أرشيف التصنيف: بلا وجه

سنة القفزات المدهشة

تشير ساعة يدي إلى السابعة وخمسين دقيقة. أفكر بصوت عالٍ: لو أنني أردت الاستيقاظ بهذا الانتباه وبلا منبّه لما حصل ذلك خلال الشهور الماضية. يبدو أنكم حزرتم الآن ما حدث. كنت سأكتب بأنني في إجازة طويلة وعلى وشك البدء بخطوة عملية مدهشة. لكن قبل ذلك سأقولها من جديد: تركت وظيفتي بعد ستة أشهر من العمل. وسلّمت آخر مهمة تحت إدارة وظيفية. وقلت في نفسي: المرة القادمة التي أنجز فيها مهمّة ستكون لنفسي.

ليس هناك أي حدث مجدول قريب منك حتى هذه اللحظة.

ظهرت هذه العبارة في لوحة التحكم الخاصة بالمدونة، ضحكت في سرّي. هذه هي اللحظة التي كنت انتظرها من شهور. لا مواعيد لا خطط لا شيء. حسنًا هناك الكثير من العمل المحبب لكنّه يعتمد على خارطة وقتي الخاص. أنام وأصحو وأعمل بحبّ وشغف بدون هلع الركض أو انتظار شيء ما.

خلال الـ١٢ شهرًا الماضية سافرت، وتعلمت، وعلمت، وخرجت من منطقة الراحة لمنطقة جديدة تخيلت أنها مرعبة لكنها أصبحت أفضل مكان. زرت المنطقة الشرقية والغربية ودبي والمملكة المتحدة وصحبت الكثير من الأشخاص المدهشين الذين أثروا حياتي وجعلوا عبور الأيام ممكنًا.

أشياء للفترة القادمة بإذن الله:

أقدّم ورشة للعمل المستقل تستضيفها مكتبة الملك عبدالعزيز خلال شهر فبراير بإذن الله.

مشروع تدوينة أسبوعية بالتعاون مع الصديقة الرائعة مها البشر، سنقوم بتجربة ممتعة ومختلفة لكلينا نقرأ فيها كتاب إريك مايزل المتخصص في موضوع الإبداع (The Creativity Book). يطرح الكاتب لكل شخص يرغب بتحفيز حياته الإبداعية وعلى مدى أسابيع السنة الـ ٥٢ أفكار وتمارين يمكن تطبيقها ورؤية ثمارها. سنقرأ ونطبق ونترجم وفي نهاية كل أسبوع نشارككم ما عملنا عليه. أضيفوا مدونة عصرونية في مفضلتكم وترقبوا الجديد فيها.

٢٠١٧.

كانت من أكثر أعوامي جنونًا. مررت بكلّ فصول المشاعر بين بدايتها واليوم. نزلت لأكثر أعماق الاحباط والحزن وعدت لقمة السعادة والنجاح والرضا. هذه هي الحياة صح؟

فكرت في كتابة أكثر من ألف كلمة لهذه التدوينة ثمّ شعرت بأنّ تدويناتي وقصاصات هذه السنة أفضل ملخّص لكل ما فيها. لذلك بلا ترتيب مسبق إليكم أحبّ تدوينات ٢٠١٧ :

حياة طيبة

أن تعرف قيمة نفسك

حتى لا يأكلكم الندم

كيف تصمم يومك المثالي؟

كيف تفاجئ نفسك؟

تجهيز الوجبات

مغامرة غذائية The Whole 30

وجبات الوعاء الواحد

يوميات

حياة بلا ستائر

استعادة ضبط المصنع

العام ٣٥: أخضر في العين والقلب

إنڤرنس عروس الشمال

ترجمات

طابع بريد لرسائل الحب فقط (لقاء مترجم مع غابرييل غارسيا ماركيز)

حلول إبداعية

كيف نكتب بلا توقف؟

اترك المنزل لتكتب أكثر

تطوير وظيفي

اصنع ملف تعريفي بلا خبرات سابقة

الوظيفة الحلم كيف نصل إلى هناك؟

كيف تختار نقلتك المهنيّة التالية؟

.

.

على لوحة الملاحظات بجانب مكتبي عبارة مهمة تقول ترجمتها: لن يكون هناك وقت أفضل من الآن لتراهن على نفسك. وأنا أراهن على نفسي أكثر من أي وقتٍ مضى. أشعر بها في قلبي، السنة المقبلة ستكون تغيير شامل وجذري على حياتي. للأفضل، للرضا، لمزيد من العطاء والإلهام والمشاركة مع الجميع.

شكرًا لكم من القلب

.

.

.

٤ رمضان: بأيادٍ سعودية.

١٠:٠٠ ص

رقم قياسي للاستيقاظ في رمضان.

اليوم نهضت باكرًا لحضور اجتماع عمل وخيّل لي بأنني سأنهار بشكل مفاجئ.

بالغت طبعاً وكل شيء كان بخير!

.

١١:٢٥ ص

اكتشفت مع انتقالي للرياض متعة جديدة. متعة اكتشاف المنتجات والمنتجين المحليين. لا أقول أن الجبيل كانت تخلو من مشاريع متنوعة ومنتجين محليين سواء في مجال الأطعمة، أو الكماليات وحتى الملبوسات. والدتي سيدة حِرفة ومبدعة بالأشغال اليدوية، كبرت وأنا ارتدي ملابسي التي تخيطها وأنعم بفرادة الأشياء التي تصنعها يداها السحرية. لكن، منذ انتقالي للرياض أصبحت أشاهد أكثر، انتبه أكثر للمشاريع الصغيرة التي تنمو مع الوقت. وانتقلت لمرحلة أخرى بحضور المعارض والفعاليات التي تدعم المنتجات المحلية وتسهل وصولها للعملاء والمهتمين. من بين المبادرات والبرامج المتعددة برنامج بأيادٍ سعوديةالذي أطلقه موقع ڤانيلا للتسوق الإلكتروني. فكرة البرنامج وتفاصيل التقدم للالتحاق به تجدونها في الرابط هنــــا. وشعارهم الجميل والمحبب #ندعم_المحلي فالمنتج المحلي يستحق الدعم والتطوير والانتشار.  من بين تفضيلاتي الشخصية لمنتجات محلية متنوعة وبشكل عام بعيدا عن البرنامج الذي أطلقه موقع ڤانيلا ، الماركات التالية قمت بتجربتها أو اقتنائها:

ديمارت (قرطاسية وديكور منزلي)

وراقة (قرطاسية وحلول تنظيمية)

نكهة شرقية (أطعمة ومذاقات شرقية)

٣٥٠ فهرنهايت (غرانولا متنوعة)

مطر (منتجات متنوعة وكماليات)

فلامنغو (حقائب اكسسوارات)

بيت التحميص (محمصة سعودية متخصصة)

١٢ كوب ( متجر متخصص بالقهوة)

أليف (متجر لمستلزمات الحيوانات الأليفة)

ورشان (متجر يوفّر الكتب النادرة)

.

٢:٣٠م

غفوة قصيرة حتى الثالثة والنصف.

احتجتها وبشدة!

.

٥:٠٠م

في برنامج حكاية طبق على الجزيرة الوثائقية، تعرفت اليوم على المندي الحساوي.

.

٨:٤٥م

اليوم الخميس وقبل فترة قررت أن كلّ خميس يكون احتفالية وانطلاق لنهاية الأسبوع.

الليلة خرجت مع صديقاتي للقهوة والجيلاتو، ذهبنا لــ Amorino مكان متخصص بالجيلاتو ويقدم قهوة طيّبة.

.

١:١٧م

العنود ابنة عمّي في لندن لدراسة مقرر متخصص في اللغة الإنجليزية، لا تعرف كم اشتقت لشخص وكم ترك غيابه أثرًا في نفسك إلا عندما تسمع صوته بعد وقت. سعيدة بتجربتها هذه وأتمنى أن تعود بعدها بحماس ورؤية جديدة للحياة والعمل.

.

.

.

كسر جونز

bluestory

أعتقد بأنها نعمة عظيمة لو تمكنت من الوصول إلى عامك الثاني بعد الثلاثين بدون أي كسور. وهذا ما حدث معي. شاهدت أقاربي، وصديقاتي يعانون من كسور شتى وفي أكثر من مناسبة، وكنتُ دائما أفكر في شكل الحياة وأنت تقفز بقدم واحدة، أو تمضي عدة شهور ترتدي ملابسك بأكمام مقصوصة. لم يكن أحد يتكلم عن الألم، الليالي الطويلة، وقلة الحيلة. كانوا يضحكون وهم يمدون أقدامهم لنوقع عليها، ويحتفظون بالجبيرة الملونة تذكار عظيم من فترة مدهشة.

يسمونه كسر جونز، أو كسر الراقص. يحدث في العظمة الخامسة من مشط القدم وهي امتداد الأصبع الأصغر. وفي صباح الثلاثاء الماضي وقعت على درجات السلم الأخيرة وحصل ما حصل. يقول الأخصائي الذي زرته وأنا واثقة من أنني سأكون بخير، وأنني سأمشي، وأن خمسة أيام كانت كافية للجلوس. بأنّ الجبيرة ستبقى لشهر، وبأنني سأحتاج للعلاج الطبيعي والكثير من الراحة، وطبعاً لا للرياضة.

الحمد لله أن كسر جونز – الذي كسر قدمه وهو يرقص- لم يحدث في مكان آخر، وأنني ما زلت أمشي، واقفز كلّ صباح في محاكاة فاشلة لحياة الكنغر. يقول والدي بأنني احتاج الوقوف – أو الجلوس- لأنني أركض منذ عدة أشهر، لا أتوقف، لا استريح، ولا أفكر جيداً. تقودني ألف فكرة في الصباح، ويركض دماغي بلا كلل حتى اسقط في نهاية اليوم على وسادتي، اللحظة الواعية الوحيدة والواضحة جداً هي تلك التي قضيتها في غرفة الطوارئ. بلا حراك. انتظر فقط. ما الذي يحدث يا هيفا؟ من ديسمبر الماضي وأنا أتنفس تحت الماء، اتخذ القرارات بلا ندم، واركض في عجلة افتراضية.

قدمي اليمنى، سأكتب فيها قصة ذات يوم. وقعت عليها مراراً، ووجد الأطباء فيها إبرة بطول إنشين، وقبل عدة أشهر اقتحمتها زجاجة حادة خلفت جرحاً ظاهراً وعطلت ركضي عليها. قدمي اليمنى هي أيضا قدم الارتقاء، كيف تعرفون قدم الارتقاء خاصتكم؟ قفوا باتزان واطلبوا من أحد دفعكم من الخلف، القدم التي تستخدمونها لتفادي السقوط هي قدم الارتقاء. احرصوا عليها.

كنت لفترة طويلة مفتونة بجون سلفر وعكازه وأذكر جيداً مكنسة جدتي القديمة التي استخدمتها لأقلد عكازه العظيم. والآن وبلا جهد حصلت على عكاز سلفر.

أجرب أغذية جديدة وأتبع توصيات صحية من متخصصين ومن عجائز العائلة، آكل الكثير من الماش – عدس أخضر- وسأحاول شرب الحلبة في الصباح وأكل الكثير من الزبادي لأسرع عملية جبر الكسر.

أنا إنسانه يربكها الجلوس لساعات طويلة، لا أحبّ طلب شيء من أحد حتى ولو كان صنع فنجان قهوة، ما دمت استطيع فعل كل شيء بنفسي سأفعله. سأحاول الاستفادة قدر المستطاع من فترة الراحة الإجبارية، اكتب، اقرأ الكتب التي علقت في منتصفها، وأشاهد الكثير من المسلسلات والوثائقيات.

تذكرون أول كسر في حياتكم؟

شاركوني القصة هنا : )

حكايات تتحدى العزلة

مررت بوثائقي من ساعة واحدة يتحدث فيه غابرييل غارسيا ماركيز عن أمور شتى. يتحدث عن عمله كسيناريست للسينما والتلفزيون، عن الخيال الواقعي وأمريكا اللاتينية ومواضيع أخرى ذكرتني بكتاب رائحة الجوافة وحوارات ماركيز فيه. المعلق يتحدث بالإنجليزية وماركيز بالإسبانية وتمت ترجمة مشاهده.

رينوار وأصدقائه

A woman and a cat - Renoir

A woman and a cat – Renoir

مستمتعة جداً بقراءة سيرة رينوار التي كتبها وجمع حكاياتها ابنه جان رينوار. يتشتت الحديث في بعض المواضع لكنّ جمال الكتاب ككل لا يضيع.

أحببت هذا المقطع – سأقتبس لاحقاً الكثير من الكتاب- الذي يتحدث فيه ابن الفنان الشامل عن رفاقه في المدرسة الانطباعية وما الذي تعلمه منهم.

“كل واحد من أصدقاء رينوار منحه شيئاً ما كان هو ممتناً منه. بيبسكو أعطاه أول فرصة لرؤية الأكتاف العارية للنساء في ثياب السهرة الجميلة، أما سيزان فكشف له عن دقة التفكير المتوسطي، ومونيه فتح عينيه على المخيلة الفطرية لناس الأقطار الأوروبية الشمالية، أما بيسارو فصاغ بمصطلحات نظرية أفكاره وأفكار أصدقائه. كل من أصدقائه أسهم في خزين الغنى الجمالي الذي كانوا يشتركون به.”

.

.

.

11 رمضان

أبحث عن الهدوء. في كلّ شيء. أريد أن انصت لنفسي جيداً. أريد ألا أضيع الآن وقد وجدتني. أريد ألا يحجب الضباب عيناي من جديد. أريد أن تبقى قدماي على الأرض طويلاً، ولا مانع من ارتفاع رأسي للسماء. أريد إجابة لدعائي، أريد الرضا والسلام والسكينة. أريد أن ابتسم ولا أفكر في الآتي. أريد أن أكون ثابتة في اللحظة، مع نفسي، الآن.

17/4/2014

“المرء يلجأ للنهايات المؤثرة عندما لا يجد خياراً آخر .”

– غابرييل غارسيا ماركيز 

حتى بي بي سي تخفق أحياناً.

 

shujaa

 

(أ)

الموسيقى التصويرية التي تسبق بدء نشرة الاخبار على قناة BBC WORLD لم تتغير منذ سنوات، حتى أنها تستخدم في القناة العربية كذلك، تمرّ الموسيقى وتبدأ عناوين الاخبار بالظهور بصوت المذيع، وخلال عدّ تنازلي حتى رأس الساعة، تتلاشى الموسيقى تدريجياً وتبدأ النشرة. ما حدث هذه المرّة مختلف، ظهرت المذيع بشكل مفاجئ وقبل انتهاء العدّ التنازلي، ارتبك وانهمك في تعديل جلسته ورفع الاوراق وفرزها في ثوانٍ هذه إشارة للمصور دائما اظن ذلكولكن خلال ثوان أيضاً اختفى المذيع وعادت الموسيقى التصويرية للظهور والعد التنازلي والعناوين، صوت المذيع مرتبك وهو يقرأ أهم الأخبار، لكنّه ما إن عاد للظهور ابتسم، المذيع الذي اعرفه منذ ١٧ عاماً، كان وسيماً آنذاك وكنت لا أفوت نشرة يقدمها، والآن أصبح أكثر وسامة بشعره الأبيض وتجاعيد عينيه الدقيقة، كيف يكبر الاعجاب معنا؟ يعني أفكر لو أنني عدت للوراء ١٠ سنوات وبقي المذيع على هيئته الحالية لأدرت القناة فوراً وبحثت عن مذيع وسيم آخر، الأخبار هي هي، المصائب والكوارث الطبيعية والاحصاءات الكاذبة، وابتسامات السياسيين البلاستيكية، سأخلط القنوات في رأسي وأكون نشرتي الخاصة على أية حال ولن يكون التلفاز مصدر المعلومة، لكن بينما احتسي قهوة العاشرة صباحاً أريد تأمل وجه جميلحتى بي بي سي تخفق، هذه الاخطاء الصغيرة التي تحدث بينما لا أحد ينظر، أو ينتبه، لا يحدث كارثة، قفزة صغيرة بعد هبوط اضطراري، نفض الغبار، والابتسام! حتى البي بي سي تخفق لذلك هوّنوا عليكم قليلاً وأنا سأهون على نفسي، لم نأتِ لهذه الحياة لنكون صورة للكمال. المتعة كل المتعة في العفوية، وتطبيق مبدأ الوابيسابي الذي حدثتكم عنه سابقاً.

(ب)

شاركت للمرة الأولى في سحب على سيارة أمريكية من شركة فورد، لم أخطط لذلك، لكن حدث أن كنت في السوبرماركت المحليّ ذات مرة وثقبت ميزانيتي بالتسوق ومدّ لي الموظف ستة كوبونات للمشاركة، اخبرني بالاجوبة مسبقاً ولم يمنحني الفرصة للتفكير حتى! وقال ضعيها هناك في الصندوق والسحب بعد حوالي شهرين، فعلت ذلكوكنت في كل رحلة تسوق اسبوعي التفت باتجاه السيارة وأخبرها أنها لي وأننا سنلتقي قريباً، وانتظرت الرابع عشر من مارس، وعشت قصة شبيهة بقصة جرة الحليب على رأس البائعة المتحمسة لمستقبلها، واشتريت البيض وبعته، واشتريت بقرة حلوب ودجاجات، وسافرت، وتسوقت، واعطيت لصديقاتي مبلغاً محترماً ولعائلتي، وانتظرت كل يوم، حتى وصلت لليوم المحدد للسحب، وعشت حالة من التوتر الغريب الذي لم أشعر به من قبل حتى بانتظار نتائجي الدراسية، اتصلت بالاستعلامات لطلب رقم السوبرماركت وقال الموظف بأنه لم يسجل في النظام، عدت لفواتيري وكان الرقم المسجل بها عبارة عن أصفار متراصة، ما الذي يحدث؟ الكون كلّه يتفق على منحي المزيد من القلق والترقب. مر المساء سريعاً لأنني فكرت باستضافة صديقتي التي تجيد التهام الوقت معي، شعرت فجأة بأنني تخليت عن الانتظار، لم أعد لمراقبة الهاتف الذي احتفظ ببطاريته مشحونة طوال اليوم تحسباً لاتصال أو رسالة من إدارة السحب. ذهبت للسوبرماركت في الصباح بعد يومين، وتبضعت، وثقبت ميزانيتي من جديد، تذكرت أيضاً أنني اقتنيت من نفس المكان في المرة السابقة انبوب معجون أسنان بنكهة النعناع النقي، وفوجئت بعد فتحها واستخدامها أن المعجون بالقرفة، جربته عدة مرات وشككت في قدرات تذوقي، وجربته مع أفراد العائلة، فعلاً المعجون بالقرفة وليس بالنعناع النقي كما تظهر الانبوبة! قلت للبائع بينما كان يزحلق المشتريات بامتعاض لقد اشتريت منكم معجون اسنان بطعم النعناع ولكنّه لم يكن كذلك، كان بطعم القرفةقال:”وأين المعجون؟كانت ردة فعله مستفزة للأمانة، والقى السؤال بسخرية، فرددت عليه بذات اللهجة هل تعتقد بأنني سأحمل انبوب معجون اسنان في حقيبتي أينما ذهبت؟، أنا اخبركم لتراقبوا المنتجات فقط“. وبعد هذا الاحتقان فوجئت بأن الفاتورة أكبر من المبلغ النقدي الذي أحمله، واعتذرت وبينما كنت ابحث عن حلّ سريع كان يرسل نظرة سخرية أخرى، شعرت بأنني أريد ترك مشترياتي والركض للشارع، لكن الفراولة الطازجة عزيزة على قلبي، وعلبة العصير، وشرائح اللحم البقري والخبز الالماني بالحبوب! دقيقة لدي الحلّ، اخرجت بطاقتي البلاستيكية المنقذة، أعظم اختراع بشري بعد مسكن الألم والانترنت. ودفعت ما تبقى، لم تنتهي الحوارات بيني وبين الموظف، وقبل خروجي قلت له: هل انتهى السحب على السيارة؟ قال: نعم، وكان هناك فائز محظوظ. ما لم يقله وقالته عيناه: فائز محظوظ ليس أنتِ!

(ج)

الصورة أعلى التدوينة التقطها أخي خارج منزله في بنسلفانيا الامريكية، أحبّ أنه يحب التصوير، وأحبّ أيضاً الاشارة لحبّ التصوير وجمع الصور والذكريات كجينة عائلية مميزة ومهمّة لديّ. الصورة جعلتني أفكّر في الأمر الذي انتهجهأو أحاول المحافظة عليهالتركيز على اللحظة الحالية، التركيز على تفصيل واحد، التفصيل الأكثر وضوحاً في الصورة، وترك الهامش في الخلفية، الهامش عديم الوضوح، نقص التفاصيل دائماً يربكني، وبدلاً من التركيز على الصورة الواضحة القريبة المتاحة والبعيدة كلّ البعد عن القلق، تشغلني التفاصيل المغيبة في الخلفية. وهذا متعب، أعرف أنّني لم آتي بجديد، لكن أظنّ أن الوقت لم يتأخر لأتخذ قراراً حاسماً بالتخلي عن الصورة المهزوزة حتى تقترب، والتفاصيل التي لم تأتِ بعد ستأتي في وقتها المناسب.

(د)

كونشرتو التشيلو هذه استثنائية، ليست لأنّ مؤلفها إلغار Elgar كتب تحفة فنيّة، بل لأنّها اصبحت مرتبطة بالعازفة جاكلين دو بري بسبب أدائها المذهل وترجمتها للموسيقى لتصبح قطعة من روحها. التصوير أيضاً يُظهر زوجها دانييل بارنبويم عازف البيانو وقائد الاوركسترا الشهير، الذي بقي متزوجاً بها حتى وفاتها في العام ١٩٨٧م بعمر الـ ٤٢، جاكلين انهت حياتها الموسيقية باكراً بسبب اصابتها بالتصلب اللويحي، وبقيت هذه المقطوعة لتذكر بروعة ما كان ينتظر المستمعين لو استمرت.

هُما.

(أ)

يحبّ من عملها شيئاً واحداً، أنها مساء السبت تمدّ له القلم الأحمر وتطلب منه ترك ملاحظات على أوراق الطلبة الكسالى، فيبدأ بالارتجال وفقاً للدرجات التي حصلوا عليها. يفعل ذلك بينما يتخيل وجوههم وهم يستلمون الاوراق، الخجل البادي عليهم، أو الغضب، ويعود ويتحقق منها هل ما يفعلونه صائب؟ نعم تجيبه وهي تبتسم ابتسامة التردد التي يحبّ.

(ب)

تنهره في كلّ مره يعطس ولا يتبع العطاس بـ الحمد لله، تنقصك الكثير من العادات الطيبة تقول له، حسناً إذا كنت لا تبحث عن الدعاء لك، على الأقل لن تفزعني بالتفكير ماذا حصل؟ هل اختنقت؟ هل أنت هنا؟ احتاج لما يكسر صمتنا الطويل بينما ابحلق في الاوراق المكدسة وتنهمك مع برامجك السمجة.

(ج)

إنها مصابة بوساوس كثيرة، من بينها حبّ التنظيم، إنها تفسد حياتها بالتنظيمكان يحدّث نفسه بينما يراقب كيف تجمع الاوراق الصغيرة وتصفها فوق بعضها حسب المقاس، واللون، ثم تعود لوضعها في مظاريف، ماذا ستفعلين بها؟يسأل بصوت عالٍ، وتردّ بامتعاض سأنثرها على الأرض”يتذكر كيف تحول الصالون إلى ساحة معركة، مهما بدا الأمر مضحكاً إلا أنه تحول تدريجياً إلى الجدّ ولا شيء غيره، فبعد سهرة طويلة في مشاهدة مباريات مسجلة متتالية، تحولت السجادة حول كرسيه الوثير إلى احتفالية بالقشور، وأغطية زجاجات البيرة، قلامة اظافره، شعر الهرّة والكثير من الغبار. لم تغضب كعادتها، ولم توبخه كما لو كان أحد طلبتها، أحضرت شريطاً لاصقاً وبدت منهمكة في مخطط سرّيلم يبق طويلاً كذلك– . قسمت الصالون إلى قسمين وأشارت باتجاه مكتبها ومدخل المطبخ وطاولة الطعام، هذه منطقتيحذّرته، والآن استمتع بمهرجانك اللطيف”يعلق الضيوف أحياناً أن تغيراً طفيفاً في لون السجاد يفصل الصالون إلى ناحيتين، طبعاً هي لا ترغب في إحراجه وإحراج نفسها، في كلّ مرة يزورهم ضيف تزيل الشريط وتعود لوضعه لاحقاً، ألم يقل لكم أنها مصابة بوساوس كثيرة؟

(د)

تمنعه من التدخين في المنزل، وتستمتع بمنظره وهو يرتعد في ليالي الشتاء ليدخن سيجارة في الشرفة، يشبه كلب حزين، تضحك قليلاً ثمّ تحزن معه.

(هـ)

يمنع نفسه من السعال بصوت مرتفع داخل المنزل، يعرف جيداً أنه ما إن يفعلها ستعلّق بغضب، وستبحث عن صور مخيفة لمدخنين مخضرمين، ولن تتوقف حتى تشاهده يرمي بآخر علبة سجائر بنفسه في صندوق القمامةيمنع نفسه من السعال في المنزل ويستغل وصوله المبكر لعمله، ويسعل كأنها فرصة رئتيه الوحيدة للكلام، يرتد صدى سعاله ويضحك، إنه يفزع المراجعين، والعصافير على النافذة ويثير حنق مديره المنافق.

(و)

تحبّ كاحليه المتورمين، هذا منظر رجل كادح، تحبّ لعبة اخفاء اللحف الثلاثة التي لا ينام بدونها، وكلما اختصرت عددها لأن الجو لا يستدعي ذلك، ذهب خصيصاً للمتجر وابتاع المزيد منها. تحبّ قمصانه التي قصت أكمامها ليرتديها كلما ثارت الاكزيما في ثنية ذراعه.

(ز)

يحبّ ظلها، وكلما قال لها ذلك ضحكت منه وتجاهلت اطراءه، يحبّ رؤية هيئتها وهالة الضوء حولها، يحبّ أنه لا يراها بوضوح لكنه يعلم أنها هي، هنا منذ عشرين عاماً بعقيصة البندق فوق رأسها، يودّ لو أن الشمس لا تغيب، يودّ أن تبقى واقفة هكذا إلى الأبد.