شاهدتُ قبل نهاية ٢٠٢٥ سلسلة وثائقية عن صانع الأفلام الأمريكي مارتن سكورسيزي. خمس حلقات أخرجتها ريبيكا ميلر وعرضت أولا في مهرجان نيويورك للسينما ومن ثمّ رقميًا على منصة Apple Tv+ في أكتوبر ٢٠٢٥. كل جزء من السلسلة مدته حوالي الساعة وكانت عناوين الحلقات:
- Stranger in strange land
- All this filming isn’t healthy
- Saint/Sinner
- Total Cinema
- Method Director
تركتني السلسلة مع كثير من التأملات والأفكار بالإضافة لإعجابي الشديد وحبّي السابق والقديم للمخرج. خرجت من المشاهدة بملاحظات أحببت مشاركتها في تدوينة سريعة!
حوّل قيودك إلى نوافذ للإنطلاق
عانى سكورسيزي في طفولته من الرّبو ولأجل ذلك بقي حبيسًا في غرفته لفتراتٍ طويلة. وكان عالمه الخارجي منظرًا متحركًا عبر النافذة. كانت نظرته العلوية على حيّ ليتل إيتالي النيويوركي اللمحة الأولى على مستقبله الفنّي. هيأته هذه التجربة الإنفرادية لرؤية العالم من خلال زوايا محدودة ومن هذه النظرة ظهرت عناصر أسلوبه البصري في سرد القصص وتطوّرت مهاراته في التقاط أدقّ التفاصيل.
صراعاتك الداخلية قد تغذي أفضل أعمالك
لا تغفل السلسلة شياطين سكورسيزي الشخصية، فالحلقة الثانية مثلا تتناول تعاطيه المخدرات التي كادت تنهي حياته بنهاية السبعينيات ميلادية. وشاهدنا معاناته مع الغضب والاكتئاب. في الحلقة نفسها تستذكر زوجته السابقة إيزابيلا روسيليني غضبه الذي منحه القدرة على التحمل لتجاوز فترات التصوير الصعبة. ويتحدث سكورسيزي عن معاناته ودور العلاج النفسي في إنقاذ حياته. من هذه المعاناة جاءت أفلامه صادقة وجريئة لأنه لا يخشى استكشاف أكثر جوانب التجربة الإنسانية ظلمة، بما فيها نفسه.
ابحث عن مبدعين يشاركونك رؤيتك
بنى سكورسيزي شراكات رائعة على امتداد حياته الإبداعية. من ممثلين لكتّاب لمنتجين ومحرّرين. وجسدت سيرته قوة التعاون مع شركاء إبداعيين مناسبين. هؤلاء هم الذين يرون رؤيته الإبداعية ويدعمون تحقيقها. فالنجاح بالنسبة لهم لا يتطلب الفردانية، بل يعززه التعاون وينعشه. هذا الدرس أيضًا يوضح أهمية الثقة التي تبنى مع الوقت وتتيح للمبدعين الجرأة على المجازفة والتجريب.
حافظ على فضولك واستمرّ في التعلم
تجاوز سكورسيزي اليوم عمر الثمانين وما زال شغوفًا بالعمل ومتشوقًا إليه. ومن يشاهد هذه السلسلة يشهد استمرارية فضوله ونهمه للتعلم. نشاهد أيضا تكييفه لأسلوبه الإخراجي مع أجيال متعاقبة من الممثلين ومنهم على سبيل المثال ليوناردو دي كابريو ودانييل داي لويس. إذا كان هناك نصيحة يمكننا التقاطها وتبنّيها: دراسة أعمال الرواد وإثراء الذائقة الفنيّة دائمًا. حقق سكورسيزي أصالته بالتعلم المستمر وهذا درسٌ لنا جميعًا.
تكرار المواضيع ليس فشلًا
يكرّر سكورسيزي عدة ثيمات في كلّ أفلامه تقريبًا: العنف والإيمان والأخلاق والسلطة والهوية. لم يكن ينظر لهذا التكرار بشكل سلبيّ. لكنه بطريقة ما كان يتعمق أكثر في الثيمات مع مرور الوقت والتجربة. وعندما أفكر بنفسي أجد أني لطالما كنت أبحث عن الجديد المختلف وهذا مجهد ومقلق أحيانًا. لكنّ العودة لمكانٍ مألوف وزيارته أكثر من مرة وطرح أسئلة مختلفة يعدني بشيءٍ جديد.
.
.
.