٢٢ | كيف أنظّم حياتي بثلاث أجندات وقلم؟

اطلعت مؤخرًا على إحصائية مربكة تقول بأنّ الشخص العادي يفقد تركيزه كلّ ثمان دقائق بسبب الإشعارات الرقمية. وفكرت: إذا كنت أعمل ثمان ساعات يوميًا فهذا يعني أنني أفقد ساعات من وقت الإنتاج الحقيقي وأشعر بالإرهاق بسرعة وتتبعثر أفكاري أكثر مما أقبض عليها. والحلّ؟ الهروب من الأدوات الرقمية لتنظيم أيامي مهما كانت ممتعة وجذابة والعودة للورق والكتابة بالكامل. التدوين اليدوي عادة بدأتها من الصغر لكنها كانت محدودة في تسجيل تأملات نهاية اليوم والأحداث التي أريد العودة إليها.

كانت تمرّ أيام كثيرة اعتمد فيها على الملاحظات والتقويم الرقمي في هاتفي وهذه فكرة جيدة للتنبيه اليومي، ولكن ليس على المدى البعيد. وهناك قلق من نوعٍ آخر وخاص بي: ماذا لو تعطلت كل هذه التقنيات؟ كيف أتذكر ما أريد حفظه وأحمله معي في كلّ الظروف؟ ومن جهة أخرى وجدت أنّ الكتابة اليدوية ليست فكرة رومانسية بل حل علمي مثبت. فهناك العديد من الدراسات العلمية تثبت أن الكتابة باليد تحسّن الذاكرة بنسبة تصل إلى ٦٥٪ أكثر من الرقمية وتقلل التوتر والقلق وتحفز الإبداع بطرق لا يمكن لأي تطبيق التفوق عليها.

القرار بالعودة إلى التدوين اليدوي بمثابة طوق نجاة. لم تكن مجرد كتابة، بل كانت عملية تأمل يومية أعادت لي السيطرة على أفكاري ومهامي. في هذه التدوينة، أشارككم نظامي الخاص الذي يعتمد على ثلاث أجندات ورقية مختلفة. هنا نظام بسيط ومرن يمكن لأي شخص أن يتبناه ويعيد به ترتيب عالمه الداخلي والخارجي.

نظامي الثلاثي: إعادة ترتيب الحياة

أحببت هذا النظام لبساطته ووضوحه وربما لسببٍ آخر: رغبتي في تنويع المذكرات التي أدونها لأصنع تاريخي الشخصي بعد حين. وبدلًا من تكديس كلّ شيء في مكانٍ واحد، هذا الفصل بين جوانب حياتي المختلفة يمنحني وضوحًا وصفاء ذهنيًا لا يقدر بثمن. كلّ أجندة لها دور محدد وواضح وشخصية مستقلة وطريقة كتابة وتدوين وأهداف واضحة.

أجندة العمل والمهام اليومية

أسميها أجندة الواقع والأداة التي أواجه بها متطلبات الحياة العملية واليومية. في هذه المساحة أدون الالتزامات وأروض الفوضى لأشعر بالإنجاز! لا يوجد أفكار عشوائية فقط نظرة واضحة على أيامي وجداولها. استخدم في هذه الأجندة مذكرة من موجي للعام ٢٠٢٦ للتخطيط الشهري والأسبوعي. ومذكرة ثانية لمهام العمل والقوائم، والثالثة لتسجيل تفاصيل الاجتماعات وأيّ معلومات تخص المشاريع التي أعمل عليها لأعود لها وقت الحاجة. الدفاتر نحيفة وخفيفة وأبدلها عندما تمتلئ واحتفظ بها في أرشيف خاص.

التدوين والتخطيط هنا له عدة أشكال: في المذكرة محددة التواريخ ابدأ بالنظرة الشهرية في صفحة كل شهر أوزع الأيام الهامة على التقويم والمواعيد وأيّ شيء ثابت ومقرر سابقًا. أضيف خلال الشهر أي مواعيد أو تفاصيل حدثت بلا تخطيط لتذكر الأحداث لاحقًا.

والنظرة الأسبوعية في الصفحات المخصصة لكلّ سبعة أيام ويقابلها صفحة فارغة أضيف عليها التفاصيل الأخرى. في بداية كلّ أسبوع أحدد المواعيد والمهام لكل يوم وفي الصفحة المقابلة أضيف جدولًا للأنشطة البدنية (التمرين-المشي) والعشاءات التي أحددها مسبقًا لتجهيز الوجبات. ومساحة صغيرة أسجل فيها أهم أحداث الأسبوع وما أودّ تذكّره.

في المذكرة الثانية أكتب مهامي كقائمة مطولة بلا تخصيص ولكل يوم عمل أضيف المزيد منها. في نهاية الأسبوع اظلل ما انتهيت منه وأنقل التي لم تتم لصفحة جديدة لأسبوع جديد.

أما المذكرة الثالثة التي أخصصها للملاحظات، أكتب في رأس الصفحة اسم الاجتماع أو المشروع والتاريخ واليوم واملأها بالأفكار. وضوح العنوان في رأس الصفحة يذكرني بالتفاصيل لاحقًا.

أجندة المشاريع الشخصية والأفكار

إذا كانت الأجندة الأولى هي العقل فهذه هي الروح. هنا أطلق العنان لأفكاري وأدون تفاصيل مشاريعي الشخصية التي تعطي الحياة معنى. ليس لديّ أي قوانين ثابتة هنا. واستخدم الصفحات في المذكرات للتالي:

العصف الذهني وخرائط الأفكار: عندما أعمل على ورشة جديدة أو أخطط للمحتوى استخدم الصفحات للتدوين الورقي بدون تخصيص أو ترتيب.

بنك الاقتباسات: هنا أجمع الاقتباسات من المقالات المطولة والنشرات البريدية ومشاهداتي وأي شيء أود تبنيه أو البحث عنه أكثر واكتشافه في المستقبل. أعود لهذه الصفحات عندما أبحث عن فكرة جديدة للتدوين أو بناء مشروع من الصفر.

تخطيط المشاريع: استخدم مذكرة ل٢٠٢٦ نفس تصميم المذكرة في أجندة العمل لكن الفرق هنا أنها مخصصة للمشاريع الإبداعية، ورش العمل، وكتابة المحتوى.

هذه الأجندة ممتعة ومليئة بالألوان والقصاصات وهي انعكاس حقيقي لطريقة تفكيري.

أجندة الكتب وعوالمها

اقتنيت لقراءاتي أجندة جلدية بحجم جواز السّفر. اخترتها صغيرة لأتمكن من حملها في كلّ مكان وأدون رحلتي مع كلّ كتاب. كان لدي مذكرات للقراءات سابقًا لكن توقفت قبل سنوات في المحافظة عليها. أصبحت التقط صور الاقتباسات وأجمعها في هاتفي وبالتالي ضاعت في الفوضى الرقمية. ولأنّ ٢٠٢٥ كانت بشكل جميل السنة التي استعدت فيها شهيتي القرائية وقرأت أكثر من عشرين كتابًا! استعدت أيضا رغبتي في الكتابة عن القراءات وتذكر رأيي حول كلّ كتاب وجمع الاقتباسات والمشاعر التي أمر بها خلال القراءة في مكانٍ واحد.

ببساطة عندما ابدأ قراءة الكتاب افتح صفحة جديدة واكتب في رأسها عنوانه والمؤلف والمترجم إذا كان مترجمًا وتصبح الصفحات التالية سلسلة من التأملات والتدوين. الفرق هنا أن الاقتباسات لم تعد حبيسة ملف الصور في الهاتف المحمول، بل أصبحت أكتبها بيدي وأذكرها. لديّ هدف من هذه التدوينات فهي طريقتي لتحويل القراءة إلى تجربة تفاعلية حتى وإن لم أشارك هذه التأملات مع أحد. ولتلخيص عملية التدوين هنا أتبع المخطط التالي:

ملخصات وأفكار: مع أني أكتب مشاعري وتأملاتي وانطباعاتي حول الكتاب خلال عملية القراءة. إلا أنّ النظرة الختامية اكتبها بعد الانتهاء منه. أكتب ملخص قصير وأهم الأفكار التي خرجت بها.

الاقتباسات: أدون الاقتباسات التي لمستني مع ذكر الصفحة للعودة إليها بسهولة.

قوائم القراءات المستقبلية: أدون في الصفحات في نهاية المذكرة أسماء الكتب التي أود اقتنائها أو قراءتها مستقبلا. فالآن مثلًا أخطط لقراءات العام القادم وأجمع العناوين التي أثارت اهتمامي. أيضا أدون الكتب بنفس الثيمة التي قرأتها أو التي يأتي ذكرها في كتاب آخر أو تشبه أسلوب كاتب أحببته وأود الاستزادة منه.

كيف تبني نظامك الخاصّ؟

قد يبدو نظام الثلاث أجندات معقدًا للوهلة الأولى، لكنه وبعد الاعتياد عليه أصبح مرنًا وممتعًا بالنسبة لي. أعرف أن هناك مكانًا محددًا لأي فكرة تمر في ذهني. أصبح الأمر أشبه بترتيب عقلي ومحتوياته على رفوف ناصعة البياض! يمكنك أيضًا الاستفادة من هذه الفكرة وتكييفها مع حياتك الخاصة وهذه مجموعة من الأفكار للبدء:

ابدأ ببساطة: لا ترهق نفسك بالبحث عن الأجندات والغرق في تفاصيلها. اختر ثلاث دفاتر بسيطة ومناسبة للتنقل والكتابة بأقلامك المفضلة أو حتى البدء بدفتر واحد أو مذكرة مؤرخة وتقسيمها إلى ثلاثة أقسام واستخدام علامات للفصل بين المجالات.

حدد محاور حياتك: ما هي الجوانب الثلاثة الأهمّ في حياتك الآن؟ هل تحتاج إلى تنظيم وتركيز؟ قد تكون العمل والأسرة والصحة، أو الدراسة والهوايات والتطوير الذاتي. اختر المحاور وخصص أجندة لكلّ واحدة منها.

تبنّى عادة يومية: خصص ١٠-١٥ دقيقة كل صباح أو مساء لمراجعة وتحديث الأجندات. ومع الوقت سيصبح لديك طقس ممتع لا تستغني عنه.

بعض الفوضى الملهمة: خاصة في الأجندة المخصصة للتفكير والإبداع. اسمح لنفسك بالفوضى والتجريب ولا تسع للكمال بل ابحث عن التعبير الصادق والاكتشاف.

 

أكثر من أداة تنظيم

ما أحبّه في المذكّرات والتدوين الورقي يتجاوز فكرة التنظيم وتسجيل المهام. هذه التجربة تتطلب البطء والتأمل والتفكير قبل وضع الكلمات على الورق وهذا ما أنشده. البطء في وقتٍ يركض فيه كلّ شيء بسرعة. أتمنى أن يكون نظامي هذا مصدر إلهام لك. وأدعوك لخوض هذه التجربة، واكتشاف نظامك الخاص الذي يعكس شخصيتك واحتياجاتك. وإذا كان لديك تجربة فعلية شاركها في التعليقات لتلهمنا.

.

.

 

٢١| عشوائيات للخميس

بدأت الأسبوع بخطة طموحة وكتبتها علنًا على حسابي في انستقرام. قلت طموحة لأني متأكدة من شكل الأسابيع نحو نهاية العام. خططت لزيارة معرض فني مع أختي وكتابة تدوينتين بالإضافة لأهداف أخرى. أنهيت رواية انجليزية طويلة وهذا جديد بعد سنوات من القراءات المتقطعة. قدرتي على قراءة الروايات بلغة غير العربية تضاءلت واخترت دائما كتبًا بمواضيع متنوعة واقعية وخفيفة.

أحبّ هذا الوقت من العام وفيه اكتشف تدريجيًا ما هي العادات التي سأتبناها في العام الجديد. أبدأ تدريجيًا من سبتمبر وصولًا إلى يناير. ومثلما أقرر وجهات السفر والقراءات القادمة والمشاريع الإبداعية التي سأنفذها، أبدأ باختيار عاداتٍ صغيرة أمررها في أيامي.

اخترت العمل من المنزل يوم الخميس لتفعيل نهاية الأسبوع الطويلة وترتيب مكتبي المنزلي. بعد مقاومة طويلة من جديد صنعت مساحة عمل في المنزل بالإضافة للمكتبة والنادي. الشيء الجميل الذي فعلته هذه المرة هو العمل ببطء. لم اشترِ كلّ شيء في نفس الوقت ولم أجهد نفسي بترتيب المكان في نهاية أسبوع واحدة.

بدأت الخطة بجرد مكتبتي جردة عظيمة وتخففت فيها من مئات الكتب التي جمعتها على مدى العشرين سنة الماضية. قضيت أيامًا طويلة في التصفح والتأمل. لم أتوقع أن تغمرني كل هذه المشاعر خلال العمل. امتدت نهاية الأسبوع إلى أسابيع وانتهيت منها أخيرًا بعد شهر ونصف. جمعتها في صناديق وتبرّعت بها لمكتبة سلوى للكتب المستعملة في الرياض. ومجموعة أخرى ذهبت للصديقات.

في الكتب إهداءات وقصص وشخصيات مختلفة كنتها في وقتٍ ما. أقلب الصفحات ولا أجد نفسي.  أجد شخصًا حاولت أن أكونه في وقتٍ إما بسبب اهتمام مؤقت أو توصية وثقت بها ولم تناسبني. حملت هذه الكتب معي بيت لآخر -من مدينة لأخرى! والمحصلة؟ امسح عنها الغبار وأكدّسها على أمل امتلاك الشهية لاكتشافها أو إكمال قراءتها يومًا ما.

انتهيت من جرد المكتبة وقررت في تلك اللحظة ألا اتبع أي خطة قرائية مطولة وأن اختار الكتب للترفيه وشهيتي القرائية فقط. أعدت بناء الفراغات التي تركتها الجردة العظيمة بكتب جديدة ورؤية مختلفة لمفضلاتي. مزيج من الكلاسيكيات القديمة والمؤلفات المعاصرة في مواضيع مختلفة، من القرطاسية للقطط للمدن الحاضنة للفنّ.

جهّزت زاوية المكتبة برفوف خفيفة بيضاء جاهزة لكتابة قصص جديدة. وتفرّغت للجهة المقابلة للرفوف: النادي المنزلي. تخففت من الأجهزة عديمة الفائدة. حدثت رفوف التخزين وتخلصت من كلّ غرض بلا مهمة.  نخطئ بتخيل احتياجنا للمقتنيات ونتجاهل التخفف لسببٍ خفيّ. أظنه نفسي أكثر من أي شيء آخر فالحقيقة أني لا أريد التخفف من أشياء ظننت يومًا ما أني لا اتقن العمل أو العيش بدونها. تمامًا مثل كتب المكتبة.

انجزت المهمة الثانية ونظرت للمساحة الواسعة التي تبعت الترتيب وتذكرت أنا بحاجة للعودة لهواياتنا المنسية وابتكار مسار للعمل والتفكير بتركيز. لا أريد أن استمر بكتابة كتابي في مساحة ضيقة أو بين الصحو والنوم على سريري. أريد أن أفعل كلّ شيء بتركيز وانتباه. أن انتظم من جديد بعد سنواتٍ من الفوضى.

هل سيغير هذا المكتب الأبيض حياتي؟ لا. هل سيساعدني في رحلة التغيير؟ نعم بالتأكيد. وهكذا أتممت طلب المكتب وكرسيين مريحين لي ولأختي. وقطعة سجاد لطيفة تخفف من صدى المكان.

هذا الأسبوع التقينا كل يوم بعد نهاية العمل على مكتبنا هذا وشربنا القهوة وتصفحنا البريد الالكتروني وتبادلنا الأفكار لمشاريع قادمة. تأكدت حينها من نجاح الفكرة. مساحة محايدة خارج غرفنا الشخصية ومكان للتفكير والاحتفاء بنهاية الأسبوع.

وربما أضفت بهذه الطريقة عاداتي اليومية في مكانٍ واحد. أريد أن أقرأ للترفيه والاكتشاف، وأريد أن اتمرن، وأن أشاهد حلقة جديدة من مسلسل مفضل وكل هذا بلا ترتيب محددّ.

أحبّ الشتاء في مدينتي وأحبّ انتعاشي وانسجامي مع تبدل الجو. اتشجع للخروج من المنزل عدة مرات في الأسبوع وأميل للتمدد والكسل في نهايته.

بدأت هذه التدوينة وفي ذهني الكتابة عن تحديثات الحياة وما الذي أطمح لتحقيقه خلال الأشهر القادمة. واستطردت كالعادة. وسأفعلها دائمًا.

وجدت في كومة القرطاسية خلال الجرد مذكرة غلافها لوحة لمونيه. وفي الصفحات الأولى دروس اللغة الفرنسية مع ملاحظات وترجمة. في الصفحة الأولى من المذكرة كتبت تعهدًا ظريفًا:

في مايو ٢٠٢٠

خلال منع التجول للحدّ من انتشار فيروس كورونا قررت البدء بتعلم الفرنسية.

مع الالتزام التام والتركيز.

ضحكت من التعهد وتذكرت الفترة. كانت نفس السنة التي قررت فيها تعلم القيادة وأيضًا تعهدت لنفسي بالالتزام والتركيز. لكن الهدف تأجل لأسباب كثيرة حتى بداية هذا العام. أحبّ التعلم وأنوي العودة لتعلم لغة ثالثة لستُ أكيدة منها بعد. وفي سياق التعلم المستمر تذكرت منتصف هذا العام حين بدأت مقررًا مطولا عن الاستراتيجية مع جامعة أكسفورد وندمت واحتفلت وأُنهكت من كثرة الواجبات والالتزام. وقلت لنفسي لن أفعلها مجددًا وإذا أردت التعلم سأختار مقررًا قصيرًا بلا مهامّ مجهدة.

حسنًا، في منتصف الشهر الماضي سجلت في مقرر جديد لشهادة مهنية احتاج أربعة أشهر لإتمامه بواجبات وقراءات ومهامّ. اشتعلت بداخلي شهية التعلم من جديد وأظن أن القاسم المشترك في كلّ هذا هو محاولتي للتركيز والالتزام. أحاول الآن ختم هذه التدوينة قبل خروجي لموعد مع أختي وصديقة عزيزة.

أتمنى لكم نهاية أسبوع سعيدة وغنيّة!

.

.

.

٢٠ | مخرج النسيان

لا أتحدث عن الانتقام، ولا عن المغفرة؛ النسيان هو الانتقام الوحيد والمغفرة الوحيدة.”
خورخي لويس بورخيس

 تمرّ بنا جملة أحيانًا جملة تشبه المرآة. لا نرى فيها أحدًا غير أنفسنا ولا نسمع منها إلا ما كنّا نحتاج الاستماع إليه منذ زمن. كان اقتباس بورخيس هذا من الجمل التي لامست شيئًا عميقًا بداخلي.

ما إن تنتهي قصة ما أيًا كانت تترك فراغًا صغيرًا في الداخل. فراغ لا يملؤه البكاء ولا الحديث. وتبدأ رحلة محاولة الفهم وإعادة ترتيب القصة. نريد أن نفهم كيف تحوّل الدفء الغامر إلى مسافة باردة؟ وبين الأسئلة تبرز الذكرى وكأنّ حملها معنا واجبًا. نحاول أن نغفر أو نغضب أو ننتقم. نريد أن نشعر بشيء. أيّ شيء يردم هذا الفراغ المفتوح. وما لا نفهمه في البداية أن الشفاء لا يأتي من المواجهة، بل من التوقف. من لحظة هادئة يتوقف فيها القلب عن المقاومة والأسئلة ويترك الأشياء على حالها. لحظة لا يقرر فيها الانتقام ولا يسعى فيها للمغفرة بل يكتفي بأن ينسى.

لكن النسيان لا يحدث دفعة واحدة! -وددت لو كان الأمر كذلك. لا يشبه بابًا يغلق فورًا بل الضوء حين ينسحب ببطء من الغرفة. تبهت الأشياء والتفاصيل. أحبّ النسيان في هذه الحالة عفويّ وهادئ وقد يكون برأيي الوجه الآخر من التسليم.

بورخيس في هذا الاقتباس لا يتحدث عن محو الذكريات المتعمّد بل عن شفاء الذاكرة من ثقلها. النسيان هو أن نكف عن إعادة المشهد في عقولنا وأن نتوقف عن مراجعة الأحداث واجترارها لإيجاد اللحظة التي تداعى فيها كل شيء.

حين ننسى لا ننتصر على أحد بل نتوقف عن القتال. لا ننسى الأشخاص والمواقف بقدر ما ننسى الصوت الباقي فينا. نتوقف عن سماع الأسئلة التي لا جواب لها، وعن البحث عن نهاية منصفة. يصبح الماضي مجرد فصلٍ في كتاب طويل نقرأه دون أن نتوقف عنده.

ومع الوقت تولد لحظة سحرية! تستيقظ ذات صباح وتدرك أن ما كان يؤلمك لم يعد له وجود وحتى الندبة العميقة تلاشت بنفسها. هذا هو النسيان الذي قصده بورخيس، النسيان الذي لا يمحو شيئًا بل يعيد الأشياء إلى حجمها الطبيعي. شهدت حقيقة هذه اللحظة قبل عدة أشهر، وكل عدة أشهر تختفي ذكرى وظيفة قديمة أو علاقة انتهت أو صديقة غابت. اختفت التواريخ واللحظات المفصلية فجأة.

النسيان هنا ليس ضعفًا في الذاكرة بل إعادة ترتيب، أحمل القصة وأضعها في رفّ خلفي أو اتخلص منها تمامًا كما تخلصت من الهدايا والبطاقات والرسائل والصور. لم أعد أخشى التذكّر فالماضي ليس عدوي والحنين لا يشكل أيّ خطر.  النسيان هو لحظة تصالح مع الزمن ومع نفسي ومع ما لم أعد احتاجه. إنه السلام الذي يأتي متأخرًا لكنه حين يأتي يعلّمنا أن الحياة تمضي، وأننا نمضي معها بقلوبٍ أكثر لطفًا وأرواحٍ أخفّ وذاكرة تبتسم.

.

.

.

١٩ | مراجعة شهريّة

انتهيت مساء اليوم من جرد مكتبتي وإعادة ترتيبها. كانت الرفوف القديمة سيئة كاختيار للمكتبة: عميقة جدًا تجمع الغبار ولونها غامق لا يتناسب مع فكرة النظر للرفوف واكتشاف القراءة القادمة. مفهوم الجرد والتنظيم مفهوم محبب عندي. وأحيانًا أحبّ الهدم وإعادة البناء أكثر من إعادة الترتيب لكن المكتبة هذه المرة كانت بحاجة ماسّة لمراجعة وضبط.

اكتب هذه المقدمة لمسودة تدوينة قديمة انتظرت إتمامها بحماس لتتزامن مع نهاية شهرِ أكتوبر لكن الانشغال أقوى مني ومن خططي. هذا المساء وبعد يوم عملٍ مجهد قررت الجلوس والكتابة بلا توقف لإنهاء المسودة ونشرها. وبذكر الانشغال والإجهاد أجد نفسي انزلق بسهولة في هذا الطريق وأنسى نفسي خصوصًا مع نهاية العام. أنشغل بتفاصيل الأيام واتحرك من مهمة لأخرى وأواجه التحديات المتتالية كأني روبوت. أشطب واحدة تلو الأخرى، ولكن لا أتوقف قليلا لأسأل نفسي: هل أنا أتقدم فعلا؟ أم أنني أدور في حلقة مزدحمة دون اتجاه واضح؟ كنت فيما مضى اعتمد على جردة شهرية ممتعة أراجع فيها أيامي بالإجابة على مجموعة أسئلة متكررة ومن ثمّ أقيس تقدمي في المشاريع والحياة بناء على الإجابة.

ومع تغير الوقت والالتزامات لجأت إلى جردة سنوية جعلتني أواجه تراكم كثير من الأفكار والملفات الذهنية وانهمارها دفعة واحدة. تأخر المراجعة هذه يضعني في معضلة التأخر في اكتشاف مسارات لا تخدمني، أو اكتشاف وقتي وجهدي الضائعين في مهامّ ومشاريع لا تقدم قيمة حقيقية.

وبين التجارب البعيدة والجديدة وإعادة الاكتشاف قررت استعادة المراجعة الشهرية على شكل ممارسة بسيطة وفعّالة. امنح نفسي مساحة للتفكير والتنظيم والتعديل دون مبالغة أو شعور بثقل التكاليف.

لكن لماذا اعتمدت المراجعة الشهرية في السابق؟

شهر مدة كافية لتتكون ملامح تجربةٍ ما. تظهر بدايات العادات والتحديات التي قد تواجهني وتتضح الفرص والقرارات التي تحتاج متابعة. والمراجعة الشهرية بشكل عام تساعدني على:

  • المحافظة على صورة شاملة لما يحدث في حياتي.
  • منع التشتت والإنهاك الناتج من العمل بلا خطة.
  • ملاحظة التقدم الحقيقي.
  • اتخاذ قرارات مبنية على نتائج بدلًا من التأثر بالظروف.
  • التدخل الواعي في حياتي وتجنّب ترك الأمور للصدفة.

باختصار: فرصة لإعادة توجيه نفسي قبل أن تجبرني المؤثرات.

كيف تعمل المراجعة الشهرية؟

أخصص وقتًا هادئًا (غالبًا في آخر يومٍ من الشهر إن استطعت أو بداية الشهر الجديد) وأقضي نصف ساعة إلى ساعة من العمل. أدوّن في مذكرتي ويمكن أن تكون المراجعة رقمية إذا أحببتم. افتح صفحة جديدة واتبع نموذج ثابت يساعدني على التركيز دون تشتت أو استطراد زائد.

1- الإنجازات ومحطات التقدّم

أكتب كل ما تقدّمت فيه، سواء كانت خطوة كبيرة أو صغيرة.
الفكرة هنا ليست تضخيم الإنجازات، بل احترام الجهد ورؤية تراكم الإنجاز.

  • ما الذي أنجزته في عملي؟
  • ما الذي تقدّم خطوة في مشاريعي الشخصية أو المهنية؟
  • أي عادة واظبت عليها هذا الشهر؟
  • هل اكتسبت معرفة جديدة؟ مهارة؟ فكرة؟

أحيانًا لا نكتشف أننا نمضي قدمًا إلا حين نكتب ذلك بوضوح.

2- ما لم يتحقق وأسباب ذلك

هذا الجزء لا يتطلب الجلد أو اللوم بل تحليلًا بسيطًا وهادئًا:

  • ما الذي لم أتمكن من تحقيقه؟
  • هل السبب سوء تقدير للوقت؟
  • ضعف في التخطيط؟ انشغال غير ضروري؟
  • أم أنّ الهدف لم يكن واقعيًا من البداية؟

المهم هو استخلاص سبب يمكن التعامل معه، لا بناء قائمة للشعور بالذنب.

3- التحديات

أدوّن العوامل التي حدّت من تقدّمي.
وقد تكون:

  • الانشغال الزائد.
  • التشتت الرقمي.
  • مجاملات استنزفت وقتي.
  • ضعف في إدارة طاقتي.
  • ضبابية الأولويات.

الوعي بالتحديات والعوائق أول خطوة لتجاوزها.

4- الخطط التي نجحت

من المهم ألا تكون المراجعة عملية “بحث عن الأخطاء” فقط.
أسأل نفسي: ما الذي ساعدني هذا الشهر؟

  • طريقة تنظيم معيّنة.
  • عادة بسيطة أثمرت أثرًا جيدًا.
  • فترات تركيز مناسبة.
  • نشاط حسّن من طاقتي.

الاحتفاظ بالخطط والعادات التي نجحت مهم بقدر التخفف من المعيقات.

5- أولويات الشهر القادم

اختار ثلاث إلى خمس أولويات واضحة وهذا يكفي تمامًا للتركيز.

وأخيرًا.

هذه المراجعة الشهرية ليست محاولة لتغيير الحياة والخطط كلّ مرة بل وسيلة للحفاظ على اتجاه واضح وتحسين تدريجي ومستمر. ليس الهدف النهائي أن أحقق الجاهزية الكاملة أو انتهي من مشروع بل أن اتقدم بثبات، وأن أعرف ما أقوم به ولماذا. في نهاية كل شهر أسأل نفسي: هل أسير في الاتجاه الذي يخدمني؟ وما التعديل البسيط الذي سيحدث فرقًا هذا الشهر؟ومع الوقت، يتراكم هذا الوعي ليشكّل فارقًا حقيقيًّا في جودة الحياة والعمل.

.

.

.

١٨ | ست قصص إيطالية

١

بدأت اليوم عطلة قصيرة منتظرة في زيارة لإكمال حديث لم ينتهي مع روما! بشكل عام رحلات الطائرة دائمًا خالية من الازعاج والصخب بالنسبة لي -توفيق ودعاء الأمهات؟- لكن رحلة اليوم كانت مختلفة. في المقعد المجاور سيدة تسافر وحيدة مع طفلها. ومنذ اللحظة الأولى بدا مشاكسًا يحب الحركة ويتململ قبل الإقلاع. ما إن استوينا في السماء حتى ذهب في غفوته وانتهزت الفرصة للنوم كذلك. لم تطل الغفوة للأسف وتحول التململ إلى بكاء لتحمله أمه وتهدهده. استيقظت وقررت إكمال هذه الرواية التي لم أرد أن تنتهي. السرد لذيذ ومسترسل والحديث عن الخياطة وتفاصيلها يدفئ القلب. كسبت من هذا الأرق الإلزامي فرصة إكمال القراءة حتى الوصول. تناولت الطعام وشربت القهوة وتذكرت ألم أسناني الذي يلحّ منذ أيام وتجاهلته لأن لا وقت لزيارة الطبيب. فجأة فكرت ربما طفل الستة أشهر يمرّ بآلام التسنين؟ واشتركنا كلانا في حفلة ألم. وتذكرت أن الستة أشهر هذه مرت على بدء قيادتي للسيارة. ولد الطفل يوم حصولي على الرخصة ربما؟ حسنًا هذه الاستطرادات متعبة! أفكر في هيفا الصغيرة وهي تقرأ يوميات هيفا الأربعينية وتفخر بعامها الملوّن الملئ بالفرح والخيبة في وقتٍ واحد. ما الذي ستقوله عندما تنهي قراءة هذا الفصل؟ وأفكّر أيضًا لدي الكثير من الخطط الممتعة للغدّ وحان الوقت لإقفال عينيّ.

٢

في يوم وصولي مدّ لي موظف الاستقبال مفتاح الغرفة وكان المدير المناوب موجودًا حينها. قلت له مازحة أتمنى ألا تكون نفس غرفتي العام الماضي لأني أودّ تجربة شيء جديد. ثمّ ترددت واعتذرت: طبعًا إذا كان ذلك متاحًا. قال لي حينها: هل تريدين غرفة حمراء على الطراز البومبي؟ أجبت نعم بالتأكيد! لم يكن لدي أي توقعات. لكن المسمّى أثار اهتمامي. والطراز البومبي الحديث (ظهر في القرن ١٨ و١٩ تقريبا) يحاكي ألوان بومبي القديمة (الأحمر والأسود والأصفر) وزخارفها وتقنيات رسم الجداريات فيها.

أحبّ هذا الفندق جدًا، مصعده بطيء يذكرني بالتنفس بعمق والحركة البطيئة لأنني في إجازة! أحب طابع الغرفة الكلاسيكي، لا مقابس يو اس بي في الجدار ولا شاشات رقمية عدا شاشة التلفزيون. بلكونة صغيرة مطلة على شارع فرعي وستائر ثقيلة تحجب الضوء والمدينة إذا أردت.

٣

في غرفة من غرف فيلا فارنيسينا تركوا ورق الحائط منزوع لرؤية تفاصيل المبنى القديمة. التقطت هذه الصورة وفكرت في رمزية الطبقات والزمن. أفكر في شخصيتي التي أحبّ في السفر، ما الذي يبدو تحت ورق الحائط وازدحام الأيام ومرور الوقت؟ يومي كان لطيف منذ الصّباح. ارتديت فستانًا أحبّه بلون لا ارتديه عادة. تناولت الفطور وانطلقت للتنقل بين المتاحف وتأمل السقوف. صحيح قبل ذلك التقيت بالعائلة الأمريكية التي صادفتهم ليلة البارحة في مطعم سطح الفندق. كان طفلهم يلعب ويركض في الأرجاء وأصيبوا بالتوتر ظنًا بأنه يزعجني. استأذن والده لبدء الحديث معي واعتذر عن ركض الصغير وأكدت له أن ذلك طبيعي وطفلهم مهذب حقيقة ولم يزعجني. كلمة واثنتين وانضمت زوجته إليه وسألتهما عن زيارتهم لروما ورددت على سؤالهم تحدثنا في أمورٍ شتى لاكتشف أن الزوجة مولودة في التاسع من أكتوبر وتكبرني بعام. ضحكنا من المصادفة وتمنينا لبعضنا عيدًا سعيدًا. في زقاق صغير في وسط المدينة قابلت زوجين رأيتهما في الصباح في شارع الفندق على بعد الكيلومترات. هذه المدينة مترامية الأطراف جمعتنا من جديد بغرابة. كيف تذكرتهما؟ من بنطال الزوجة الذي أعجبتني نقوشه. مشيت قليلا وتبعت فتاتين جميلتين مظهرهم مرتّب ولافت. مشينا سوية باتجاه واحد وقبل دخولي لمكتبة عتيقة توقفن قليلا عند الباب وتبعنني. لم استمع لحديثهم فقد فصلتنا مسافة بسيطة في الطريق. لكن إحداهن أعلنت عندما دخلن المكتبة: جوّي! فز قلبي حرفيًا. هذه الكلمة التي يستخدمها الشباب لوصف شيء محبب. التفتت فورًا وابتسمت وسألت: سعوديات؟ أجابوا نعم. وتبعتها بـ أهلًا وسهلا كأني أرحب بهم في بيتي. أخبرتهم عن جمال المكتبة والكنوز الصغيرة التي تحتاج منهنّ البحث وحسب. في طريق العودة للفندق مرت بي سيدة إيطالية وقالت بحماس: bel vestito “فستان جميل”. في الحديقة التي تتوسط الفندق حفلة عرس صاخبة. استمعت رغمًا عني لأغنية رقصة العروسين ولكلمات الزوار العاطفية التي شارك في كتابتها chat gpt. سأحاول البقاء مستيقظة لوقتٍ أطول الليلة لأن بداية اليوم في الرابعة صباحًا مزعجة.

٤

كتبت قبل عدة أيام اقتباسًا في تطبيق الملاحظات: “علينا جميعا أن نحكي أجزاء من قصّتنا. من الصعب أن تكون إنسانًا، وتنخرط في علاقات دون أن يكون لك نسخة من قصة حياتية، تطفو حولك.” سأتذكر هذا الاقتباس في كلّ مرة أقرر فيها الانكفاء على نفسي والتوقف عن “القص”. وفي الحقيقة لم أجد ذلك أبدًا! منذ أن تعلمت تركيب الجمل والجمع بين الشخصيات لسرد حدثٍ أو حكاية – البداية كانت من حلقة لتوم وجيري حسب ما يتذكره والدي. أصبح القصّ جزءا من هويتي حتى أنني استخدم التعريفLifelong Storyteller  هكذا أسهل وهكذا اختصر الكثير من التعريفات والتوقعات.

زرت اليوم قصر أسرة كولونّا المذهل. تجاوزت الجولة فيه الساعتين وتمنيت لو امتدت قليلًا فالمرشدة تهرول بين الغرف والحديقة قبل أن يزدحم المكان بمزيد من الزوار. تمشيت في المنطقة واخترت دائما الطريق الأطول ففيه أجمل الاكتشافات‪. تمكن مني الجوع فجأة وقررت الدخول لمطعم أمامي ولكن قبل ذلك قرأت المراجعات سريعًا وكانت متفاوتة بشدة، أحدها انتقد الطعام وجودته، وتعليق آخر هاجم الندّل وعجرفتهم. استقبلني نادل ظريف وتفحص وجهي قبل أن ينطلق بالكلام. طاولة لشخص واحد من فضلك! وردّ سريعًا: لا، بل طاولة لاثنين! ضحكت وأعدت عليه: طاولة لشخص واحد! قال: وأنا؟ ضحكت وهكذا بدأت جولات من الظرافة. كان يحاول اكتشافي ويمكنني رؤية ذلك. ثمّ عاد بعد لحظات وقال: يلا يلا .. قلت له: يلا مانجاري! (يعني أكل بالايطالية). كان الأكل دافئًا بجودة مقبولة. وعندما هممت بالخروج وجدت قصاصات صحف على جدار المطعم إحداها لتقرير صحفي عنوانه: موت المطاعم العائلية. يبدو أنها مأساة فعلًا. في المدخل أيضا صورة قديمة لعائلة ربما كانت العائلة المؤسسة للمكان.

خرجت للعشاء في مطعم على سطح إحدى المباني. وعلى الطاولة بجانبي صديقات أمريكيات صاخبات، قالت إحداهن قصة التقطتها: تروي أن والدها ترك لها تعليقًا على منشور ليوم ميلادها وقال لها اخترت لك لباسك الأول وتختارين لباسي الأخير، أخذتِ نفسك الأول معي، وسآخذ نفسي الأخير معك استقبلتك في الحياة وستودعينني حين أغادرها. شيء بمثل هذه المعاني. كان الجو باردًا ولكن عيناي غرقت بهذا الدفء. وحانت لحظة عودتي لفندقي وإنهاء يومٍ ممتع آخر!

٥

أقول لوالدتي ممازحة قبل أسبوع تقريبًا أن يوم ميلادي هو يوم ولادتها وهكذا نحتفل بالمناسبة سويّة. نقلات حياة عظيمة حدثت ذلك اليوم! أصبحت أمّ وأصبحتُ أنا. العام الماضي احتفلت بميلادي معها في روما. كانت رحلتنا الأولى للمكان وعشنا التجربة المدهشة سويّة. هذه السنة أمرّ بأماكننا وأشعر بدفء وبعض من تأنيب الضمير -فقد دفعتها للمشي وصعود الكثير من السلالم في المتاحف حينما كنا نجهل إصابة ركبتها. شعرت بالكثير بالألم وتحاملت على نفسها من أجلي- من جديد.

اليوم احتفلت بعيدي الثالث والأربعين، تمر السنوات أحيانًا والتفت للرقم ولا يعود يحمل ثقلا أو معنى جوهري مقارنة بالتجارب والمشاعر التي أعيشها في عامٍ كامل. لو تسألوني عن أيام ميلادي السابقة سأجد ذاكرتي عالقة في عيدي الثامن والعشرين، أو الحادي والثلاثين -مثلا. كعكة شهية وأحباب مجتمعين.

هذه السنة أنا وحدي والقمر الذي يطلّ من نافذة فلورنسا.

صباح اليوم طلبت سيارة أوبر لتأخذني للنقطة الأبعد من جولة النهار، هذه المرة الأولى التي أفعلها منذ وصلت فلورنسا فهي مدينة جميلة تقطعها بالمشي خلال ساعة على الأكثر! لكني تذكرت صعود حدائق بوبولي في قصر بيتي المقر الرئيسي لعائلة مديتشي. الكثير من الصعود والمشي والانعطافات السريعة، ثم جولة التسوق السريعة لآخر نهار في المدينة. في معرض الحديث قلت للسائق أنّ اليوم ذكرى ميلادي، وأصرّ لاحقًا على ايقاف السيارة أمام بوابة القصر لأنه على حد قوله سيمنحني معاملة المشاهير! وأصر أيضًا على بقائي حتى يفتح الباب بنفسه ضحكت من اللفتة وتقبلتها بفرح. ستكون هيفا الصغيرة فخورة بي هذا النهار. فقد صعدت الحدائق التي شاهدتها في وثائقي قديم ومنذ ذلك اليوم وفلورنسا في ذهني لا تغيب. أدعو الله أن يكون عامي القادم مليئا بالحبّ والرضا. أن أعرف الدروس ولا أنساها. وأن يبقى الفضول مشتعلا في قلبي. وألا أفقد حسّ المغامرة والتجريب. وأن أعبر الأبواب والطرق بخفة وأن يهدأ قلبي لمعرفتي أن كلّ شيء في حفظ الله ورعايته.

٦

في منتصف الرحلة غمرتني مشاعر متداخلة يصعب وصفها. كنت استيقظ يوميًا مبكرة، قبل شروق الشمس أحيانًا وينتهي يومي قبل الغروب حين أعود مشيًا للفندق. مثقلة بالجمال الذي رأيته ومحتضنة مشترياتي التي لم تخرج عن الورق والجلديات. كانت الأيام بين روما وفلورنسا تمرّ سريعًا، وتنكمش بين خطواتي حول المتاحف والكاتدرائيات. كانت هناك لحظة محددة ستبقى في ذاكرتي طويلًا: أقف في قاعة مزيّنة بالجداريات، رفعتُ رأسي لأتأمل السقف المزخرف وألتقط له الصور. أحسست بوخزة في صدري وغرقت عيناي بالدموع. لم أفهم حينها ما الذي حصل! خليط من الإعجاب والارتباك؟ حنين؟ رغبة في البقاء هنا للأبد ورغبة في الهرب؟

في أزقة فلورنسا المتوارية عن الشمس، مشيت ببطء لأحفظ المشهد في ذاكرتي. صوت الأحذية على الأرض الحجرية المتفاوتة، النوافذ الصغيرة المضاءة في منتصف النهار، وأوراق الخريف التي تتطاير حول المارّة. استمتع بعزلتي كما لم أفعل منذ زمن. في المساء وأنا أقرأ عن متلازمة ستندال أو الدوار الذي يصيب الإنسان أمام الجمال المفرط. ابتسمت بعد أن وجدت الإجابة والتفسير لعاطفة غامضة سكنتني. أدركت أن الثقل الذي كنت أعيشه في الأيام الماضية ليس تعبًا جسديًا، بل أثر الفنّ حين يتجاوز النظر ليقع في الروح. ربما كانت فلورنسا تختبر قدرتي على الاحتواء، وتذكرني أن الجمال لا يُستهلك على عجل، بل يسكننا للأبد.

.

.

.