الثلاثاء – ٢١ سبتمبر

مددت بساط التمرين على أرضية صالة النادي الخالية وتأملت كيف مزقته مخالب قطتي. لففته لأشهر مضت وأصبح وسادتها وكرة اللعب ودميتها في ذات الوقت. الثقوب التي تعلوه مضحكة وغير مبررة. الصالة تخلو من المتدربات في هذا الوقت من اليوم وإن احتجت في وقتٍ ما لتفسير هذه الثقوب سأفعل بكلّ حبّ. عدت بحماس للتمرن في النادي بعد انقطاع دام ستة أشهر! تعرضت لإصابة بداية السنة لم تحدث في النادي طبعًا لكنها ابعدتني عن كلّ الأنشطة الحركية التي أحبها. حتى المشي الذي أجد فيه السلوى وصفاء التفكير أصبح فقرة مؤلمة يليها ساعات من النقاهة.

خطر ببالي اليوم أن استخدم الكلمة المفتاحية: إصابة للبحث في المدونة وكانت النتائج مضحكة. مرة إصابات أقدام، ومرة أخرى رقبة والأخيرة ركبتي التي منعتني من أي أنشطة بسيطة كصعود الدرج بسرعة أو الصلاة على الأرض.  تعافيت بالتدريج على مدى الأشهر الماضية واختبرت قدرتي على المشي في نيويورك وبنسلفانيا والنتيجة ٢-٠ لصالح المدينة والمزرعة.

عدت للنادي والحمد لله تزامن ذلك مع عرض سخيّ بمناسبة اليوم الوطني سيمنحني ضعف مدة الاشتراك وهذه المرة أنوي الاستفادة منها جيدًا والحذر من الإصابات والمبالغة في إجهاد عضلاتي.

أحبّ كيف تحول كلّ شيء في حياتي للبطء. لم تعد السرعة تغريني في أي شيء. حتى فضولي الذي كان مستعرًا على الدوام هدأ فجأة. لن يفوتك شيء يا هيفا طالما كان مهمًّا وحتى هذه العبارة تحتمل عدة تأويلات تقودني دائما إلى: استمتعي بالبطء.

هذا الصباح أقفلت الصناديق التي ملأتها بالملابس الفائضة عن حاجتي للتبرع بها خلال الأيام الماضية. كانت الملابس في كومة هائلة لففتها بأغطية السرير القطنية حتى لا تتسخ.

اليوم غريب كنت أحدّث نفسي بعد أن جمدت بصري أمام الشاشة في محاولة لإتمام مهام الأسبوع قبل العطلة القصيرة. لم أتمكن من كتابة حرف واحد وعليه قررت أن أعود لقائمة مهامي الشخصية التي تنتظر الإنجاز. تجهيز وصفة للعشاء، جمع الملابس للغسيل، الرد على رسائل الهاتف والتفكير في تمرين الغد. هذا النوع من الانفصال قليلا من المهمة الأكبر يحفزني للتفكير بها بشكل مختلف بعد العودة إليها. فكرة تنجح دائمًا.

نهاية الأسبوع المقبل أكمل شهر تقريبا على اعتماد نظام غذائي ممتع –كتبت عنه هنا – اكتشفت أن الفكرة الأولية لم تكن صعبة كما توقعتها. الغذاء النباتي (مع منتجات الحليب والبيض) أسهل بكثير من التفكير يوميًا في قطعة اللحم أو البروتين الحيواني الذي سأضيفه لوجبتي. وفي نهاية الأسبوع أُشبِع هذا الجوع باختيارات أكثر جودة.

أحبّ تدوين اليوميات العشوائية عن تغيرات الحياة اليومية والعادات التي اتبناها وكيف تؤثر علي، ومنذ اعتماد هذا النظام أجد نفسي أكثر امتلاء ورضا وكلّ وجبة هي فرصة للتلذذ بإضافة جديدة.  

في هذه الأيام لاحظت تحسّن نومي بشكل ملحوظ -ما عدا ليالي اكتمال القمر التي تربكني جدًا – أغفو خلال أيام الأسبوع قبل الحادية عشرة والنصف واستيقظ الفجر بكامل وعيي ودون الحاجة لمنبّه. أقول لوالدي هذه الملاحظة ثمّ يعلق: هذا تأثير أذان المسجد الجديد الأقرب.

كان لدي الكثير من الحماس لتقديم ورشة عمل خلال سبتمبر، لكن عندما نظرت لجدولي وتذكرت كل الأشياء المؤجلة التي أود اكتشافها قررت تأجيل الفكرة قليلًا. أفكر في ورشة عمل مختلفة هذه المرة، ممتعة ومنوّعة وتطبيقية.

التوقيت السنويّ يقول أنّ هذه الأيام أيام الحصاد، وأنا أشعر بها جدًا. الجو اللطيف والمزاج الرائق برغم التساؤلات حول القادم من الأيام. أخطط لأشهر السنة الباقية وتخليت عن فكرة عطلة قصيرة كانت مشوقة ومغرية في البدء لكنها ستثقب ميزانيتي بلا رحمة. ولأجل نفسي أعددت هدية ميلاد مميزة انتظرها بحماس!

الأيام القادمة موجهة للاحتفال مع العائلة ضمن تقليد سنوي نجتمع فيه خلال عطلة اليوم الوطني ولقاء القريبات بعد فاصل اجتماعي ممتد منذ عيد الفطر الماضي.

أحب التخفف المعنوي والفيزيائي، أحبّ أنه يترك لي مكان لعبور الاكسجين والرؤية الواضحة. حاليًا أعيش أيام شعارها: الاستيقاظ من حلم طويل. لا أدري هل كان هذا الحلم كابوس؟ أو خيال تختلط فيه الحكايات الجيدة والمؤلمة؟ لستُ أدري.

الليلة سألتقي بصديقة لطيفة تعرفت عليها في نيويورك قبل عدة سنوات والتقيت بها هناك هذا العام، لم نجد فرصة للقاء في الرياض قبل اليوم واتطلع لذلك. سأعدّ للعشاء هذه البيتزا الشهية التي اتذكرها مع موسم التين دائمًا، وقد اقرأ قليلا لأنهي كتاب ممتع، وسأنام باكرًا لاستقبال آخر يوم عمل في الأسبوع!

.

.

.

اللوحة للرسام Urmanche Baki Idrisovich

الاثنين – ٦ سبتمبر

توقفت الكهرباء عن العمل لحوالي الساعة وفي نفس اللحظة التي غمرني الهدوء فيها تذكرت أنني أجلس على مكتبي لأكثر من ثلاث ساعات الآن واحتاج لفاصل راحة. توجهت للمكتبة واخترت كتاب لجوليا كاميرونThe Listening Path الذي بنته على كتابها الأشهر The Artist’s Way ويركز بشكل كبير على الاستماع. بدأت بقراءة المقدمة وخلال ٤٥ دقيقة فصلت نفسي تمامًا من مكتبي ومهامّي. عادت الكهرباء للعمل وعادت معها شبكة الانترنت وجهازي وتوقفت عن هذا الفاصل المنعش لأتابع مهامي.

كلّ يوم أعمل فيه من المنزل تسعدني هذه الفكرة، فكرة الفاصل الذي اقتنصه من اليوم لاكتشاف فيديو قصير أو قراءة فصل من كتاب أو اجراء مكالمة أو الرد على بريد. لم يكن هذا سهلا حتى قررت ذات يوم الجلوس لكتابة قائمة بالأشياء التي أحبّ تضمينها في يومي متى ما كان الوقت مناسبًا ولم أحدد الوقت كي اسمح بجمع أكبر عدد من الأنشطة.

كانت المفاجأة عندما أدركت أن الوقت الذي احتاجه لكثير من هذه الأشياء لا يتجاوز الساعة. اليوم مثلا مع انقطاع الكهرباء قرأت قليلا في كتاب لطيف، وفي يوم آخر استغل الوقت الذي اتركه بين المهام لقراءة مقال معلّق في المفضلة أو تصفح انستقرام قليلا.

ليلة البارحة كانت صعبة جدًا.

استيقظت صباح الأحد على وعكة هضمية شديدة اختبرت معها صبري. قضيت ساعات النهار نصف واعية لا اقوى على تناول شيء وأحاول عقد هدنة مع معدتي برشفات الماء. لم اعتذر عن مهام العمل ربما لأنني ظننت أن العمل ممكنًا. فوتت اختبار مهمّ والآن سأعيد جدولته. يوم أمس كان في بعد آخر هذا ما شعرت به لحظة وضعت رأسي على الوسادة قبل العاشرة مساءً. خفيفة بمعدة خاوية تمامًا ورأس خالٍ من الأحلام.  

لكثرة ما اصطدم مع معدتي الحساسة جدا على مدى السنوات الماضية أصبحت أعرف البروتوكول الصحيح لعلاجها. مرة يكون الأمر مجرد التهاب خفيف سببه القلق، ومرة أخرى يغضب قولوني العصبي ويعلن الاضراب، ومرات أخرى اتناول طعامًا سيئًا في مكان ظننت أنه يقدم الأجود من كلّ شيء.

الحلّ السريع في حمية BRAT وعناصرها (الموز والأرز الأبيض المسلوق، وصلصة التفاح والخبز) وأضفت لها الزبادي قليل الدسم.

عندما أعمل من المنزل احتاج إلى خلفية صوتية، واختار عادة برامج وثائقية لا تتطلب الكثير من التركيز وكبديل عن نشرات الاخبار التي ادمنت سابقًا صوتها. إذا كنت أعمل على ملفات أو بحث باللغة الإنجليزية اختار مشاهدة أو الاستماع إلى برامج عربية، والعكس عندما يكون العمل على مستندات عربية. يعمل دماغي بطريقة غريبة! وعندما يكون العمل على مراجعة ملفات باللغتين كمقارنة ترجمة أو تصويبها استمع للموسيقى الكلاسيكية حتى لا تشتتني أي من اللغتين.

الأيام الماضية صحبتني سلسلة «محطات موسيقية» من الجزيرة الوثائقية، واكتشفت معها أصوات وألوان موسيقية عربية مختلفة.

وبما أنني بدأت الحديث عن الوثائقيات بدأت مساء البارحة مشاهدة السلسلة الوثائقية The Boleyns: A Scandalous Family من انتاج BBC. الذي يعرفني جيدًا يعرف ولعي الشديد بقصة آن بولين والاحداث التاريخية التي تلت زواجها من هنري الثامن، وصعودها ونهايتها المفجعة.

افرغت خزانتي نهاية الأسبوع الماضي، أتوقع مجموع ما اخرجته يصل إلى ٧٥٪ من حجمها السابق. كانت عدة ساعات مليئة بالأسئلة والغضب: لماذا اشتريت هذه القطع؟ ما الذي كان يدور في بالي؟ من يعيد لي كل هذه المبالغ؟ كنت اضحك قليلًا وبعد لحظات يغمرني التأثر والقنوط. ما هي القصات المناسبة لي؟ ما هي الألوان والنقوش؟ كانت اختي موضي تعطيني التلميحات وتشير عليّ بأن أبقي هذه القطعة أو اتخلص منها. هذا الأمر كان مريح بالنسبة لي، أن اتخفف من مسؤولية التخلص من ملابسي عندما أفكر في قطعة منسية. الفكرة التي تسليني دائمًا خيارات التبرع بهذه الملابس وأنها ستجد بيت جديد ومحبّ.

تقول لي مرشدتي أن الثيمة الطاغية على حياتي حاليًا: التخفف وإعادة التأهيل. وأنا اتفق معها، ربما هو الاقتراب من ميلادي الموعد السنوي للتفكير في الحياة وكلّ شيء حولي؟ أو هو موسم الحصاد الذي أشعر به في خلاياي؟ كلها ممكنة ومناسبة لما أشعر به.

كيف كانت بداية أسبوعكم؟

.

.

استعادة الحياة بهدوء ولطف

نجحت في استعادة ترتيب حياتي خلال الشهر الماضي والأمر بدأ باستبعاد كلّ المشاريع والخطط الجانبية سواء كانت ممتعة أو مدمرة لطاقتي ومشاعري. لم تعد فكرة الفضول والاكتشاف تشغلني بقدر راحة البال وهذه تجربة شخصية مهمّة احتجت لحسم أمري بالمرور بها واكتشافها.

تشير ساعتي الرقمية إلى أنني احتاج حوالي ألف سعرة حرارية لتحقيق تحدّي شهر أغسطس. كل شهر تهديني تحدي جديد ولكنني تجاهلت الأنشطة البدنية تمامًا لثلاثين يومًا وحتى هذا الرقم الذي حققته كان مفاجأة! يوليو كان شهر ركض واجهاد بدني ومعنوي. ولكن، أتطلع اليوم بحماس للأشهر المتبقية من السنة وأنوي استثمارها بانتباه واهتمام شديد.

اشتاق كثيرًا لكتابة التدوينات ويبدأ الأسبوع بحماسي لفكرة معينة وما أن اقطع شوط في العمل اليومي والتزاماتي الشخصية والاجتماعية تتبخر فكرة التدوين تمامًا. أحبّ هذا الانشغال الصحي وأقول صحي لأنني انتبه له من وقت لآخر. أكون متصالحة مع نفسي ومستمتعة تمامًا بقراءة كتب جديدة أو الانخراط في أنشطة منوعة أو مسلسل ممتع لا أرغب بتفويت الجلوس ومشاهدته. أغسطس كان شهر حاسم لتحديد ما أريده من نفسي والحياة عمومًا.

كيف تتعامل مع حياتك المبعثرة؟

كانت تدوينة على مدونة Zen Habits إحدى الأدلة الارشادية التي قادتني للحل المنظم لتجاوز الفوضى المؤقتة التي مررت بها. يقترح ليو باباوتا تقنيات لمساعدتك في تجاوز الفوضى، وإذا كنت سأترجم ما جاء في التدوينة بشكل مختصر ستكون النقاط كالتالي:

  • ضع قائمة طويلة لكل ما تحتاج عمله في الفترة القادمة وفكر فيها كعملية تفريغ لما في رأسك. ابحث في كل مجالات حياتك وضعه في هذه القائمة بلا فرز أو ترتيب فقط اكتب بلا تردد أو تفكير مطوّل. بعد الانتهاء من هذه القائمة الطويلة قم بتوزيعها على مجالات حياتك أو حتى بحسب أهميتها. قد يكون من الجيد تخفيف القائمة بتنفيذ أي مهام سريعة في جلسة واحدة.
  • استخدم القائمة الطويلة لبناء قائمة قصيرة وتقسيم المهام إلى مجموعات من ٣-٥ عناصر ويمكنك التعامل معها وإتمامها في يوم. ستشعر بالسعادة والتحفيز في نهاية اليوم بعد أن تخففت منها. يمكنك أيضا تكرار العملية بالعودة للقائمة الطويلة وتركيزها في مجموعات أصغر حتى تنتهي منها تمامًا.
  • خصص وقت معين من اليوم أو الأسبوع للتعامل مع المهامّ في مجموعة واحدة (مثلا أنا جمعت زيارات الطبيب أو الفحوصات مع بعضها، من ثم المعاملات الحكومية مع بعض، والزيارات العائلية السريعة في مدينة واحدة، تنظيف الخزائن في غرفة واحدة.. وهكذا) كل مرة اعطي الاهتمام لأمر محدد أو مجموعة من الأمور المتناسبة وفي نهاية أسبوع واحد أتممت كلّ ما أجلته لشهور طويلة.
  • استخدم النقطة السابقة لتخصيص وقت محدد لكل مجال من مجالات حياتك واعتمده دائما. مثلا يوم السبت المساء لتحضير وجبات العمل للأسبوع المقبل، ويوم الخميس المساء لإجراء الاتصالات بالعائلة الممتدة أو الأصدقاء، وصباح الخميس لتفريغ صندوق البريد الالكتروني والردّ على الرسائل. ضع هذه المواعيد بشكل واضح كمنبّه في الهاتف أو دونه في تقويمك الشخصي.
  • اطلب المساعدة في المجالات التي تحتاجها. بالنسبة لي أحب ترتيب خزانتي والتخلص من الملابس القديمة أو تجديدها بصحبة أخواتي ليعطينني آراء إضافية حول ما احتفظ به وما استبعده.
  • بسّط المهام. إذا تعقدت الأمور فكّر كيف يمكنك تبسيطها أو تسهيل التعامل معها. ويندرج تحت هذا التبسيط التخفف من الالتزامات الصعبة التي وضعتها على نفسك. في حالتي مثلا وددت الالتزام بنشاط رياضي يومي في وقت ثابت وهذا لم يحصل لأن وقتي شُغل بأشياء أخرى وكان الحلّ هو ممارسة الرياضة في الوقت المناسب من اليوم متى ما كان متاحًا ومحاولة التحرك بشكل مستمر إذا لم يكن التمرين خيار متاح.
  • التزم بعمل شيء واحد في وقت واحد واهتم بإكماله. الشعور بالفوضى والتشتت يأتي من القفز بين الأشياء والمهامّ. لقد شعرت بذلك بشدة ومن هنا جاءت فكرة استبعاد أي التزامات عمل إضافية كما كتبت في بداية التدوينة. يقترح ليو باباوتا أيضا الهدوء والابطاء في المسير حتى تنتهي من المهمة وتنتقل لما يليها.
  • احصل على وقت مستقطع للراحة والتنظيم الشخصي والتخلص من القلق والإرهاق وتجديد الطاقة.
  • تنتهي هذه التوصيات باقتراح تجربة كل فكرة على حدة ورؤية أثرها على حياتك وهذا أفضل من محاولة تنفيذها دفعة واحدة.

كولاج – أغسطس

Les mains de Lella – Photo by Boubat

.

.

يناير كان

رأيت في الحلم ليلة البارحة أني أفتش في رفوف المطبخ عن شوكولاتة Lion Bar ووجدت الكثير من اللفافات الفارغة والجديدة. بدأت يومي وأنا أفكر في الشوكولاتة وسبب ظهورها في حلمي. وهذه معلومة لا أدري إذا شاركتها معكم من قبل أو لا: أحبّ التفكير في أحلامي وتحليلها وأذهب لأبعد من ذلك وأسأل غوغل عنها كلّ صباح.

يناير كان شهر طيب بمقياس الحياة الحالية. كان فيه عمل كثير ومرح، وفرح، ورحلة قصيرة لجدة جمعتني بالأصحاب والموج والغروب. شحنت نفسي واستمتعت بقليل من العزلة بعيدًا عن المنزل الصاخب. تقول لي مرشدتي: تقفزين قفزات غزال طويلة وخفيفة! والسبب في هذا الوصف أنها لاحظت التغيرات التي مررت بها خلال السنة التي قضيناها سوية. أتممت مهامّ ممتعة وصعبة في نفس الوقت، قرأت عدة كتب أوصت بها لاكتشف موضوع جديد أو فكرة ناقشناها واحتاج لتفكيكها أكثر. أحبّ العمل الذاتي هذا، وسعيدة أنني في الوقت المناسب من الحياة قررت الالتفات لنفسي وعلاجها. خلال السنة الماضية مررت بعدة مواقف شديدة ما كنت لأتجاوزها بخفّة ووعي لولا أن مددت يدي لطلب المساعدة. لدي الكثير لقوله عن هذه الرحلة لكنني انتظر لحظة مناسبة ومكان أفضل للحديث عنها. بالعودة للأمس وأحلامي الغريبة اشتريت لوح الشوكولاتة المنشود وكنت أفكّر في روعة تحقيق الحلم بهذه السرعة! تخيلت إن الأحلام التي نراها تتحقق بسهولة زيارة السوبرماركت، وذهبت أبعد لأفكر: ربما كانت المشكلة أننا لا نفكك هذه الأحلام لأجزاء أصغر وأكثر قابلية للتحقيق. عدت للائحة طويلة من الأحلام وبدأت بتفكيكها إلى أصغر مكوناتها، وصولا إلى النية. وربما يجب ألا أقول إن النية مكوّن صغير فأثر البدء بالنية في النفس والحياة حولنا كبير لو تأملناه.

أعددت بالأمس شوربة الطماطم وسندويتشات الجبنة المشوية وجلست مع اخوتي للعشاء، هذه اللحظات التي نسرقها من أيام مجنونة لا نعرف رأسها من قدميها. خلال يناير قدمت الورشة الأولى (من الـ١٢ المخطط لها في هذا العام بإذن الله)، وبعد أسبوعين تقريبا أقدم ورشة فبراير. الشهر الأول كان عن تدوين اليوميات وهو وقت مناسب للبدء بهذا المشروع. سأنشر خلال الأيام القادمة نسخة ملخصة من الورشة صالحة للقراءة. أما شهر فبراير الحالي سيكون عن التدوين، البدء بالتدوين تحديدا من خلال ورشة مدتها أربع ساعات مناسبة لمن يرغبون ببدء التدوين من الصفر. كيف تبدأ مدونتك من الفكرة والاستراتيجية وصولًا لاختيار المنصة الرقمية المناسبة. يمكنكم التسجيل في الورشة من خلال المتجر الإلكتروني على هذا الرابط.

خلال الأشهر الماضية اعتمدت وحدة قياس للأيام والوقت، هذه الوحدة تركز على اللحظات التي اجتزت فيها حاجز خوف وهمي وضعته لنفسي، أو قفزة بعيدة عن منطقة الراحة. وما أكثرها من حسن حظي! قررت قبل أسبوعين العودة للتمرين في نادٍ رياضي خارج المنزل، وكان القرار صعب لكنّه ضروري لأنني بحاجة لأجهزة إضافية ومساحات وغرفتي ومساحة التمرين لا توفرها. اخترت فكرة ذكية بالاشتراك بعدد الزيارات وليس بالاشتراكات الكاملة المكلفة خصوصا وأن علامات الحجر تلوح في الأفق. كان تخمين صحيح فبعد إتمام عملية الاشتراك بأسبوع أُعلن عن إيقاف الحضور للأندية الرياضية لعشرة أيام -قابلة للتمديد. في اليوم الأول لحضوري قالت لي موظفة الاستقبال أنها سعيدة باشتراكي وترغب في إرشادي لغرفة أخذ القياسات وكتلة الجسم وما إلى ذلك. ابتسمت ورددت بلطف: لا أريد ذلك. تفاجأت وضحكت وقالت: تخافين من النتيجة؟ وأكدت لها: أنا أرى النتائج بوضوح في المرآة ولا أرغب في الوزن أو قياس الكتلة والعضلات والماء. وحاولت محاولة أخيرة معي بقول: لن تدفعي شيئًا مقابل الخدمة فهي من ضمن اشتراكك، وأجبت بحزم محاولة ألا أفقد ابتسامتي: لا شكرًا، ممتنة لتوضيحك كافة تفاصيل الاشتراك لكن لا احتاج أخذ وزني الآن أو بعد ستة أسابيع أو سنة.

 لم أرد أخذ المزيد من وقتها لشرح قصتي عندما تخلصت من الميزان تمامًا وتخلصت معه من مشاعر التوتر ومراقبة صعود وهبوط الأرقام. أصبحت علاقتي بجسدي أهدأ، ضاقت الملابس؟ انتبهي هذا يعني بأنك زدت من الأكل وقللت الحركة ولنعد الآن لوضعية الإصلاح. يكفي أن ارتدي ملابسي في الصباح، أو ألحظ اضطرابا في لياقتي لاعتمد إحدى طرق العلاج المجربة. الاسراف في الأكل والاسراف في الجلوس تتناقض وفكرة الأكل الحدسي والحركة اليومية وهذه الأفكار هي التي حققت أفضل النتائج في حياتي. قرأت في يناير أيضا بشهية مفتوحة ومتعة، قرأت “مستر غوين” لأليساندرو باريكو. الرواية التي يقرر بطلها التوقف عن الكتابة والتوجه للبورتريه ولكن بمفهومه الخاصّ. كانت رواية ذكية وممتعة وبرأيي أي تفاصيل إضافية عنها ستحرقها. وما إن انتهيت من روايته هذه مددت يدي لرواية أخرى له وهي “حرير” التي يعمل بطلها في مهنة مدهشة: تجارة دود القز وتهريبه من أقصى الأرض. أحببت الشاعرية والغموض والمساحات التي يتركها الكاتب لخيالي. ومن المؤكد أنني سأبحث عن بقية مؤلفاته خلال الفترة القادمة.

كيف كان يناير لكم؟ ما هي الاكتشافات الشخصية التي قادكم إليها؟ كتب قرأتموها؟ مشاهدات؟ أحب قراءة تعليقاتكم كلها -مع أن الوقت لا يسمح لي دائمًا بالرد عليها لكنها تسعدني وتلهمني جدًا.

.

.

.

أمسيات ذات معنى

نقضي حياتنا ونحن نلتقي بالآخرين لأغراض كثيرة، لكنّ السؤال المهم إلى أي حد هذه اللقاءات أو الاجتماعات تكون ناجحة؟ عندما ننوي دعوة مجموعة من الأصدقاء أو الأقارب غالبا ما نركز على أمور لوجستية، ما الأطعمة التي سنعدها؟ أين سيكون الجلوس؟ ماذا نرتدي؟ كم عدد المدعوين؟ ونادرًا ما نفكر في هذا اللقاء على مستوى أعمق، كيف يتواصل الناس مع بعضهم؟

قبل سنتين تقريبًا تعرفت على كتاب بريا باركر “The Art of Gathering” وكان اكتشاف مهمّ في حياتي، ومنذ ذلك الحين وأنا أبحث عن طرق أفضل لتحسين جودة التواصل واللقاء بالآخرين. سواء كان ذلك في اجتماع عمل، أو أمسية عشاء.

استمعت للنسخة الصوتية من الكتاب وهي متوفرة في موقع Audible وفيه كثير من التفاصيل والأساليب المدعمة بدراسات استندت عليها أفكار باركر لتصميم اللقاء المثالي. قبل أن أوجزها لكن أرغب بالتعريف عن بريا باركر لوضع خبرتها أمامكم وربطها بالكتاب الذي عملت عليه.

بريا باركر ميسّرة لقاءات ومستشارة استراتيجية قضت حوالي ١٥ عامًا في مساعدة القادة والمجتمعات على خوض النقاشات الجادة، والمحادثات المثمرة في مجالات مرتبطة بالمجتمع والسياسة والهوية والأعراق، كما تلقت تدريبا متخصصًا في حلّ النزعات.

يستند كتاب باركر على الأفكار التالية:

١- اللقاءات-أو التجمعات- مهمة جدًا للتجربة الإنسانية، لكننا نغفل التفكير بها بشكل جدّي ويذهب وقتها -للأسف- في اتجاه غير ملهم وأقل من عادي. وبدلا من التفكير في حلول أفضل لتحسين هذه التجربة، نستمر على نهجنا الذي أثبت عدم فعاليته.

٢- يعتمد اللقاء الناجح على وضوح الهدف منه لجميع المدعوين. لماذا تجتمع العائلة كل خميس في بيت الجدّ؟ لماذا يلتقي الأصدقاء مرة كل أسبوعين؟ لماذا حدد المدير الثالثة مساء الأحد لاجتماع الأسبوع؟ والقائمة تطول. الكثير من لقاءاتنا بُنيت على عادة، أو اختيار آلي، ومهما تقدم الوقت نستمر عليها دون مراجعة لجدواها ومخرجاتها. سيفكر القارئ هنا: لماذا علينا أن نجد هدفا لكل شيء؟ هل يجب تحديد جدوى ومخرجات للقاء عفوي؟ لماذا تصعبون الأمر؟ وسأقابل هذه الأسئلة بسؤال مهم: هل يهمّك وقتك؟ وأفكر أيضًا في الحفلات الاجتماعية التي يقيمها الناس لسبب تقليدي آلي وتكلفة عالية دون تفكير “لقد تعودنا على ذلك”. التفكير في سبب الاجتماع بعمق سيمنحنا خارطة للقاء ممتع. هل السبب هو إحاطة نفسك بأحبتك؟ إذًا عشاء حميم ومختصر سيؤدي الغرض. إذا كان الهدف هو التعرف على مستجدات حياتهم، اختر جلسة هادئة بلا صخب، وبطعام بسيط خالٍ من التكلف.

٣- استعدّ لاستبعاد بعض المدعوين من القائمة. تتحدث باركر عن نقطة درجنا على التفكير بها: كلما زاد عدد المدعوين، كلما كانت الحفلة ممتعة. وهذا للأسف مفهوم غير مناسب بشكل دائم. إذا أردت أن تحقق لقاءاتك هدفها المنشود، قد يعني ذلك اختصار عدد الضيوف وانتقاء الأشخاص الذين يشعرون بالانسجام مع بعضهم البعض. قد يكون ذلك صعب في البداية لكن مع الاعتياد ورؤية النتائج ستشعر بالحماس لتكرار ذلك. هذه الفكرة تذكرني بعلاقاتي وصداقاتي المتنوعة. قبل اللقاءات الكبيرة أتواصل مع المدعوين وأبلغهم بأن الهدف من اللقاء كذا، وأنّ س من الناس سيكون هناك، هل هذا مريح ومناسب لك؟ هذا التساؤل اللطيف قد ينقذك من حرج دعوة ضيوف لا ينسجمون مع بعضهم أو يفضلون اللقاء معك في ظروف مختلفة.

٤- المضيف الذي يمارس سلطته يدير لقاء رائع مقارنة بالمضيف المسترخي أو الكسول. والمثال الذي سيقرب هذا المعنى للأذهان بشكل جيد: نحن نفضل أن نترك للضيوف حريتهم في التصرف، ونأخذ مكانًا جانبيا بعيدًا عن إدارة اللقاء أو الحفلة. “اخدم نفسك” “اجلس في أي مكان” “عرفوا بأنفسكم إذا شئتم” وغيرها من الاقتراحات التي تعفيك من بذل مجهود لضبط اللقاء. لكن الكاتبة تقترح ممارسة “السلطة” بطريقة هادئة. اطلب من ضيوفك الجلوس بطريقة محددة حول المائدة، أطلب منهم التعريف بأنفسهم في حال التقوا للمرة الأولى، ساعد المترددين في المشاركة في مسار الحديث وتنقل بينهم بالتساوي. قد يبدو ذلك غير منطقي في البدء، لكنها أفضل طريقة لتمنح كل الحاضرين القدر نفسه من المتعة.

٥- وضع قواعد وقوانين واضحة للقاء أو الاجتماع سيحررك بشكل مدهش! والقوانين اكتسبت سمعة سيئة مع الوقت، فنحن عندما نقول قوانين أو قواعد نتذكر المدرسة، الوالدين، والضجر والصرامة. هذه سمعة سيئة لكنها ظالمة. إذا اخترت قوانين تحكم لقاءاتك بشكل ذكيّ ستحصل على تجربة ممتعة وخلاقة. لنفكر في بعض القوانين التي تعزز من تواصل الحضور وقد مررت بها في مناسبات عائلية وعملية عدة، منها الحد من استخدام الجوال خلال الجلوس والحديث. أو دعوة الضيوف لسرد القصص الممتعة والكلّ يشارك، أو رواية تجربة مؤثرة. هناك لقاءات أخرى تتطلب منك عدم التقاط الصور أو تسجيل الحديث لتكتفي بالحضور الكامل. من جهة أخرى ينبغي ألا نخلط بين هذا النوع من القوانين “الجيدة” والنوع الذي يتسبب بالضغط على الضيوف، كتحديد ارتداء لون ملابس معيّن! أو إحضار أطباق محددة حتى وإن لم يجيدون تحضيرها. أرجو أن الفكرة اتضحت لك.

٦- الاحتفاء بالضيوف واستقبالهم باهتمام سيحدد مسار اللقاء بالكامل. لا يوجد أجمل من دخول ضيوفك لمكان معدّ لاستقبالهم، وتحيط بهم مساحة مرحبة ومهيأة. استغرب أحيانا من المضيف الذي يحدد موعد وصولك، ويستعجلك أحيانًا وعندما تصل على الموعد تجده يجري في كل الاتجاهات، غرفة جلوس تعمّها الفوضى وكأنك داهمته بلا موعد.

٧- تصميم اللقاءات التي يظهر فيها الناس ذواتهم الأصيلة التلقائية ليس ممكنًا وحسب، بل سهل جدًا! هذه الفكرة الأهم بنظري وهي التي دفعتني لتضمين أنشطة مختلفة لإيجاد مساحة لقاء حقيقية مع الآخرين. أحد هذه الأنشطة استخدام الاسئلة العميقة ومشاركة الإجابات لتظهر جوانب مختلفة من حياتنا. يظهر خوفنا، يظهر ضعفنا، ويظهر استعدادنا الدائم للاكتشاف والتغيير. الأمر أشبه باستخدام الـ Prompts أو المحفزات للحديث. قد تكون أداتكم بطاقات ألعاب ذكية، أو موقع بـ١٠٠ سؤال للتعرف على الأصدقاء، أو تمارين كسر الجليد إنما أكثر حميمية. هذا كلّه سيحدث في جوّ عفوي عندما تبدأ بنفسك وتشجع ضيوفك على القيام بالمثل.

٨- ختام اللقاء مهمّ كبدايته. في كثير من اللقاءات تأخذ الأمسية منحى مختلف ويخفت الحماس فجأة. تشارك باركر مثال لتوضيح الفكرة في الحانات ينادي الساقي قبل موعد الإغلاق Last call! والنداء الأخير هذا يعطي الجميع فرصة للاستعداد للخروج، أو طلب مشروب آخر، أو إنهاء محادثة عابرة مع زائر آخر. بكلّ الأحوال هذا النداء يثير انتباههم لنهاية الأمسية. ويمكنك بالطبع تطبيق مبدأ النداء الأخير في لقاءاتك، خصوصًا إذا كنت تعاني من المشكلة الشائعة بعد تقديم العشاء: هناك الضيوف الذين يستأذنونك خجلًا ليغادروا بعد أن أعياهم السهر، وهناك من يفضّل البقاء والسمر. لعلاج هذا الموقف تقترح باركر شكر الجميع بعد العشاء، وابداء تفهمك لمن سيغادر، ودعوة البقية للانتقال لغرفة الجلوس بعيدا عن فوضى الطاولة. ذلك يعطيهم الإحساس بقرب موعد المغادرة. تذكرت تقليدًا محليًا بعد تناول الطعام، ألا وهو إشعال البخور ودورانه في المجلس بين الحاضرين، وغالبا هذه طريقة تنبيه لطيفة فـ “ما عقب العود قعود” والضيف حينها يعرف أن الأمسية شارفت على الانتهاء. هناك الكثير من الأساليب اللطيفة لإنهاء اللقاءات، وأحبّ كثيرًا اللقاءات التي يصلني في دعواتها موعد المغادرة بوضوح. كما أنّ استشعارنا الذاتي وإحساسنا بالآخرين سيجعلنا نفكر في الوقت المتبقي من يومهم وكيف سيقضونه.

بدأت أنا والصديقة مها البشر مع مطلع العام الماضي -٢٠١٩- أمسية شهرية نلتقي فيها ونتشارك مستجدات حياتنا، نطهو العشاء سوية، ونقضي وقت غنيّ بالتجارب والمطالعات. أحبّ هذا اللقاء لأنه مكثف وواضح المعالم، فلا نقضيه في الشكوى، أو الحديث السلبي عن الآخرين، وعندما نناقش ما يشعرنا بالضيق فلأننا نبحث بوعي عن حلول ذكية له. التزمنا بهذا اللقاء حتى داهمتنا جائحة كورونا مع بداية هذه السنة، وعدنا إليها تدريجيًا عندما سمحت الظروف لذلك. أحبّ موعد اللقاء مساء الجمعة، والأيام التي تقودنا له. أحب اختيار الوصفات ومشاركتها لنرى كيف تتفق أو تختلف فتعطي مذاقًا رائعًا. أحب تبادل الكتب، ومشاركة الصالون الدافئ مع أطفالها، أحبّ صحبتنا التي تشعرني بأنني “غنية” معنويًا. لقد جسدت هذه الأمسية قواعد باركر سواء خططنا لذلك أم لم نفعل. وأدعوكم لتجربة الاستماع/أو قراءة الكتاب وتطبيق مقترحاته بينما نعيش واقع جديد يفرض علينا اللقاء بشكل مختلف.

سأترككم مع فيديو لبريا باركر تجيب فيه على السؤال: كيف يمكن لنا أن نغيّر لقاءاتنا اليومية من أجل التركيز على صُنع مغزًى بالتواصل الإنساني؟

.

.

.