١٩ | مراجعة شهريّة

انتهيت مساء اليوم من جرد مكتبتي وإعادة ترتيبها. كانت الرفوف القديمة سيئة كاختيار للمكتبة: عميقة جدًا تجمع الغبار ولونها غامق لا يتناسب مع فكرة النظر للرفوف واكتشاف القراءة القادمة. مفهوم الجرد والتنظيم مفهوم محبب عندي. وأحيانًا أحبّ الهدم وإعادة البناء أكثر من إعادة الترتيب لكن المكتبة هذه المرة كانت بحاجة ماسّة لمراجعة وضبط.

اكتب هذه المقدمة لمسودة تدوينة قديمة انتظرت إتمامها بحماس لتتزامن مع نهاية شهرِ أكتوبر لكن الانشغال أقوى مني ومن خططي. هذا المساء وبعد يوم عملٍ مجهد قررت الجلوس والكتابة بلا توقف لإنهاء المسودة ونشرها. وبذكر الانشغال والإجهاد أجد نفسي انزلق بسهولة في هذا الطريق وأنسى نفسي خصوصًا مع نهاية العام. أنشغل بتفاصيل الأيام واتحرك من مهمة لأخرى وأواجه التحديات المتتالية كأني روبوت. أشطب واحدة تلو الأخرى، ولكن لا أتوقف قليلا لأسأل نفسي: هل أنا أتقدم فعلا؟ أم أنني أدور في حلقة مزدحمة دون اتجاه واضح؟ كنت فيما مضى اعتمد على جردة شهرية ممتعة أراجع فيها أيامي بالإجابة على مجموعة أسئلة متكررة ومن ثمّ أقيس تقدمي في المشاريع والحياة بناء على الإجابة.

ومع تغير الوقت والالتزامات لجأت إلى جردة سنوية جعلتني أواجه تراكم كثير من الأفكار والملفات الذهنية وانهمارها دفعة واحدة. تأخر المراجعة هذه يضعني في معضلة التأخر في اكتشاف مسارات لا تخدمني، أو اكتشاف وقتي وجهدي الضائعين في مهامّ ومشاريع لا تقدم قيمة حقيقية.

وبين التجارب البعيدة والجديدة وإعادة الاكتشاف قررت استعادة المراجعة الشهرية على شكل ممارسة بسيطة وفعّالة. امنح نفسي مساحة للتفكير والتنظيم والتعديل دون مبالغة أو شعور بثقل التكاليف.

لكن لماذا اعتمدت المراجعة الشهرية في السابق؟

شهر مدة كافية لتتكون ملامح تجربةٍ ما. تظهر بدايات العادات والتحديات التي قد تواجهني وتتضح الفرص والقرارات التي تحتاج متابعة. والمراجعة الشهرية بشكل عام تساعدني على:

  • المحافظة على صورة شاملة لما يحدث في حياتي.
  • منع التشتت والإنهاك الناتج من العمل بلا خطة.
  • ملاحظة التقدم الحقيقي.
  • اتخاذ قرارات مبنية على نتائج بدلًا من التأثر بالظروف.
  • التدخل الواعي في حياتي وتجنّب ترك الأمور للصدفة.

باختصار: فرصة لإعادة توجيه نفسي قبل أن تجبرني المؤثرات.

كيف تعمل المراجعة الشهرية؟

أخصص وقتًا هادئًا (غالبًا في آخر يومٍ من الشهر إن استطعت أو بداية الشهر الجديد) وأقضي نصف ساعة إلى ساعة من العمل. أدوّن في مذكرتي ويمكن أن تكون المراجعة رقمية إذا أحببتم. افتح صفحة جديدة واتبع نموذج ثابت يساعدني على التركيز دون تشتت أو استطراد زائد.

1- الإنجازات ومحطات التقدّم

أكتب كل ما تقدّمت فيه، سواء كانت خطوة كبيرة أو صغيرة.
الفكرة هنا ليست تضخيم الإنجازات، بل احترام الجهد ورؤية تراكم الإنجاز.

  • ما الذي أنجزته في عملي؟
  • ما الذي تقدّم خطوة في مشاريعي الشخصية أو المهنية؟
  • أي عادة واظبت عليها هذا الشهر؟
  • هل اكتسبت معرفة جديدة؟ مهارة؟ فكرة؟

أحيانًا لا نكتشف أننا نمضي قدمًا إلا حين نكتب ذلك بوضوح.

2- ما لم يتحقق وأسباب ذلك

هذا الجزء لا يتطلب الجلد أو اللوم بل تحليلًا بسيطًا وهادئًا:

  • ما الذي لم أتمكن من تحقيقه؟
  • هل السبب سوء تقدير للوقت؟
  • ضعف في التخطيط؟ انشغال غير ضروري؟
  • أم أنّ الهدف لم يكن واقعيًا من البداية؟

المهم هو استخلاص سبب يمكن التعامل معه، لا بناء قائمة للشعور بالذنب.

3- التحديات

أدوّن العوامل التي حدّت من تقدّمي.
وقد تكون:

  • الانشغال الزائد.
  • التشتت الرقمي.
  • مجاملات استنزفت وقتي.
  • ضعف في إدارة طاقتي.
  • ضبابية الأولويات.

الوعي بالتحديات والعوائق أول خطوة لتجاوزها.

4- الخطط التي نجحت

من المهم ألا تكون المراجعة عملية “بحث عن الأخطاء” فقط.
أسأل نفسي: ما الذي ساعدني هذا الشهر؟

  • طريقة تنظيم معيّنة.
  • عادة بسيطة أثمرت أثرًا جيدًا.
  • فترات تركيز مناسبة.
  • نشاط حسّن من طاقتي.

الاحتفاظ بالخطط والعادات التي نجحت مهم بقدر التخفف من المعيقات.

5- أولويات الشهر القادم

اختار ثلاث إلى خمس أولويات واضحة وهذا يكفي تمامًا للتركيز.

وأخيرًا.

هذه المراجعة الشهرية ليست محاولة لتغيير الحياة والخطط كلّ مرة بل وسيلة للحفاظ على اتجاه واضح وتحسين تدريجي ومستمر. ليس الهدف النهائي أن أحقق الجاهزية الكاملة أو انتهي من مشروع بل أن اتقدم بثبات، وأن أعرف ما أقوم به ولماذا. في نهاية كل شهر أسأل نفسي: هل أسير في الاتجاه الذي يخدمني؟ وما التعديل البسيط الذي سيحدث فرقًا هذا الشهر؟ومع الوقت، يتراكم هذا الوعي ليشكّل فارقًا حقيقيًّا في جودة الحياة والعمل.

.

.

.

١٨ | ست قصص إيطالية

١

بدأت اليوم عطلة قصيرة منتظرة في زيارة لإكمال حديث لم ينتهي مع روما! بشكل عام رحلات الطائرة دائمًا خالية من الازعاج والصخب بالنسبة لي -توفيق ودعاء الأمهات؟- لكن رحلة اليوم كانت مختلفة. في المقعد المجاور سيدة تسافر وحيدة مع طفلها. ومنذ اللحظة الأولى بدا مشاكسًا يحب الحركة ويتململ قبل الإقلاع. ما إن استوينا في السماء حتى ذهب في غفوته وانتهزت الفرصة للنوم كذلك. لم تطل الغفوة للأسف وتحول التململ إلى بكاء لتحمله أمه وتهدهده. استيقظت وقررت إكمال هذه الرواية التي لم أرد أن تنتهي. السرد لذيذ ومسترسل والحديث عن الخياطة وتفاصيلها يدفئ القلب. كسبت من هذا الأرق الإلزامي فرصة إكمال القراءة حتى الوصول. تناولت الطعام وشربت القهوة وتذكرت ألم أسناني الذي يلحّ منذ أيام وتجاهلته لأن لا وقت لزيارة الطبيب. فجأة فكرت ربما طفل الستة أشهر يمرّ بآلام التسنين؟ واشتركنا كلانا في حفلة ألم. وتذكرت أن الستة أشهر هذه مرت على بدء قيادتي للسيارة. ولد الطفل يوم حصولي على الرخصة ربما؟ حسنًا هذه الاستطرادات متعبة! أفكر في هيفا الصغيرة وهي تقرأ يوميات هيفا الأربعينية وتفخر بعامها الملوّن الملئ بالفرح والخيبة في وقتٍ واحد. ما الذي ستقوله عندما تنهي قراءة هذا الفصل؟ وأفكّر أيضًا لدي الكثير من الخطط الممتعة للغدّ وحان الوقت لإقفال عينيّ.

٢

في يوم وصولي مدّ لي موظف الاستقبال مفتاح الغرفة وكان المدير المناوب موجودًا حينها. قلت له مازحة أتمنى ألا تكون نفس غرفتي العام الماضي لأني أودّ تجربة شيء جديد. ثمّ ترددت واعتذرت: طبعًا إذا كان ذلك متاحًا. قال لي حينها: هل تريدين غرفة حمراء على الطراز البومبي؟ أجبت نعم بالتأكيد! لم يكن لدي أي توقعات. لكن المسمّى أثار اهتمامي. والطراز البومبي الحديث (ظهر في القرن ١٨ و١٩ تقريبا) يحاكي ألوان بومبي القديمة (الأحمر والأسود والأصفر) وزخارفها وتقنيات رسم الجداريات فيها.

أحبّ هذا الفندق جدًا، مصعده بطيء يذكرني بالتنفس بعمق والحركة البطيئة لأنني في إجازة! أحب طابع الغرفة الكلاسيكي، لا مقابس يو اس بي في الجدار ولا شاشات رقمية عدا شاشة التلفزيون. بلكونة صغيرة مطلة على شارع فرعي وستائر ثقيلة تحجب الضوء والمدينة إذا أردت.

٣

في غرفة من غرف فيلا فارنيسينا تركوا ورق الحائط منزوع لرؤية تفاصيل المبنى القديمة. التقطت هذه الصورة وفكرت في رمزية الطبقات والزمن. أفكر في شخصيتي التي أحبّ في السفر، ما الذي يبدو تحت ورق الحائط وازدحام الأيام ومرور الوقت؟ يومي كان لطيف منذ الصّباح. ارتديت فستانًا أحبّه بلون لا ارتديه عادة. تناولت الفطور وانطلقت للتنقل بين المتاحف وتأمل السقوف. صحيح قبل ذلك التقيت بالعائلة الأمريكية التي صادفتهم ليلة البارحة في مطعم سطح الفندق. كان طفلهم يلعب ويركض في الأرجاء وأصيبوا بالتوتر ظنًا بأنه يزعجني. استأذن والده لبدء الحديث معي واعتذر عن ركض الصغير وأكدت له أن ذلك طبيعي وطفلهم مهذب حقيقة ولم يزعجني. كلمة واثنتين وانضمت زوجته إليه وسألتهما عن زيارتهم لروما ورددت على سؤالهم تحدثنا في أمورٍ شتى لاكتشف أن الزوجة مولودة في التاسع من أكتوبر وتكبرني بعام. ضحكنا من المصادفة وتمنينا لبعضنا عيدًا سعيدًا. في زقاق صغير في وسط المدينة قابلت زوجين رأيتهما في الصباح في شارع الفندق على بعد الكيلومترات. هذه المدينة مترامية الأطراف جمعتنا من جديد بغرابة. كيف تذكرتهما؟ من بنطال الزوجة الذي أعجبتني نقوشه. مشيت قليلا وتبعت فتاتين جميلتين مظهرهم مرتّب ولافت. مشينا سوية باتجاه واحد وقبل دخولي لمكتبة عتيقة توقفن قليلا عند الباب وتبعنني. لم استمع لحديثهم فقد فصلتنا مسافة بسيطة في الطريق. لكن إحداهن أعلنت عندما دخلن المكتبة: جوّي! فز قلبي حرفيًا. هذه الكلمة التي يستخدمها الشباب لوصف شيء محبب. التفتت فورًا وابتسمت وسألت: سعوديات؟ أجابوا نعم. وتبعتها بـ أهلًا وسهلا كأني أرحب بهم في بيتي. أخبرتهم عن جمال المكتبة والكنوز الصغيرة التي تحتاج منهنّ البحث وحسب. في طريق العودة للفندق مرت بي سيدة إيطالية وقالت بحماس: bel vestito “فستان جميل”. في الحديقة التي تتوسط الفندق حفلة عرس صاخبة. استمعت رغمًا عني لأغنية رقصة العروسين ولكلمات الزوار العاطفية التي شارك في كتابتها chat gpt. سأحاول البقاء مستيقظة لوقتٍ أطول الليلة لأن بداية اليوم في الرابعة صباحًا مزعجة.

٤

كتبت قبل عدة أيام اقتباسًا في تطبيق الملاحظات: “علينا جميعا أن نحكي أجزاء من قصّتنا. من الصعب أن تكون إنسانًا، وتنخرط في علاقات دون أن يكون لك نسخة من قصة حياتية، تطفو حولك.” سأتذكر هذا الاقتباس في كلّ مرة أقرر فيها الانكفاء على نفسي والتوقف عن “القص”. وفي الحقيقة لم أجد ذلك أبدًا! منذ أن تعلمت تركيب الجمل والجمع بين الشخصيات لسرد حدثٍ أو حكاية – البداية كانت من حلقة لتوم وجيري حسب ما يتذكره والدي. أصبح القصّ جزءا من هويتي حتى أنني استخدم التعريفLifelong Storyteller  هكذا أسهل وهكذا اختصر الكثير من التعريفات والتوقعات.

زرت اليوم قصر أسرة كولونّا المذهل. تجاوزت الجولة فيه الساعتين وتمنيت لو امتدت قليلًا فالمرشدة تهرول بين الغرف والحديقة قبل أن يزدحم المكان بمزيد من الزوار. تمشيت في المنطقة واخترت دائما الطريق الأطول ففيه أجمل الاكتشافات‪. تمكن مني الجوع فجأة وقررت الدخول لمطعم أمامي ولكن قبل ذلك قرأت المراجعات سريعًا وكانت متفاوتة بشدة، أحدها انتقد الطعام وجودته، وتعليق آخر هاجم الندّل وعجرفتهم. استقبلني نادل ظريف وتفحص وجهي قبل أن ينطلق بالكلام. طاولة لشخص واحد من فضلك! وردّ سريعًا: لا، بل طاولة لاثنين! ضحكت وأعدت عليه: طاولة لشخص واحد! قال: وأنا؟ ضحكت وهكذا بدأت جولات من الظرافة. كان يحاول اكتشافي ويمكنني رؤية ذلك. ثمّ عاد بعد لحظات وقال: يلا يلا .. قلت له: يلا مانجاري! (يعني أكل بالايطالية). كان الأكل دافئًا بجودة مقبولة. وعندما هممت بالخروج وجدت قصاصات صحف على جدار المطعم إحداها لتقرير صحفي عنوانه: موت المطاعم العائلية. يبدو أنها مأساة فعلًا. في المدخل أيضا صورة قديمة لعائلة ربما كانت العائلة المؤسسة للمكان.

خرجت للعشاء في مطعم على سطح إحدى المباني. وعلى الطاولة بجانبي صديقات أمريكيات صاحبات، قالت إحداهن قصة التقطتها: تروي أن والدها ترك لها تعليقًا على منشور ليوم ميلادها وقال لها اخترت لك لباسك الأول وتختارين لباسي الأخير، أخذتِ نفسك الأول معي، وسآخذ نفسي الأخير معك استقبلتك في الحياة وستودعينني حين أغادرها. شيء بمثل هذه المعاني. كان الجو باردًا ولكن عيناي غرقت بهذا الدفء. وحانت لحظة عودتي لفندقي وإنهاء يومٍ ممتع آخر!

٥

أقول لوالدتي ممازحة قبل أسبوع تقريبًا أن يوم ميلادي هو يوم ولادتها وهكذا نحتفل بالمناسبة سويّة. نقلات حياة عظيمة حدثت ذلك اليوم! أصبحت أمّ وأصبحتُ أنا. العام الماضي احتفلت بميلادي معها في روما. كانت رحلتنا الأولى للمكان وعشنا التجربة المدهشة سويّة. هذه السنة أمرّ بأماكننا وأشعر بدفء وبعض من تأنيب الضمير -فقد دفعتها للمشي وصعود الكثير من السلالم في المتاحف حينما كنا نجهل إصابة ركبتها. شعرت بالكثير بالألم وتحاملت على نفسها من أجلي- من جديد.

اليوم احتفلت بعيدي الثالث والأربعين، تمر السنوات أحيانًا والتفت للرقم ولا يعود يحمل ثقلا أو معنى جوهري مقارنة بالتجارب والمشاعر التي أعيشها في عامٍ كامل. لو تسألوني عن أيام ميلادي السابقة سأجد ذاكرتي عالقة في عيدي الثامن والعشرين، أو الحادي والثلاثين -مثلا. كعكة شهية وأحباب مجتمعين.

هذه السنة أنا وحدي والقمر الذي يطلّ من نافذة فلورنسا.

صباح اليوم طلبت سيارة أوبر لتأخذني للنقطة الأبعد من جولة النهار، هذه المرة الأولى التي أفعلها منذ وصلت فلورنسا فهي مدينة جميلة تقطعها بالمشي خلال ساعة على الأكثر! لكني تذكرت صعود حدائق بوبولي في قصر بيتي المقر الرئيسي لعائلة مديتشي. الكثير من الصعود والمشي والانعطافات السريعة، ثم جولة التسوق السريعة لآخر نهار في المدينة. في معرض الحديث قلت للسائق أنّ اليوم ذكرى ميلادي، وأصرّ لاحقًا على ايقاف السيارة أمام بوابة القصر لأنه على حد قوله سيمنحني معاملة المشاهير! وأصر أيضًا على بقائي حتى يفتح الباب بنفسه ضحكت من اللفتة وتقبلتها بفرح. ستكون هيفا الصغيرة فخورة بي هذا النهار. فقد صعدت الحدائق التي شاهدتها في وثائقي قديم ومنذ ذلك اليوم وفلورنسا في ذهني لا تغيب. أدعو الله أن يكون عامي القادم مليئا بالحبّ والرضا. أن أعرف الدروس ولا أنساها. وأن يبقى الفضول مشتعلا في قلبي. وألا أفقد حسّ المغامرة والتجريب. وأن أعبر الأبواب والطرق بخفة وأن يهدأ قلبي لمعرفتي أن كلّ شيء في حفظ الله ورعايته.

٦

في منتصف الرحلة غمرتني مشاعر متداخلة يصعب وصفها. كنت استيقظ يوميًا مبكرة، قبل شروق الشمس أحيانًا وينتهي يومي قبل الغروب حين أعود مشيًا للفندق. مثقلة بالجمال الذي رأيته ومحتضنة مشترياتي التي لم تخرج عن الورق والجلديات. كانت الأيام بين روما وفلورنسا تمرّ سريعًا، وتنكمش بين خطواتي حول المتاحف والكاتدرائيات. كانت هناك لحظة محددة ستبقى في ذاكرتي طويلًا: أقف في قاعة مزيّنة بالجداريات، رفعتُ رأسي لأتأمل السقف المزخرف وألتقط له الصور. أحسست بوخزة في صدري وغرقت عيناي بالدموع. لم أفهم حينها ما الذي حصل! خليط من الإعجاب والارتباك؟ حنين؟ رغبة في البقاء هنا للأبد ورغبة في الهرب؟

في أزقة فلورنسا المتوارية عن الشمس، مشيت ببطء لأحفظ المشهد في ذاكرتي. صوت الأحذية على الأرض الحجرية المتفاوتة، النوافذ الصغيرة المضاءة في منتصف النهار، وأوراق الخريف التي تتطاير حول المارّة. استمتع بعزلتي كما لم أفعل منذ زمن. في المساء وأنا أقرأ عن متلازمة ستندال أو الدوار الذي يصيب الإنسان أمام الجمال المفرط. ابتسمت بعد أن وجدت الإجابة والتفسير لعاطفة غامضة سكنتني. أدركت أن الثقل الذي كنت أعيشه في الأيام الماضية ليس تعبًا جسديًا، بل أثر الفنّ حين يتجاوز النظر ليقع في الروح. ربما كانت فلورنسا تختبر قدرتي على الاحتواء، وتذكرني أن الجمال لا يُستهلك على عجل، بل يسكننا للأبد.

.

.

.

١٧ | عن تأخير النوم الانتقامي

أحبّ اكتشاف مسميّات للفترات والمشاعر التي أمرّ بها ولا أعرف لها مصطلح يصفها. معرفة الأمر جيدًا يعني قدرتنا على معالجته ومواجهته. وقبل عدة أشهر اكتشفت مصطلح “تأخير النوم الانتقامي – Revenge Bedtime Procrastination” ضحكت لأن الاسم مضحك فعلًا. لكن بعد نهاية الطرفة تأكدت من أنّه مشكلة ينبغي علي حلّها في أقرب وقت قبل أن تلتهم عقلي وطاقتي. كنت أعود للبيت مرهقة بعد يوم عمل طويل وأفقد السيطرة على ما تبقى من ساعات المساء. أتناول العشاء من مطعم للوجبات السريعة غالبًا – سقطت في الفخّ وتوقفت عن طهي وجباتي للأسف. ثم أتمدد في السرير حتى ساعات الصباح الأولى أشاهد حلقة تلو الأخرى من مسلسل مفضل وغالبًا إعادة مشاهدة لمسلسل قديم. والحلقة تجرّ أخرى، أتبعها بجولة مطولة في منصات التواصل بتصفح غير واعي. فيديو قصير على تيك توك يأخذني لآخر وفجأة أصبحت الساعة الواحدة أو الثانية صباحًا. كنت أقول لنفسي مع كلّ لحظة: أنتِ تستحقين! كان يومًا طويلًا ولم تفعلي فيه أي شيء لنفسك. استمتعي قليلا.  وفي الصباح التالي استيقظ متعبة متوعكة وانطلق في الركض من جديد.

فكرة تأخير النوم الانتقامي ببساطة أن الإنسان الذي يقضي يومه تحت ضغط العمل أو المسؤوليات، يشعر أنه لا يملك وقتًا لنفسه، فينتقم في الليل: يسرق من نومه ليعيش لحظات حرية. لكن هذا “الانتقام” سلاح ذو حدين فهو يعطينا إحساسًا زائفًا بالتحكم، لكنه يسرق منا صحتنا، تركيزنا، وأحيانًا سعادتنا.

وهذه المقدّمة تنقلني للتساؤل التالي: لماذا نفعل ذلك؟

اكتشفت أن الأمر لم يكن مجرد حب لإعادة مشاهدة المسلسلات أو وسائل التواصل.
كنت أبحث فيما أفعله عن:

  • الإحساس بالتحكم: بعد يوم تحدد فيه الاجتماعات مواعيدي، كنت أريد شيئًا أختاره وأقرره أنا.
  • الهروب من الضغط: التصفح اللاواعي كان وسيلتي لتجاهل الإرهاق.
  • الوهم بالمتعة: ظننت أني أستمتع، لكن في الحقيقة كنت أمارس عادة آلية تزيد من توتري وتأخذني في متاهات من البحث والأسئلة.

لعلاج المشكلة عدت إلى صندوق الأدوات القديم لبناء خطوات عمليّة ترتب يومي:

  • أضفت لحظات خاصة خلال اليوم بحيث أقدم لنفسي وقتًا ولا انتظر عودتي في المساء. من هذه اللحظات قراءة عدة صفحات من كتابي قبل بدء يوم العمل، وهذا يعني وصولي مبكرًا وتناول الإفطار والقهوة في المكتب.
  • بناء روتين ليلي ثابت والالتزام به. في كلّ مرة أعود لجدول نومي الصارم تتحسن حياتي بشكل كبير! حتى عندما تصلني ملاحظات مزعجة تنتقد نومي المبكر أو تفويتي للكثير. وكحل مناسب خصصت أيام محددة في الأسبوع أقضي فيها وقتًا ممتع مع الصديقات والعائلة ولا أمانع من السهر يومها. روتين المساء مزيج من قراءة هادئة، مشاهدة حلقة واحدة من مسلسل مع أختي، وكتابة يوميّات. أحيانا لا أتمكن من إتمامها كلّها لكن هناك شيء ما يقول لعقلي وجسدي حان وقت الراحة والهدوء تدريجيًا.
  • وضع الحدود للعمل بعد الخامسة مساءً ونهاية الأسبوع. أي اتصالات أو رسائل تحتمل الردّ في اليوم التالي أتركها لوقتها. وأعلن عادة عن تفضيلاتي للاجتماعات وتسليم المهامّ حتى لو يعني ذلك تسليمها في بداية اليوم، لكن العمل المسائي مخصص لمشاريعي الشخصية فقط. واستثني من ذلك فترات المشاريع النشطة والمواسم التي لا يمكننا جميعًا التحكم فيها وجدولتها.
  • أخصص وقت أطول للغداء وأقضي ساعة كاملة إذا استطعت. اتناول طعامي، أتصفح الرسائل وأتبادل الاحاديث مع صديقاتي. أحبّ هذه الوقفة المنعشة في منتصف اليوم، وخاصة عندما تمتد ساعات العمل إلى السادسة مساء.
  • في الأيام التي يسمح بها وقت العمل أغادر للمنزل باكرًا وأصنع شيئًا محببًا مثل التسوق لوجبة العشاء وإعداد الطعام لي ولأختي. وأحيانًا اتجه للتمرين أو موعد طبي بعد يوم العمل مباشرة ولا انتظر نهاية اليوم للخروج مجددًا.
  • مررت مؤخرًا بمصطلح أحببته “أيام العمل الداخلي” وهي ترجمة حرفية لـ inner work days يقصد بها الأيام التي نخصصها للتطوير الذاتي عبر أنشطة ذهنية وداخلية نفسية بعيدًا عن ضغط المهام الخارجية. نستثمرها في الخروج للطبيعة أو قضاء الوقت مع الأحباب أو التعلم والتأمل والاكتشاف الذاتي بشكل عام.
  • إعادة تعريف مصطلح “الانتقام” وتوجيهه لما يستحق فعلًا! وبدأت الانتقام من العادات التي تستنزفني ليصبح التوجّه إيجابيًا مع الوقت. عدت لممارسة هواية قديمة وهي الرسم، عدت للكتابة والتدوين، وعدت للرياضة بعد انقطاع وإصابات متعددة.

ما الذي حصل؟

بعد أسابيع من التجربة، لاحظت التغيير:

  • أستيقظ أكثر خفة وبذهن صافٍ ومشاعر منعشة.
  • إنتاجيتي ارتفعت بشكل جيّد.
  • مزاجي أصبح أهدأ، وعلاقاتي اليومية أقل توترًا.
  • والمفاجأة أنني لم أفقد وقتي الخاصّ بل أصبح لديّ المزيد منه. شاهدت الوفرة الحقيقية في المزاج والوقت وهذا الأهم.

والخلاصة من هذه التدوينة القصيرة -نوعًا ما- إذا وجدت نفسك تسرق دقائق من نومك لتستعيد حريتك ويومك، تذكر أن الحرية الحقيقية ليست في السهر، بل في القدرة على أن تحظى بطاقتك كاملة وأيامك بلا توتر وإرهاق.
الحل ليس أن تضيف وقتًا في الليل، بل أن تستعيد توازنك في النهار.

.

.

Collage by Karen Reiser

.

.

١٦ | أصدقاء الطفولة: المخطط الخفيّ لعلاقاتنا

تزورني منذ فترة فكرة ملحّة: أنّ الصداقات والعلاقات الأولى التي مررنا بها لم تكن مجرد تفاصيل عابرة من طفولتنا، بل كانت أشبه بـ مخطط أولي (Blueprint) يرافقنا ويُعيد تشكيل نفسه في كل علاقة جديدة ندخلها.
ما قبلته لنفسي حين كنت طفلة، وما ظننته طبيعيًا في تعامل الآخرين معي، بقي معي طويلًا، وكأنه أصبح تعريفًا غير مكتوب لهويتي العاطفية. ومع مرور السنوات، بدأت أرى أثر تلك العلاقات في صداقة متذبذبة هنا، أو علاقة مؤذية هناك، حتى وجدت نفسي أكرر نفس الأنماط دون وعي. لقد أدركت – بعد زمن – أنني سمحت بعلاقات لم تنضج يومًا لتصل إلى مستوى الصداقة الحقيقية أن تُحدّدني.

لكن السؤال الذي يراودني دومًا: كيف يمكن لطفلة أو مراهقة أن تعرف الفرق بين العلاقة السليمة والعلاقة المضطربة؟

الطفولة ليست مجرد لعب ومغامرات عابرة، بل هي مختبرنا الاجتماعي الأول. في ساحات اللعب نتعلم المشاركة والانتظار، وفي الصداقات الصغيرة نختبر معنى الثقة والوفاء، كما نختبر لأول مرة مرارة الخيانة أو الغياب.

عالم النفس إريك إريكسون وصف هذه المرحلة بأنها مرحلة الثقة مقابل عدم الثقة، حيث يبدأ الطفل في إدراك إن كان العالم مكانًا آمنًا يعتمد عليه أم لا. هذه البذور الأولى برأيه تمتد عميقًا في وجداننا وتشكل علاقتنا بذواتنا وبالآخرين لاحقًا. أما جون بولبي مؤسس نظرية التعلّق، فيرى أنّ أنماط التعلّق التي نختبرها في سنواتنا الأولى تصبح نماذج داخلية نعود إليها في علاقاتنا اللاحقة، سواء في الصداقة أو الحب أو الأسرة. بمعنى أن الغياب والحضور والاهتمام أو الإهمال الذي عشناه في الطفولة لم يكن حدثًا عابرًا، بل تعليمًا أوليًا لكيفية التعامل مع الآخرين.

إعادة إنتاج الألم

مع مرور الوقت، لاحظت أنني لم أكن أعيش صداقات جديدة بقدر ما كنت أعيد إنتاج صدى صداقات قديمة:

  • صديق يغيب فجأة كان كفيلًا بأن يعيد إحياء قلق الانفصال بداخلي.
  • علاقة تتجاوز حدودي وتجعلني أفقد صوتي الخاص.
  • لحظات أخجل فيها من اهتماماتي لمجرد أنها لم تناسب الآخرين.
  • تقبّل سلوكيات مؤذية فقط لأنها بدت مألوفة.

والغريب أنني حين وجدت صداقات طازجة، مليئة بالحماس والاهتمام، لم أشعر بالاطمئنان، بل دفعتني للهروب لأني ببساطة كنت أرى فيها فرط تعلّق واهتمام زائد عن حاجتي! لقد بدا القرب الصحي غريبًا وغير مألوف لدرجة أنه أقلقني أكثر من العلاقات المتذبذبة.

لكن مع التقدم في العمر والنضج والتعلم أدركت أن قلق الانفصال الذي ظننته جزءًا من شخصيتي لم يكن وراثيًا ولا ثابتًا، بل كان ردّ فعل طبيعي على غياب غير متوقع وعلاقات مضطربة. وفي المقابل، عندما واجهت علاقات آمنة ومستقرة، شعرت بالارتباك والرفض بدل الطمأنينة.

هنا فهمت أن أنماط الماضي لم تكن تشرح “من أنا” بقدر ما كانت تصف “ما تعلّمته” مبكرًا. والفرق بين الاثنين جوهري، لأنه يعني استطاعتي على التعلم من جديد وكسر القوالب.

هل يمكننا إعادة رسم خريطتنا؟

الجواب المبدئي: نعم.
وهذا ما ساعدني على التغيير.

الوعي بداية الطريق: أن ندرك أن ما نعيشه اليوم ليس قدرًا محتومًا، بل نمطًا موروثًا من الماضي.

المرونة العصبية: العلم يخبرنا أن الدماغ قادر على إعادة التشكل (neuroplasticity). أي تجربة جديدة، أي علاقة آمنة، يمكنها أن تعيد رسم خرائطنا الداخلية.

العلاقات الراشدة: كل صداقة ناضجة، كل علاقة قائمة على الأمان والصدق، قادرة على إعادة برمجة تصورنا عن القرب والثقة.

خطوات عملية لبناء علاقات صحية جديدة

  1. مراقبة الأنماط:تدوين المواقف التي تتكرر. متى تشعر بالقلق؟ متى تهرب؟ متى تصمت رغم الألم؟
  2. رسم الحدود:الحدود ليست أمرًا سيئًا، بل إشارة إلى حب للذات. أن تقول “لا” يعني أنك تعترف بحقك في الأمان.
  3. اختيار العلاقات الآمنة:لا تمنح قلبك لمن يثير قلقك باستمرار. ابحث عن حضور ثابت واهتمام صادق.
  4. طلب الدعم:سواء من معالج نفسي أو صديق واعٍ أو مرشد متمرّس، الدعم الخارجي يساعدنا على كسر العادات القديمة.
  5. التعاطف مع الذات:تذكّر أن الطفل أو المراهق الذي كنتَه لم يكن يتقن التمييز بين الصداقة الحقيقية والعلاقة المؤذية. وبكلمات أخرى: سامح نفسك.

العودة إلى الذات

في النهاية، صداقات الطفولة ليست مجرد صور قديمة أو موجات حنين غامرة، بل هي مخطط أولي يستمر في تشكيل علاقاتنا. لكننا لسنا أسرى له. بإمكاننا أن نعيد تشكيله ورسمه. ربما نقضي حياتنا نبحث عن ذلك الشعور الأول: حين اختارنا أحدهم لنلعب معه في ساحة المدرسة. لكن النضج الحقيقي أن نختار أنفسنا أولًا، ثم نسمح لمن يستحق أن يكون جزءًا من مخططنا الجديد.

وربما أجمل ما حدث مؤخرًا هو أنني عشت ذلك التغيير على أرض الواقع. في مكان العمل، حاولت زميلة بلطفها واجتهادها ومثابرتها أن تقترب مني، تدعوني للقاءات بسيطة وتمضي وقتًا معي. لم يكن الأمر سهلًا عليّ، لكن إصرارها اللطيف اخترق قوالبي القديمة، ووجدت نفسي ابتهج لمحاولاتها الناجحة. أدركتُ حينها أنني كنت بحاجة لمن يمد يده أولًا، ليذكّرني أن الأمان ليس فكرة نظرية بل ممارسة يومية.

وحدث هذا تحديدًا في فترة كانت تواريخ ميلاد بعض صديقاتي القديمات تمرّ في ذاكرتي بلا دعوة مني. لا أدري لِمَ احتفظ عقلي بهذه التواريخ بالذات، لكنها كلما عادت أيقظت في داخلي شيئًا من الألم. ومع ذلك، كان في هذه الصداقات الجديدة ما ينعشني ويعيد لي الإيمان بأن القلب لا يشيخ، وأنه قادر على استقبال صداقات صحية ودافئة، حتى بعد كل ما مضى.

وهكذا أتعلم أن مخططات الطفولة لا تُمحى، لكنها قابلة لإعادة الرسم كلما أفسحنا المجال لعلاقات صادقة وجديدة. الصداقة الحقيقية قد تبدأ في أي عمر، وفي أي مكان-حتى في أروقة مكان العمل- إذا كنا مستعدين أن نلين قليلًا، ونسمح للآخرين بأن يفتحوا لنا أبوابًا لم نجرؤ أن نطرقها وحدنا.

.

.

Painting by Amanda Blake

.

.

 

١٥ | ما وراء الموهبة: عن التفاني غير المنطقي

ما يفرق الناس حقًا ليس موهبةً سحرية، بل التزامٌ يكاد يكون غير منطقي بتجاوز الألم، التزامٌ قد يُحطم معظم الناس. كل شيء حولك – كل رفاهية تستمتع بها، كل مساحة تسكنها، كل خدمة تستخدمها – كان رفضًا من شخصٍ واحدٍ لقبول العالم كما هو. يتطوّر العالم من خلال “التفاني غير المنطقي”.

Shane Parish

من السهل أن نفسّر نجاح الآخرين بكلمة واحدة: موهبة.  نقرأ لكاتبة بارعة فنفترض أن اللغة منحتها سحرًا استثنائيًا، أو نسمع عن رياضية متألقة فنعتقد أن جسدها صُمم للفوز منذ البداية. هذه النظرة تُريحنا لأنها تجعل الإنجاز يبدو حكرًا على القلة، وتُعفينا من مسؤولية المحاولة.

لكن الواقع أبسط وأكثر قسوة: الموهبة بذرة، لكن البذرة لا تنبت دون عمل شاق. ما يفرّق الناس حقًا ليس الشرارة الأولى، بل الالتزام شبه اللامنطقي بالاستمرار في العمل عندما يتوقف الآخرون. الالتزام بالعودة يومًا بعد يوم، حتى في غياب الحافز، حتى عندما يسيطر الشك والإرهاق. هذا ما يمكن أن نسمّيه: التفاني غير المنطقي.

ما هو التفاني غير المنطقي؟

التفاني غير المنطقي هو استعداد للاستمرار رغم أن كل المؤشرات تقول “توقف“. هو قرار واعٍ بدفع الثمن نفسيًا وجسديًا وماليًا وحتى زمنيًا. لأن الإيمان بالهدف أقوى من منطق الاستسلام. هو “غير منطقي” لأنه يتعارض مع منطق الراحة والحفاظ على الطاقة. لكنّه في الوقت نفسه يفسّر أعظم التحولات الإنسانية.

الرفض المتراكم

كل ما نعتبره اليوم من المسلّمات (من الكهرباء والطب إلى السفر بالطائرة والتكييف والاتصالات) وُلد من لحظة رفض. شخص ما في وقت ما نظر إلى واقعه وقال: “هذا لا يكفي”. لم يقبل أن يكون الظلام أمرًا حتميًا، أو أن المرض قدرًا لا مفر منه، أو أن المسافة بين قارتين عائقًا أبديًا.

  • لو استسلم إديسون بعد عشر محاولات فاشلة، لبقي العالم مظلمًا لسنوات أطول.
  • لو تراجعت ماري كوري أمام التمييز وصعوبة البحث، لما عرف العالم العلاج الإشعاعي الذي أنقذ ملايين الأرواح.
  • لو استسلم الأخوان رايت لسخرية الناس بعد سقوط طائراتهما الأولى، لما حلّق البشر في السماء ولا عبروا القارات في ساعات.
  • لو خضع رواد التقنية للسوق حين رُفضت أفكارهم في البداية، لما كان الهاتف الذكي أو الإنترنت في جيوبنا اليوم.

هناك المئات، بل الآلاف من هذه الأمثلة توضّح أن الرفاهية التي نعيشها ليست نتيجة عبقرية عابرة، بل ثمرة التزام استثنائي، متواصل، وغير منطقي في أحيان كثيرة. حتى نحنُ في حياتنا حينما نتذكر اللحظات المفصلية التي تجاوزنا فيها عقبة أو أتممنا بها مشروعًا لم يترك أثره علينا فحسب، بل على كلّ من حولنا.

الجانب النفسي للتفاني غير المنطقي

لماذا يستمر البعض بينما يتوقف الآخرون؟ هنا تأتي عدة عوامل نفسية:

  • رؤية واضحة: لديهم صورة ذهنية قويّة عن المستقبل تعطي صاحبها سببًا للصمود أكثر من الآخرين.
  • المعنى: لتحمل الآلام والصعوبات نحتاج لمعنى حتى لا ينهكنا.
  • التعلّم من الفشل: من يجد في فشله فرصة ذهبية للتعلم يملك قدرة أكبر على الاستمرار.
  • شبكات الدعم: حتى أشد الالتزامات “لا منطقية” تحتاج دائرة داعمة أو شخص يؤمن بك ويشجعك على التقدم للأمام.

هذه المحاور توضح أن التفاني غير المنطقي ليس جنونًا عشوائيًا، بل مزيج من قناعة داخلية وإدارة واعية للألم والإخفاق. وهذا النمط من الالتزام لا يخص العلماء أو المخترعين أو روّاد الأعمال. لكننا نراه في:

  • أم تواصل تعليم أطفالها رغم كل الصعوبات.
  • شابة تؤسس مشروعًا ناشئًا وتتحمّل سنوات من الخسارة قبل أن تظهر النتائج.
  • باحثة تكتب أطروحتها وسط عزلة طويلة، مدفوعة بإيمانها أن المعرفة تستحق العناء.

هذه المواقف قد تُوصف بمن حولهم بأنها “عناد غير منطقي“، لكنها في حقيقتها التعبير الأكثر واقعية عن الإيمان بأن الرحلة تستحق.

كيف يمكنني تبنّي هذا التوجه في حياتي اليومية؟

السؤال ليس عن إديسون أو كوري أو جوبز وحدهم. السؤال شخصي أكثر: أي نواحي حياتي تحتاج أن أمارس هذا النوع من الالتزام؟

  • ما الحلم المؤجل الذي يستحق أن نمنحه فرصة ثانية وثالثة؟
  • ما الفكرة التي تبدو غير منطقية الآن، لكنها ستكون ذات أثر لو منحناها وقتًا أطول؟
  • وأي مشروع شخصي أو مهني يحتاج أن نصمد فيه بعد انسحاب الآخرين؟

خاتمة

العالم الذي نعيش فيه اليوم ليس نتيجة حسابات منطقية فقط، بل هو ثمرة إصرار متواصل، إصرار غالبًا ما بدا بلا معنى في حينه. التّفاني غير المنطقي ليس رفاهية، بل شرط أساسي لأي تغيير حقيقي. ولعل الدرس الأهم أن نسأل أنفسنا: أين يمكن أن نكون جزءًا من هذه السلسلة؟ وأي “رفض صغير” للواقع الحالي قد يتحول بفضل التزامنا الطويل إلى إنجاز يغيّر حياتنا وحياة من حولنا؟

.

.

.

photo by by Dania Shaeeb

.

.