة بسؤال الأصدقاء والمعارف وطلب مساعدتهم في التعرف على أصدقاء جدد. قد يكون لهم زملاء أو أقارب في وجهتنا التالية وسيساعدوننا في التعرف عليهم واللقاء بهم.

  • استكشف الأنشطة والفعاليات التي قد تقابل من خلالها أشخاص يشاركونك نفس الاهتمامات والهوايات. الأمر الجميل في هذا أنّك لن تكون في وسط معارف مقرّبين، وخلال هذه الفعالية ستتحدث وتقترب من أشخاص جدد بلا انشغال أو خطط مسبقة.

  • لا تتوقف عن التواصل بمجرد إيجاد أصدقاء أو معارف. وهذه النصيحة بالذات طبقتها شخصيًا مع أنني كنت محظوظة بأنّ انتقالي للمدينة جاء على مراحل، وكان لدي مجموعة طيبة من الأصدقاء. مع ذلك، حافظت على فضولي واهتمامي بالتعرف على أشخاص جدد.

  • إذا تعرفت على زملاء عمل أو معارف عبر صداقات مشتركة لا تكتفي بمعرفة جانب محدد من حياتهم. مثلا زملاء العمل ونظرًا لرسمية المكان وضغط المهام قد تبدو علاقات مملة وغير قابلة للتطور. لكن لو اكتشفت جوانب أخرى من حياة الآخرين ستصبح رفقتهم محببة ومثيرة للاهتمام.


إذا كانت لديّ سمة شخصية لم تغادرني منذ أن تعلّمت الكتابة، ستكون تدوين أفكاري ويومياتي. هذا الأمر واضح لكل من يعرفني عن قرب، من زميلات الدراسة حتى رفاق العمل والسفر ولن تخلو حقيبة من حقائبي من قلم ودفتر.

أكتب خلال الاجتماعات، أكتب هواجسي، ومخاوفي، واهتماماتي. أكتب خطط السنة ويوميات السفر، وأكتب خلال جلسات العصف الذهني التي أصبحت لصيقة للعمل في مجال الكتابة الإبداعية.

خلال السنوات الخمسة الماضية ملأت مئات الصفحات بالتفاصيل، من تغريدات التسويق للمنتجات، ونصوص وسيناريو الفيديوهات الإعلانية وصولًا لمحتوى المواقع الإلكترونية وكلمات رؤساء الشركات والمسؤولين في قطاعات مختلفة. هذه الدفاتر كنزي، وذاكرتي المحفوظة ولوحة إنجازاتي في حال تعثرت التقنية.

كنت استقبل نظرات الاستغراب من مدراء المشاريع وزملاء العمل: لماذا تحبّ هيفا سلوك الطريق الأطول؟ اكتبي على طول في الملف، وهذا متعب حقًا! وكنت لا أملّ شرح وجهة نظري: أريد حفظ هذا كله لنفسي، بالإضافة إلى أن الكتابة بالقلم مسودتي الأولى وتساعدني على جمع الشذرات وترتيبها.

هذا التدوين قوّتي عندما يصر أحد ما على سرقة فكرة أو نسبها لنفسه، عندما تضيع جهودي في عمل الفرق الكبيرة ولا يلتفت أحد لما قدّمته. وهذا ما قد يصادفكم للأسف في مجالات تتطلب العمل الإبداعي لكنك لا تستطيع تسجيل الناتج النهائي باسمك.

قبل سنة أو أكثر طُلب مني كتابة محتوى رقمي لعدة منصّات لأحد العملاء. وضعت فيه قلبي وجهدي وساعات طويلة من البحث. ما حدث أن العميل استلمه لكنّه لم ينشر، لم ينشر حرف واحد من كل هذا الجهد. وعلى الرغم من أنني استلمت المقابل المالي كاملًا بلا نقص، لكنني لم أحصل على العائد المعنوي الذي انتظرته.

لم أجد أثر إلكتروني للمحتوى، والعميل لا ينوي نشره أو الاستفادة منه، ولم يكن هناك تنازل خطّي عنه من قبلي.

إذا يمكنني استخدامه لنفسي. لكن أين الملفات؟

عدت لدفاتري خلال نهاية الأسبوع الماضي، وبحث بلا توقف حتى وصلت للصفحات المطلوبة. وجدتها كاملة!

النصوص، وبطاقات الملاحظات، وأفكاري التي ساهمت ببناء المنتج النهائي.

موقف كهذا يذكرني بحبي للتدوين، تدوين كلّ شيء حتى وإن لم تكن تعتقد بأهميته الآن. خاصة إذا كنت تعمل في مجال يتطلب العودة للكلمات والصور. وقد يكون التدوين ضرورة قصوى إذا كنت تعمل في مجال يتفاوت فيه الالتزام بالأخلاقيات المهنية.

اتطلع دائمًا لقراءة تعليقاتكم ونصائحكم المجربة حول المواضيع المطروحة.

وأتمنى لكم بداية أسبوع طيبة ومُنتجة.

.

.

.

خطة محكمة للمشاريع الإبداعية

هذه التدوينة ولدت بعد تأملات طويلة لسنوات من العمل على الأفكار الإبداعية والنصوص. عملت على العمود الفقري لتسويق المنتجات، والخدمات، وبناء صوت للشركات والجهات الحكومية المختلفة. فعلت ذلك بكثير من الحماس، والتعب، والتخبط!و تمنيت لو كان لدي خطوات واضحة لأفعلها، أو طريق مرسوم ثابت لأمشي فيه. لم أجد هذا الطريق بعد، فالعمل الإبداعي يشبه اقتحام غابة سحرية.

كل يوم أجرب شيء جديد ولدي مجموعة من المفاتيح الأساسية التي تضبط عملي أشاركها معكم باختصار:

١انتخاب المشاريع الأفضل

بدلا من توزيع طاقتك على أكثر من مشروع إبداعي؛ اختر التي تجد فيها ملاءمة أكبر لتوجهك وطاقتك الحالية. قد تعبر طريقك فكرة مذهلة لكنّها غير مناسبة لامكانياتك الحالية خاصة إذا كنت تعمل بشكل مستقل وبلا فريق إبداعي مساند.

٢خيارات أكثر

كل فكرة إبداعية تبنيها أصنع لها عدة خيارات أو أوجه تنفيذ. هذا الجهد الذي تقضيه في التفكير وتجهيز بدائل سترى ثماره لاحقًا إذا قدمت الفكرة للعميل ورفضها، قدم خيارات أخرى وقد تعجبه أو تصنع مزيج من كل إبداعاتك وتتفقون عليه. غالبًا الخيارات تعطي انطباع بأنك اجتهدت وحاولت وغالبًا سيتنازل العميل عن شروطه في التكلفة أو الوقت ويوافق على فكرة تسيطر عليه تمامًا ويقرر الانطلاق بها.

٣لا تبالغ في التنفيذ

صحيح اقترحت أعلاه تجهيز واستكمال أكثر من فكرة، لكن إخراج العمل كاملًا لا يعني أنه نهائي! دائما سيكون هناك تعليقات من العملاء وإضافات، وربما نسف كامل لما قمت به. لذلك، اختصر الجهد وأظهر فكرتك بشكل جيّد إنما لا تستنفذ طاقتك. مسودة أولى في الكتابة، أو سكتش مبسط للتصميم كفيل بإيصال الفكرة الإبداعية والحصول على قبول لها.

٤ناقش فكرتك بوعي

خلال عرض مشروع أو فكرة أو نص أو حتى تصميم، ركز في محيطك، ركز في ردة فعل العملاء. كيف يتلقون هذه التفاصيل؟ كيف يتفاعلون مع العرض على الشاشة؟

هذا الوعي مثل فرقة إنقاذ، لو وجدت ثغرة في عملك أو بدأت بمناقشته مع العميل تنبه لردات الفعل فقد تنقذ مشروع أو فكرة قبل رفضها بالكامل. سأقوم بالتعديل هنا، حسنًا سنضيف بعض الألوان أو النصوص وغيرها من التعليقات السريعة الذكية.

٥تنبّه للتفاصيل

تقلقني دائما فكرة التقصير خلال أي مشروع إبداعي، وساعدت نفسي في هذا المجال بتوقع الأشياء قبل حدوثها. هذا جيد خاصة إذا كنت تتعامل مع جهة أو مشروع جديد عليك. العمل في شركة يعني أن كثير من الأفكار الإبداعية تذهب لعملاء مستديمين، ثلاثة أشهر أو ستة وأحيانا سنوات. لذلك نسبة المفاجآت منخفضة. لكن العميل الجديد يأتي بحماس ويطلب منك كشخص مبدع أو متخصص في مجالك العمل والانتباه لكل التفاصيل. يريد ألّا يحتاج لبذل الجهد طالما وظفك أو عينك لاتمام هذا المشروع. أسوأ ما يحدث هو أن يشير العميل كل مرة لتقصيرك أو يعلمك ما تفعل. راقب احتياجاته وجهزها قبل أن يطلبها.

٦تولّ مسؤولية الحفاظ على الذوق

واضبط الجودة كذلك.

لا أقول أنني تمكنت من هذا تماما اليوم؛ لكن في كثير من الأحيان أتدخل وأؤكد للعميل بأنّني الخبيرة هنا ويحتاج أن يستمع لرأيي على الأقل ثمّ يقرر.

سمعت هذا من كثير من الكتّاب والمصممين وكل من يعملون في المجال الإبداعي: نخجل في أحيانٍ كثيرة من وضع اسمائنا على مشاريع لأننا لسنا راضين عنها.

العميل غير المتخصص يفرض رأيه وحجته في ذلك أنا أدفع، أنا صاحب الشركة، هذا المشروع ابني الصغير.. وغيرها من التأكيدات على أحقيته بالحسم.

حاول مرة ومرتين ألا تستسلم لذلك. لكن بالمقابل لا تستخدم أسلوب الشدة والتباهي، هناك منطقة وسط للحوار.

٧عندما لا ينجح كلّ هذا!

قد نجد صعوبة في تطبيق هذه الخطوات كاملة. خاصة مع المشاريع المستعجلة والاستثناءات الكثيرة التي نمر بها كمبدعين مستقلين أو مقدمي خدمات نحتاجرضا العميل الكامل عن ما نفعله. نتمسك دائمًا بشيء مهم: الوعي والانتباه لكل ما نفعله حتى لو كان مستعجلًا. حتى لو كان لا يحقق لنا الرضا الكامل. وحتى لو بعد كلّ العناء لم يقبل به العميل.

.

.

.

كتاب الإبداع | الأسبوع ١١

مرحبا بكم في أسبوع جديد من كتاب الإبداع لإريك مايزل.

اختتم مايزل تمارين الأسبوع الماضي برؤية عميقة ودراسة للنفس. وهذا الأسبوع يأخذنا لموقع جديد من التأمل والتحليل. هذا الأسبوع سندرس العالم من حولنا.

لكن ستسألون أنفسكم ما الذي سنعود به من وقفات التأمل والتحليل هذه؟ ما أثرها على مشروعنا الإبداعي؟

إذا كنتم ترسمون مثلا ومشروعكم الإبداعي مرتبط بالطبيعة؛ هذا مفهوم. لكن ماذا لو كان مشروعكم الإبداعي مرتبط باستشارات الأعمال، أو دراسة الرياضيات؟ أو تصميم المواقع؟ كيف ستساعدكم دراسة العشب والزهور؟

نحنُ بطبيعتنا نعيش لحبّ الشمس والمساحات المفتوحة، والهواء النقي. لكننا اعتدنا أيضًا العيش داخل المنازل المسورة والمكاتب والمساحات الضيقة وهذا ينسينا شكل الحياة الأجمل.

من الصعب علينا البقاء بذهن حاضر وحيّ تجاه الطبيعة والأشياء بينما نغرق في آلاف المهام وأمام الشاشات تفقد أبصارنا قدرتها على تمييز الجمال والانتباه له.

ومع هذا، مازلنا نستطيع العمل والابتكار ودفع مشاريعنا الإبداعية إلى الأمام. حتى لو انتهى بنا الأمر داخل علبة مخلل – على حد تعبير مايزلسنتمكن من إنجاز الأفكار والعمل.

لكن ما هي هذه الأفكار التي سنخرج بها إذا لم نألف صور الطبيعة المذهلة. نورس يغطس في عمق الماء، أو حبات الرمل المتنوعة، أو سماء الغروب خلف شجرة عتيقة. لا عجب أن موسيقى موزارت زارته خلال رحلات عربته في الغابة.

هناك سبب آخر عظيم ومهمّ لندرس شفرة من العشب.

نحنُ نقفز لصورة الأشياء الكاملة. نأخذها بإطار واسع دون أن نمنح عقلنا فرصة تفكيكها لأجزاء أصغر. لذلك يقترح مايزل تمارين الأسبوع كالتالي:

أ)

ادرس شفرة من العشب.

عندما قرأت التمرين فكرت في أماكن العشب وأنا محكومة بالعيش في منزل بلا حديقة، أو الجلوس في مكتب بناية اسمنتيه ضخمة.

زر أقرب حديقة في مدينتك وأمسك بشفرة عشب واحدة، أو ورقة شجر، أو غصن يابس إن لم تجد سواه. وإذا لم تستطع إيجاد هذا كلّه، تأمل عروق الخشب في طاولة مكتبك أو قطرات الماء التي تكثفت على زجاج كوبك. اغمر نفسك في اللحظة وتأمل وفكك الجزئيات.

في اليوم التالي، ركز على عملك الإبداعي. إذا كنت كاتب ركز على الكلمات، ركز على كلمة. كيف تستخدمها؟ اكتبها مرات ومرات، اكتبها بخط كبير وصغير وزخرفها وتأمل معناها. أما إذا كنت ترسم فركز على ضربات الفرشة والألوان. لاحظ سقوط الضوء في الصور التي تلتقطها من حولك. فكر في تفصيل دقيق واشغل ذهنك بالعمل عليه. اتركه قليلًا أو لعدة ساعات وعد إليه مجددًا.

ب)

يحدثنا مايزل قبل التمرين الثاني عن أحد عملائه. يشكو من كثرة المشاريع التي يرغب بإنجازها لكنّه يتخلى عنها كلها ولا يفعل شيئا. يقول له: حسنًا دعنا نتفحص هذه المشاريع. يخبرنا مايزل أن كثير من عملائه يصابون بالتوتر أو الاندهاش عندما يطلب منهم تحليل مشاريعهم. الحقيقة أن التحليل والنظر بتمعّن يخيفهم ولا شيء آخر. لذلك يوصينا بتمرينٍ ثانٍ لتشجيع قدراتنا التحليلية:

تخيل أنك ستكتب رواية مغامرات يجد فيها البطل نفسه واقعًا في مصاعب كثيرة. الآن فكر في الأدوات على مكتبك، كيف يمكنك إنقاذه باستخدامها. قلم حبر جافّ، علبة فيتامينات، مجموعة أوراق لاصقة أو دبابيس.. الخ

كيف يمكن لهذه الأدوات إنقاذه؟ ستتجلى هنا قدرتك على التفكير والتحليل والربط.

في اليوم التالي اعمل على تحليل لوحة، أو فيلم، أو قطعة موسيقية، أو حتى مهمة داخل مهام عملك. اختر شيئا وأعمل بجدّ على دراسته وفهمه.

في اليوم الثالث، فكر في مشروعك الإبداعي. ما الذي يمكنك تحليله فيه؟ كيف يمكنك توظيف تفكيرك الناقد وانتباهك الجديد بعد هذه التمارين؟

هل أصبحت التفاصيل أقرب؟

* سلسلة كتاب الإبداع مستمرة وبشكل أسبوعي. ويمكنكم متابعتها من خلال مدونتي أو مدونة عصرونية

.

.

.

كتاب الإبداع | الأسبوع السابع

في الأسبوع السابع من كتاب الإبداع يعود إريك مايزل ليذكرنا بأن كتابه مختلف. إنه يتعامل معنا مباشرة، مع التحديات التي تواجهنا، مع مشاعرنا، مع أفكارنا قبل إبداعنا. لن نجد في الكتاب دروس وتقنيات للرسم، أو طرق مختصرة لكتابة رواية. ما يهمه هو أنت! يهمه الشخص الذي سيبدع ويبتكر بأي طريقة وفي أي مجال.

مهمّة كتاب الإبداع تتركز في مساعدتك على اكتشاف إمكاناتك الكامنة وتوظيفها.

في هذا الفصل تمرينات ستركز على التخلص من شياطينك، أو أفكارك السيئة وكل ما يكبّلك ويعرقل وصولك للإبداع.

التمرين ١٣: نظف ثلاجتك

الوهلة الأولى لقراءة هذا التمرين ضحكت. لكنني تذكرت السعادة والخفة التي تنتابني كلما نظفت الثلاجة أو أي مكان تغمره الفوضى. ماذا يحدث إذا لم تنظف ثلاجتك لفترة طويلة؟ تفسد الأطعمة وتتحول تدريجيًا لكومة من الرطوبة والعفن. بقايا أطعمة موزعة في علب على الرفوف، وكل مرة تتسوق تزداد الفوضى.

يمكن قول الأمر ذاته عن ذهنك. إذا لم تتخلص من الأفكار السيئة والاصوات التي تقرع بها ذاتك، لن يبق هناك مكان لأفكار جديدة. لن تبدع ولن تبتكر شيئا وبالتالي لن تتقدم.

خلال هذا التمرين ستجد نفسك في طقس تطهير. ستنقي روحك وذهنك من الشوائب:

كل صباح تعد نفسك بالتالي: لن أقرّعك ولن اتحدث معك بسوء.

خلال اليوم وفي كل مرة تداهمك فكرة سيئة حول عملك الإبداعي وحول نفسك بشكل عام. تفحصها جيدًا، هل كانت موضوعية؟ هل كانت صادقة؟ وتعامل معها بما تجده مناسبًا. هذا الحوار الداخلي الهادئ له نتائج مذهلة وقد تصل مع نفسك إلى تسوية ما.

كل ليلة وقبل النوم تأمل أحداث يومك. راجع أدائك تجاه الأفكار. هل انتصرت مرّات؟ وخسرت مرة أو اثنتين؟ لا بأس، سيكون الغدّ أفضل.

التمرين ١٤: تخلص من التباهي!

نعم، هذه فكرة سيئة أخرى، شيطان بصوت مرتفع يدفعك للفخر والمبالغة في تقدير إمكانياتك. التباهي والفخر يقتلان الإبداع والابتكار. كيف يكون لديك مساحة لتبتكر إذا كان شغلك الشاغل الظهور بصورة مثالية بلا شائبة؟ كيف تبدع إذا كنت تعتقد بأنك فوق النقد – والرفض؟ كيف تبدع إذا كنت تعتقد أن ضحكة من القلب ستدمّر صورتك؟

يشاركنا مايزل أيضًا مجموعة من القصص التي وقع فيها فريسة للتباهي:

عندما كنت أعمل على أحد كتبي التي تتطلب بحث مستفيض شعرت بأنني لم أكن ملزمًا بذلك وكتبت مباشرة بمعرفتي البسيطة عن الموضوع.

لم أحضر أي مؤتمر للكتابة ما لم أكن أحد المتحدثين فيه. الكتاب الاعتياديون هم من يحضر المؤتمرات والعظماء لا يفعلون ذلك. هل نسيت بأنّها فرصة للقاء بزملاء المهنة وتعلم أحدث التقنيات وربما فرصة الالتقاء بناشرين؟

في مرّات كثيرة بعثت بنصوص روايات طبعتها على الآلة الكاتبة بصورة سيئة. لن يتمكن أحد من قراءتها. لكنني كنت أقول لنفسي: أن أعمالي رائعة كفاية لتدفع بالأشخاص إلى المحاولة والقراءة من نسختي السيئة. وذات مرة وصلتني رسالة من أحد الناشرين يقول فيها: أنت كاتب حقيقي. لكن لا يمكنني قراءة ما كتبته هنا، ولا أنوي المحاولة.

قراءة تمارين مايزل لهذا الأسبوع جعلتني أركز أكثر على نقطة التباهي، نقع كثيرًا فريسة له. لا أريد مشاهدة هذا الفيلم لأنّه مستهلك ويشاهده الكثيرون. لا أريد التسوق من هنا لأنّ الكل يفعل ذلك. لا أريد التعلم لا أريد المشاركة في فعاليات بنّاءة، ولا أريد دعم الأعمال المحلية لأنها أقل جودة من العالمية. هذه الرسائل الذهنية عبرت بي ذات مرة وربما حدث معكم ذلك.

التباهي يصطدم مع الفضول. التباهي يمنعك من اكتشاف آفاق جديدة. جرّب واقترب وارفض لاحقًا عندما لا تجد ما ينفعك أو يحسن من حياتك وأدائك.

*

*

*

سلسلة كتاب الإبداع مستمرة وبشكل أسبوعي. ويمكنكم متابعتها من خلال مدونتي أو مدونة عصرونية.

*

*

*