١٦ | أصدقاء الطفولة: المخطط الخفيّ لعلاقاتنا

تزورني منذ فترة فكرة ملحّة: أنّ الصداقات والعلاقات الأولى التي مررنا بها لم تكن مجرد تفاصيل عابرة من طفولتنا، بل كانت أشبه بـ مخطط أولي (Blueprint) يرافقنا ويُعيد تشكيل نفسه في كل علاقة جديدة ندخلها.
ما قبلته لنفسي حين كنت طفلة، وما ظننته طبيعيًا في تعامل الآخرين معي، بقي معي طويلًا، وكأنه أصبح تعريفًا غير مكتوب لهويتي العاطفية. ومع مرور السنوات، بدأت أرى أثر تلك العلاقات في صداقة متذبذبة هنا، أو علاقة مؤذية هناك، حتى وجدت نفسي أكرر نفس الأنماط دون وعي. لقد أدركت – بعد زمن – أنني سمحت بعلاقات لم تنضج يومًا لتصل إلى مستوى الصداقة الحقيقية أن تُحدّدني.

لكن السؤال الذي يراودني دومًا: كيف يمكن لطفلة أو مراهقة أن تعرف الفرق بين العلاقة السليمة والعلاقة المضطربة؟

الطفولة ليست مجرد لعب ومغامرات عابرة، بل هي مختبرنا الاجتماعي الأول. في ساحات اللعب نتعلم المشاركة والانتظار، وفي الصداقات الصغيرة نختبر معنى الثقة والوفاء، كما نختبر لأول مرة مرارة الخيانة أو الغياب.

عالم النفس إريك إريكسون وصف هذه المرحلة بأنها مرحلة الثقة مقابل عدم الثقة، حيث يبدأ الطفل في إدراك إن كان العالم مكانًا آمنًا يعتمد عليه أم لا. هذه البذور الأولى برأيه تمتد عميقًا في وجداننا وتشكل علاقتنا بذواتنا وبالآخرين لاحقًا. أما جون بولبي مؤسس نظرية التعلّق، فيرى أنّ أنماط التعلّق التي نختبرها في سنواتنا الأولى تصبح نماذج داخلية نعود إليها في علاقاتنا اللاحقة، سواء في الصداقة أو الحب أو الأسرة. بمعنى أن الغياب والحضور والاهتمام أو الإهمال الذي عشناه في الطفولة لم يكن حدثًا عابرًا، بل تعليمًا أوليًا لكيفية التعامل مع الآخرين.

إعادة إنتاج الألم

مع مرور الوقت، لاحظت أنني لم أكن أعيش صداقات جديدة بقدر ما كنت أعيد إنتاج صدى صداقات قديمة:

  • صديق يغيب فجأة كان كفيلًا بأن يعيد إحياء قلق الانفصال بداخلي.
  • علاقة تتجاوز حدودي وتجعلني أفقد صوتي الخاص.
  • لحظات أخجل فيها من اهتماماتي لمجرد أنها لم تناسب الآخرين.
  • تقبّل سلوكيات مؤذية فقط لأنها بدت مألوفة.

والغريب أنني حين وجدت صداقات طازجة، مليئة بالحماس والاهتمام، لم أشعر بالاطمئنان، بل دفعتني للهروب لأني ببساطة كنت أرى فيها فرط تعلّق واهتمام زائد عن حاجتي! لقد بدا القرب الصحي غريبًا وغير مألوف لدرجة أنه أقلقني أكثر من العلاقات المتذبذبة.

لكن مع التقدم في العمر والنضج والتعلم أدركت أن قلق الانفصال الذي ظننته جزءًا من شخصيتي لم يكن وراثيًا ولا ثابتًا، بل كان ردّ فعل طبيعي على غياب غير متوقع وعلاقات مضطربة. وفي المقابل، عندما واجهت علاقات آمنة ومستقرة، شعرت بالارتباك والرفض بدل الطمأنينة.

هنا فهمت أن أنماط الماضي لم تكن تشرح “من أنا” بقدر ما كانت تصف “ما تعلّمته” مبكرًا. والفرق بين الاثنين جوهري، لأنه يعني استطاعتي على التعلم من جديد وكسر القوالب.

هل يمكننا إعادة رسم خريطتنا؟

الجواب المبدئي: نعم.
وهذا ما ساعدني على التغيير.

الوعي بداية الطريق: أن ندرك أن ما نعيشه اليوم ليس قدرًا محتومًا، بل نمطًا موروثًا من الماضي.

المرونة العصبية: العلم يخبرنا أن الدماغ قادر على إعادة التشكل (neuroplasticity). أي تجربة جديدة، أي علاقة آمنة، يمكنها أن تعيد رسم خرائطنا الداخلية.

العلاقات الراشدة: كل صداقة ناضجة، كل علاقة قائمة على الأمان والصدق، قادرة على إعادة برمجة تصورنا عن القرب والثقة.

خطوات عملية لبناء علاقات صحية جديدة

  1. مراقبة الأنماط:تدوين المواقف التي تتكرر. متى تشعر بالقلق؟ متى تهرب؟ متى تصمت رغم الألم؟
  2. رسم الحدود:الحدود ليست أمرًا سيئًا، بل إشارة إلى حب للذات. أن تقول “لا” يعني أنك تعترف بحقك في الأمان.
  3. اختيار العلاقات الآمنة:لا تمنح قلبك لمن يثير قلقك باستمرار. ابحث عن حضور ثابت واهتمام صادق.
  4. طلب الدعم:سواء من معالج نفسي أو صديق واعٍ أو مرشد متمرّس، الدعم الخارجي يساعدنا على كسر العادات القديمة.
  5. التعاطف مع الذات:تذكّر أن الطفل أو المراهق الذي كنتَه لم يكن يتقن التمييز بين الصداقة الحقيقية والعلاقة المؤذية. وبكلمات أخرى: سامح نفسك.

العودة إلى الذات

في النهاية، صداقات الطفولة ليست مجرد صور قديمة أو موجات حنين غامرة، بل هي مخطط أولي يستمر في تشكيل علاقاتنا. لكننا لسنا أسرى له. بإمكاننا أن نعيد تشكيله ورسمه. ربما نقضي حياتنا نبحث عن ذلك الشعور الأول: حين اختارنا أحدهم لنلعب معه في ساحة المدرسة. لكن النضج الحقيقي أن نختار أنفسنا أولًا، ثم نسمح لمن يستحق أن يكون جزءًا من مخططنا الجديد.

وربما أجمل ما حدث مؤخرًا هو أنني عشت ذلك التغيير على أرض الواقع. في مكان العمل، حاولت زميلة بلطفها واجتهادها ومثابرتها أن تقترب مني، تدعوني للقاءات بسيطة وتمضي وقتًا معي. لم يكن الأمر سهلًا عليّ، لكن إصرارها اللطيف اخترق قوالبي القديمة، ووجدت نفسي ابتهج لمحاولاتها الناجحة. أدركتُ حينها أنني كنت بحاجة لمن يمد يده أولًا، ليذكّرني أن الأمان ليس فكرة نظرية بل ممارسة يومية.

وحدث هذا تحديدًا في فترة كانت تواريخ ميلاد بعض صديقاتي القديمات تمرّ في ذاكرتي بلا دعوة مني. لا أدري لِمَ احتفظ عقلي بهذه التواريخ بالذات، لكنها كلما عادت أيقظت في داخلي شيئًا من الألم. ومع ذلك، كان في هذه الصداقات الجديدة ما ينعشني ويعيد لي الإيمان بأن القلب لا يشيخ، وأنه قادر على استقبال صداقات صحية ودافئة، حتى بعد كل ما مضى.

وهكذا أتعلم أن مخططات الطفولة لا تُمحى، لكنها قابلة لإعادة الرسم كلما أفسحنا المجال لعلاقات صادقة وجديدة. الصداقة الحقيقية قد تبدأ في أي عمر، وفي أي مكان-حتى في أروقة مكان العمل- إذا كنا مستعدين أن نلين قليلًا، ونسمح للآخرين بأن يفتحوا لنا أبوابًا لم نجرؤ أن نطرقها وحدنا.

.

.

Painting by Amanda Blake

.

.

 

١٥ | ما وراء الموهبة: عن التفاني غير المنطقي

ما يفرق الناس حقًا ليس موهبةً سحرية، بل التزامٌ يكاد يكون غير منطقي بتجاوز الألم، التزامٌ قد يُحطم معظم الناس. كل شيء حولك – كل رفاهية تستمتع بها، كل مساحة تسكنها، كل خدمة تستخدمها – كان رفضًا من شخصٍ واحدٍ لقبول العالم كما هو. يتطوّر العالم من خلال “التفاني غير المنطقي”.

Shane Parish

من السهل أن نفسّر نجاح الآخرين بكلمة واحدة: موهبة.  نقرأ لكاتبة بارعة فنفترض أن اللغة منحتها سحرًا استثنائيًا، أو نسمع عن رياضية متألقة فنعتقد أن جسدها صُمم للفوز منذ البداية. هذه النظرة تُريحنا لأنها تجعل الإنجاز يبدو حكرًا على القلة، وتُعفينا من مسؤولية المحاولة.

لكن الواقع أبسط وأكثر قسوة: الموهبة بذرة، لكن البذرة لا تنبت دون عمل شاق. ما يفرّق الناس حقًا ليس الشرارة الأولى، بل الالتزام شبه اللامنطقي بالاستمرار في العمل عندما يتوقف الآخرون. الالتزام بالعودة يومًا بعد يوم، حتى في غياب الحافز، حتى عندما يسيطر الشك والإرهاق. هذا ما يمكن أن نسمّيه: التفاني غير المنطقي.

ما هو التفاني غير المنطقي؟

التفاني غير المنطقي هو استعداد للاستمرار رغم أن كل المؤشرات تقول “توقف“. هو قرار واعٍ بدفع الثمن نفسيًا وجسديًا وماليًا وحتى زمنيًا. لأن الإيمان بالهدف أقوى من منطق الاستسلام. هو “غير منطقي” لأنه يتعارض مع منطق الراحة والحفاظ على الطاقة. لكنّه في الوقت نفسه يفسّر أعظم التحولات الإنسانية.

الرفض المتراكم

كل ما نعتبره اليوم من المسلّمات (من الكهرباء والطب إلى السفر بالطائرة والتكييف والاتصالات) وُلد من لحظة رفض. شخص ما في وقت ما نظر إلى واقعه وقال: “هذا لا يكفي”. لم يقبل أن يكون الظلام أمرًا حتميًا، أو أن المرض قدرًا لا مفر منه، أو أن المسافة بين قارتين عائقًا أبديًا.

  • لو استسلم إديسون بعد عشر محاولات فاشلة، لبقي العالم مظلمًا لسنوات أطول.
  • لو تراجعت ماري كوري أمام التمييز وصعوبة البحث، لما عرف العالم العلاج الإشعاعي الذي أنقذ ملايين الأرواح.
  • لو استسلم الأخوان رايت لسخرية الناس بعد سقوط طائراتهما الأولى، لما حلّق البشر في السماء ولا عبروا القارات في ساعات.
  • لو خضع رواد التقنية للسوق حين رُفضت أفكارهم في البداية، لما كان الهاتف الذكي أو الإنترنت في جيوبنا اليوم.

هناك المئات، بل الآلاف من هذه الأمثلة توضّح أن الرفاهية التي نعيشها ليست نتيجة عبقرية عابرة، بل ثمرة التزام استثنائي، متواصل، وغير منطقي في أحيان كثيرة. حتى نحنُ في حياتنا حينما نتذكر اللحظات المفصلية التي تجاوزنا فيها عقبة أو أتممنا بها مشروعًا لم يترك أثره علينا فحسب، بل على كلّ من حولنا.

الجانب النفسي للتفاني غير المنطقي

لماذا يستمر البعض بينما يتوقف الآخرون؟ هنا تأتي عدة عوامل نفسية:

  • رؤية واضحة: لديهم صورة ذهنية قويّة عن المستقبل تعطي صاحبها سببًا للصمود أكثر من الآخرين.
  • المعنى: لتحمل الآلام والصعوبات نحتاج لمعنى حتى لا ينهكنا.
  • التعلّم من الفشل: من يجد في فشله فرصة ذهبية للتعلم يملك قدرة أكبر على الاستمرار.
  • شبكات الدعم: حتى أشد الالتزامات “لا منطقية” تحتاج دائرة داعمة أو شخص يؤمن بك ويشجعك على التقدم للأمام.

هذه المحاور توضح أن التفاني غير المنطقي ليس جنونًا عشوائيًا، بل مزيج من قناعة داخلية وإدارة واعية للألم والإخفاق. وهذا النمط من الالتزام لا يخص العلماء أو المخترعين أو روّاد الأعمال. لكننا نراه في:

  • أم تواصل تعليم أطفالها رغم كل الصعوبات.
  • شابة تؤسس مشروعًا ناشئًا وتتحمّل سنوات من الخسارة قبل أن تظهر النتائج.
  • باحثة تكتب أطروحتها وسط عزلة طويلة، مدفوعة بإيمانها أن المعرفة تستحق العناء.

هذه المواقف قد تُوصف بمن حولهم بأنها “عناد غير منطقي“، لكنها في حقيقتها التعبير الأكثر واقعية عن الإيمان بأن الرحلة تستحق.

كيف يمكنني تبنّي هذا التوجه في حياتي اليومية؟

السؤال ليس عن إديسون أو كوري أو جوبز وحدهم. السؤال شخصي أكثر: أي نواحي حياتي تحتاج أن أمارس هذا النوع من الالتزام؟

  • ما الحلم المؤجل الذي يستحق أن نمنحه فرصة ثانية وثالثة؟
  • ما الفكرة التي تبدو غير منطقية الآن، لكنها ستكون ذات أثر لو منحناها وقتًا أطول؟
  • وأي مشروع شخصي أو مهني يحتاج أن نصمد فيه بعد انسحاب الآخرين؟

خاتمة

العالم الذي نعيش فيه اليوم ليس نتيجة حسابات منطقية فقط، بل هو ثمرة إصرار متواصل، إصرار غالبًا ما بدا بلا معنى في حينه. التّفاني غير المنطقي ليس رفاهية، بل شرط أساسي لأي تغيير حقيقي. ولعل الدرس الأهم أن نسأل أنفسنا: أين يمكن أن نكون جزءًا من هذه السلسلة؟ وأي “رفض صغير” للواقع الحالي قد يتحول بفضل التزامنا الطويل إلى إنجاز يغيّر حياتنا وحياة من حولنا؟

.

.

.

photo by by Dania Shaeeb

.

.

 

١٤ | الكتابة من القاع

“أحيانًا عندما أشرع في كتابة قصة جديدة وأجد صعوبة في إتمامها، أقف متأملا أسطح باريس وأقول لنفسي: لا تقلق! لقد كتبت من قبل وستكتب الآن. ما عليك سوى أن تكتب جملة صادقة واحدة. اكتب أصدق جملة تعرفها. كنت أكتب تلك الجملة ومنها تنبثق الحكاية.”

-إرنست همنغواي

مررت بهذا الاقتباس قبل عدة أيّام وفكّرت في شعور مشابه. أحبّ الكتابة وأنطلق بها أيامًا عديدة بلا توقّف. اتخلص من حبستي وتعود بلا مقدّمات أو إشارة. أكتب في كلّ مكان بسلاسة وانطلاق لكن عندما يرتبط الأمر بالمدونة أفقد شهيتي ورغبتي بمشاركة أيّ شيء. قرأت همنغواي وفكّرت في الكثير من الجمل الصادقة التي أودّ مشاركتها ولتكن هذه التدوينة بوابة العودة للحديث من جديد.

انتهى الصيف رسميًا بالنسبة لي. يمكنني الشعور بذلك في هواء المساء. في تغير حرارة الماء خلال النهار. وفي مزاجي بشكل واضح. ترك الصّيف أثره المنعش بعد المغامرات المتعددة التي كسرت رتابة أيّامي. الكثير من الأحلام القديمة تحققت فجأة وكأنها خرجت من صفحة منسية في مذكرات هيفا المراهقة! كانت أجمل اللحظات حضور حفلة فرقة Oasis   بصحبة أخواتي. أغنياتهم خلفية موسيقية للتسعينات ولم تغادر ذاكرتي أبدًا. لم تكن مجرد حفلة موسيقية. كان المشهد الأكبر: اجتماع أخوين بعد سنوات من الخلاف. يعتليان المسرح معًا من جديد. كانت العودة ممكنة متى ما وجدت الرغبة. وأنا وسط الآلاف من الحضور أحسست أني أعقد هدنة داخلية مع ذاتي.

ما إن هدأ صخب العطلة، وتبعه رحلة سريعة للدراسة ظهر داخلي فراغ مختلف. مشاعر متزاحمة وأولويات غير مستقرة ووحدة غريبة اتخذت شكل منحدر! وفي مواجهة ذلك قررت وضع أوتاد صغيرة في أرضي المضطربة: استعادة الروتين الذي فررت منه. عدت للاستيقاظ المبكر، والقراءة الاجبارية في البدء ولاحقًا استعدت المتعة. النوم المنتظم والغذاء الذي اختاره بتركيز أظهر لي إيجابيات سريعة ضبطت إيقاع جسدي. لم أحاول إعادة بناء كلّ شيء دفعة واحدة. اخترت لكل عدة أيام فكرة جديدة للتبني، كما لو كنت ابدأ من الصفر. وهذا التراكم الهادئ وضع الأسس الأقوى.

استطرد كثيرًا في حديثي وفي كتابتي. قبل قليل ذكرت شعور الوحدة وهو ليس بالشعور السهل وصفه. خاصة إذا كنت شخصًا بدائرة اجتماعية وحياة مزدحمة -في ظاهرها. تغيّرت ملامح العلاقات من حولي خلال السنوات القليلة الماضية. وجوه غابت وأخرى ظهرت. والغريب أني وجدت نفسي في دورٍ مختلف: أصغي أكثر مما أتكلم، أقدم النصيحة أكثر مما أطلبها. تجلّى دور الأخت الكبرى بوضوح. لكن العزلة تنمو بتسارع غير مسبوق. شعور الاستسلام ربّما أمام فكرة انعدام الفهم أو الأسوأ: التغاضي عن فكرة أن تكون مفهومًا. مرئيًا. أظن أنّ هذا الشعور محايد أو ربما أقوله لنفسي. لكن الخبر الجميل والمبهج وسط هذه الزرقة الداكنة، أني أصبحت أكثر تجاوبًا مع المبادرات التي تظهرها رفيقات العمل أو المتابعات لي أو معارفي المشتركة. هناك سعادة من نوع خاصّ أجدها عندما أتصرف بشكل غير متوقّع على الأقل من نفسي. وبالعودة قليلا لموضوع انعدام الفهم: ربما أحتاج لمزيد من الجهد، بدلا من انتظار أن أُفهم تلقائيًا. سيساعدني اختيار شخص مقرب ومشاركة تجربة أو شعور بداخلي بصدق ووضوح. هذا الأمر أفضل من الغياب والعزلة الكاملة. قرأت في نشرة بريدية ذات مرة تقنية لطيفة ساعدتني في تأمل أيامي بشكل أفضل. اكتب في مذكرتي في نهاية الأسبوع “ما تصالحت معه هذا الأسبوع” حتى لو كان أمرًا صغيرًا لا يثير الانتباه. فكرة، أو ذكرى، أو علاقة مضطربة، أو عادة اكتسبتها أو تخليت عنها. تذكرت مع هذا التمرين دفترًا قديمًا اسميته “دفتر التغيير” كنت أدون فيه كل تغيير جديد اعتمده في حياتي. وكلا الفكرتين مهمة في تذكيري بأن التغيير يحدث فعلًا صغر أو كبر.  وأن الحياة تمضي وتتحرك بسرعات مختلفة سواء انتبهت لها أو لم انتبه. والخلاصة من هذه التدوينة المتشعبة كالعادة؟

  • حوّلت وحدتي لمساحة مراجعة وبدأت الفكرة في رحلتي القصيرة لحضور دورة تدريبية. استعدت لذة السفر وحيدة ومع قرصات الوحدة الصغيرة التي شعرت بها دوّنت مشاعري الصادقة التي تبدأ بماذا؟ وتنتهي بـ: هذا ما سنفعله!
  • بناء روتين صغير متدرج.
  • ضبط النوم والغذاء وتحريك الجسد.
  • اختيار التواصل الحقيقي والواعي، حتى لو كان محادثة قصيرة لعدة دقائق. أفضل بكثير من الانغماس بصخب لقاءات اجتماعية مجهدة.
  • ممارسة التصالح الأسبوعي مع أي جانب حياتيّ يحتاج ذلك.

استعيد بداية التدوينة واقتباس همنغواي: “اكتب أصدق جملة تعرفها.” ربما كل ما فعلته هنا هو محاولة صادقة للتوثيق؛ توثيق عودة بسيطة، وتغييرات صغيرة، ومشاعر متناقضة لكنها حقيقية. وربما تكون هذه التدوينة نفسها الجملة الأصدق التي كنت أبحث عنها منذ أشهر.

الكتابة بالنسبة لي لا تعني فقط ملء الفراغ على الشاشة أو الورق، بل هي وسيلة لإعادة ترتيب حياتي من جديد. حين أكتب أستطيع أن أرى الصورة الأوسع: كيف تغيّر إيقاع يومي، كيف عدت للروتين تدريجيًا، وكيف وجدت في أبسط التفاصيل إشارات صغيرة على أنني بخير. هذه التفاصيل عادة ما تضيع وسط زحمة الأيام، لكن التدوين يعيدها إلى الواجهة، يمنحها قيمة إضافية ويذكرني بأنها تستحق أن تُلاحظ.

أشعر أن العودة للتدوين بعد فترة من الانقطاع تشبه الوقوف عند مرآة صافية. أرى انعكاسي بوضوح، أحيانًا يعجبني وأحيانًا يربكني، لكنني في كل الأحوال أتعامل معه بصدق. لا أحتاج أن أُجمّل أو أبرّر، فقط أن أدوّن الأشياء كما هي.

قد لا تكون لدي إجابات جاهزة لكل الأسئلة التي أطرحها على نفسي مؤخرًا، لكن التدوين نفسه شكل من أشكال الإجابة. هو إعلان أنني موجودة، وأنني أتحرك، حتى وإن كانت الخطوات مترددة. وأن التغيير يحدث فعلًا، ليس كقفزة مفاجئة، بل كسلسلة من المحاولات الصغيرة التي تترتب ببطء وتبني أساسًا أكثر ثباتًا.

لذلك، أسمح لهذه التدوينة أن تكون علامة بداية. بداية عودة للتدوين بلا شروط ولا توقعات عالية. بداية لحديث طويل لا أعرف إلى أين سيقودني، لكن يكفيني أنه بدأ. وربما كما قال همنغواي كل ما أحتاجه فعلًا هو جملة واحدة صادقة.

.

.

.

١٣ | من أنت حين تتوقف عن العمل؟

لا أعلم متى كانت اللحظة الحاسمة التي أدركت معها أن مساحة حياتي العملية والشخصية اختلطت تمامًا بلا عودة! ربما كانت مجموعة من المواقف، أو الوقفات؟ أو اللحظات التي سألت فيها نفسي: لمَ أترك العمل ولا يتركني؟ أغلق الجهاز وأعود للمنزل وتبقى إشارات وتنبيهات البريد تلكزني لتربك سلامي. أذكر قبل سبع سنوات تقريبًا مررت بلحظة قررت بعدها ترك وظيفة والبقاء في المنزل بلا خطة حتى أعيد ترتيب كلّ شيء. كنت محظوظة بأني امتلكت خطة توفير مسبقة ومبلغ مالي يساعدني في اتخاذ قرارات الوظيفة التالية من منطلق قوّة. لم أكن أبحث عن توازن مثالي وتامّ لكن فاصل صحي، يجعلني أعمل بذهن صافٍ وأعطي كلّ ما لديّ، وفي الوقت نفسه مزاج طيّب ومساحة استرخاء دافئة.

لم أكن دائمًا الشخص الذي يبني هويته الكاملة حول حياته المهنية، لكني وقعت في الفخ لفترات قصيرة وأنقذت نفسي بأعجوبة. الانغماس الكامل في العمل لم يترك أثرًا جيدًا عليّ. صحتي وحياتي الاجتماعية وعلاقتي بهواياتي ومفهوم الراحة والإنجاز بشكل عامّ تأثرت.

هذه التدوينة لا تدّعي إيجاد الحلول لكل من يعاني من هذه المشكلة، لكن فيها خلاصة تجربة شخصية، وبحث، وأفكار مساعدة. لكل منّا تجربته الشخصية التي قد نتشابه في بعض تفاصيلها ونختلف في أخرى. كانت مشكلتي مع الجانب المهني من شخصيتي ليس انمساخ تامّ ليصبح يوم العمل كل ما اتحدث عنه أو أفعله، بل غياب الحدود بين تلك المساحة ومساحتي الشخصية. إذا لم تكن هذه مشكلة تعاني منها فهذا عظيم! وإذا كانت هذه مشكلتك تابع القراءة وقد اقترح عليك شيئًا ملهمًا.

خلال بحثي عن الموضوع وجدت مصطلحًا يستخدمه علماء النفس “التورّط – Enmeshment” وهذا وصف لحالة تتلاشى فيها الحدود بين الأشخاص وتفقد الهوية أهميّتها. لكن في حالة حديثنا هذا يصبح التورّط مع حياتك المهنية. وكان هناك مجموعة من الأسئلة لتساعدك على اكتشاف تورط حياتك الشخصية وهويتك مع حياتك المهنية:

  • ما مدى تفكيرك في وظيفتك خارج المكتب؟ هل عقلك منشغل بشكل متكرر بأفكار العمل؟ هل يصعب عليك المشاركة في حوارات مع الآخرين لا تتعلق بعملك؟
  • كيف تصف نفسك؟ ما مدى ارتباط هذا الوصف بوظيفتك أو منصبك أو شركتك؟ هل هناك أي طرق أخرى تصف بها نفسك؟ ما مدى سرعة إبلاغك للأشخاص الذين التقيتهم للتو عن وظيفتك؟
  • أين تقضي معظم وقتك؟ هل اشتكى لك أحد من قبل أنك تقضي وقتًا طويلاً في العمل أو أداء مهامّه؟
  • هل تملك هوايات خارج العمل لا تتضمن بشكل مباشر مهاراتك وقدراتك المتعلقة بالعمل؟ هل أنت قادر على قضاء وقتك باستمرار في تمرين أجزاء أخرى من دماغك؟
  • ما شعورك لو لم تتمكن من الاستمرار في مهنتك؟ هل الفكرة مزعجة لك؟

هذه الأسئلة مناسبة للتأمل كبداية! هل أثارت قلقك؟ أو شعرت بأنها مبالغة وغير منطقية؟ قد تكون المرحلة الأولى لتقييم الوضع من قراءة الأسئلة والاجابة عليها بصراحة – ولا مشكلة من استشارة شخص تثق به فأحبتنا دائمًا يصدقوننا القول في هذه الحالات. كيف يمكننا إذًا مقاومة هذا التورّط وتعلم كيفية الفصل الصحي بين حياتنا المهنية والشخصية – كضرورة لرفاهية العيش؟

هذه خطّة مبسطة (مقترحة) لتفكيك المشكلة وحلّها.

المرحلة الأولى: الوعي والتقييم.

  • ما الذي تمر به الآن؟ وما الذي تأمل في الحصول عليه؟ (هل تبحث عن الاسترخاء؟ ممارسة الهوايات؟ قضاء وقت أطول مع العائلة والأصدقاء؟ أو مساحة للنمو الشخصي والتعلّم؟) معرفة الدوافع يساعدك على البقاء في المسار الصحيح.
  • راجع وقتك الحالي، تابع أسبوع من حياتك وكيف تقضي وقتك فيه خارج ساعات العمل. هل تفضل كتابة الملاحظات في مذكرة أو حتى مذكرة الهاتف الرقمية. كلما كنت صريحًا وصادقًا مع نفسك كلما توصلت على لبّ المشكلة بشكل أسرع.
  • أين تتسرّب حياتك المهنية لوقتك الشخصي؟ مثلا: التحقق من رسائل البريد الإلكتروني بشكل مستمر وبعد ساعات العمل، تلقي المكالمات والرسائل والردّ عليها، أو التفكير في العمل بشكل مستمر بحيث يطغى على يومك.
  • كيف شكل مساحتك الشخصية المثالية؟ هذا النشاط ممتع حقيقة ومبهج، يذكّرني بورشة عمل قدمتها قبل سنوات وتدوينة هنا عن صناعة يومك المثالي. نفس الفكرة إنما على نطاق أوسع لتشمل كافة جوانب حياتك. قد تكون مساحتك المثالية هي عدة ساعات من القراءة بعد ساعات العمل، أو طبخ طبق شهيّ لعائلتك، أو لقاء صديق مساءً بلا مشتتات رقمية أو مهامّ عمل.

المرحلة الثانية: وضع الحدود

 تضمّ الحدود عدة أشكال ويمكن تصنيفها باختصار إلى:

  • حدود مادية: كمنطقة العمل المحددة وهي مقر العمل الذي تذهب إليه، وقد يكون العمل في المنزل فيشمل منطقة عمل محددة كالمكتب.
  • حدود رقمية: مثل إيقاف إشعارات الهاتف والبريد الإلكتروني، أو اقتناء جهاز هاتف شخصي غير جهاز تستخدمه خلال ساعات العمل.
  • حدود الوقت: ساعات العمل وتحديدها بوضوح (متى يبدأ يوم عملك ومتى ينتهي؟ بلغ الجميع بهذا وكن ملتزمًا تجاه نفسك). يندرج ضمنها أيضًا تحديد وقت شخصي غير قابل للتفاوض أو التأجيل كالزيارات العائلية أو ممارسة الهوايات والأنشطة.
  • حدود التواصل: يمكننا تلقي الرسائل في أي وقت لكننا نحدد متى نتجاوب معها. رسائل العمل يمكنها الانتظار لليوم التالي، ومثلها رسائل الهاتف. حدود التواصل تتطلب قول “لا” كثيرًا وللأسف كانت عادة صعبة تدربت عليها لسنوات حتى تمكنت منها.

المرحلة الثالثة: تنمية المساحة الشخصية

قد تكون هذه المرحلة هي الأصعب في نظري لأنها تتطلب العمل والانتباه والحرص على قضاء أوقات طيّبة ما استطعت كي لا أنزلق لنمطي السابق. قبل فترة قررت قرارًا لطيفًا: أريد صيفًا يشبه صيفيات الطفولة. الكثير من الراحة والقراءة واللعب والبوظة! وهذا ما يمكننا أن نفعله في مساحتنا الشخصية عندما نستعيد السيطرة عليها.

  • أعد التواصل مع هواياتك القديمة وأي أنشطة تشعرك بالسعادة مثل القراءة، اللعب في الخارج، أو الطهي والفنون الإبداعية.
  • استثمر في مساحتك الشخصية. مثل إعادة تأثيث أركان في المنزل، أو شراء عدة فنون، أو الاشتراك في موقع تعليمي ممتع.
  • تمرن على الحضور الكامل في وقتك الشخصي وتخلص من تشتت المهامّ والعمل على أكثر من جبهة.
  • أعط أولوية للوقت مع الأصدقاء والعائلة وأي دوائر اجتماعية يمكنك التواجد فيها بمعزل عن حياتك المهنية.

يتبع هذه المراحل بالتأكيد المراجعة والتعديل المنتظم بحسب ما تقتضيه الحياة وتحوّلاتها. والبدء بالتدريج طبعًا فكلّ خطة فشلت فيها كانت بسبب حماسي والاندفاع الذي يولد مع الانطلاق ويخبو تدريجيًا كون الهدف أكبر وأصعب من معطيات واقعي. يساعدني أيضا بالإضافة لكلّ ما سبق الاحتفال بالتغيرات الصغيرة وأثرها على أيّامي، حتى لو كانت فسحة في نهاية الأسبوع أو نصف ساعة يومية أسرقها لقراءة مقالات المفضلة. طالمًا أوجد الوقت لنفسي ونموّي الشخصي أولًا سأكون سعيدة وراضية. أضيفوا إليها الصبر! الكثير من الصبر والحلم مع أنفسكم.

لم أنسَ أيضًا توقّع المشكلات التي قد تواجهكم وجمعتها وأعراضها والحلول المقترحة في الجدول التالي لسهولة الاطلاع:

مشكلات قد تواجهك – اضغط على الصورة للتوضيح

استعدت مع كتابة هذه التدوينة لحظات كثيرة في حياتي المهنية التي امتدت حتى اليوم لأكثر من عشرين سنة. كنت استمد قوّتي من معرفتي الأكيدة بهويتي وما أحبه وما أفضّله ومعرفتي أيضًا باللحظة التي تستدعي تدخلي لإصلاح حياتي الشخصية وضبطها أو مغادرة وظيفة إلى أخرى تسمح لي بذلك.

أمرٌ ظريف حدث خلال ساعات كتابة التدوينة. فقد تلقيت بريدًا من صديقتي تطلب مني الاطلاع على ملفّ للعمل. نظرت للساعة وعدت للكتابة في شاشة الكمبيوتر ثمّ قررت الرد على رسالة بعثتها في هاتفي: “أرجو منك الاطلاع على الملف إذا كان الوقت مناسب.” ثم تبعتها بـ”إذا لم يكن لديك المزاج، اتركيه للغدّ”. أخبرتها أني سأتركها للغدّ بالتأكيد فليس لدي الوقت. ثم أخبرتها أيضًا أني أعدّ تدوينة عن الفصل بين الحياة المهنية والشخصية. ضحكنا من الموقف وقررت إضافته هنا كقفلة للموضوع!

تسعدني قراءتكم ويسعدني أيضًا معرفة رأيكم في هذه المشكلة -إذا كانت مشكلة لديكم- كيف تمكنتم من الفصل بين الشخصيتين؟ وكيف تحافظون على مساحتكم المقدسة.

.

.

.

* Collage by Stephen Sheffield

 

.

.

١٢| محطة تبديل

تنتظر عائلتي هذا المساء وجبة شهيّة وعدتهم بتحضيرها ليلة البارحة. تذكّرت الأمر الذي أنساه دومًا: لا تقدم أيّ وعود وأنت في حالة سعادة غامرة! وهذا ما كان يوم أمس. قدّمت أولى ورش السنة في مجال الكتابة الإبداعية بالتعاون مع بيت كلمات. كانت ورشة ممتعة تعلّمت منها الكثير والتقيت بمجموعة منعشة من الحضور. أتطلع لتقديم مزيد من الورش خلال هذه السنة وسيكون منها نسخ متنقلة بين مدن المملكة وأخرى أقدّمها رقمية.

بدأت كتابة مسودة هذه التدوينة قبل أسبوعين تقريبًا، يومها أغلقت جهاز سخّان الماء وهذا التقليد السنوي يعلن انتهاء الشتاء رسميًا، واستعدادي لصيفٍ طويل على ما يبدو. تخففت من فكرة التدوينات الأسبوعية أيضًا، اثقلت نفسي بوعد قطعته في لحظة سعيدة بكتابة تدوينة كلّ خميس. لكنّ القفز بين مهام الكتابة في العمل، وإتمام فصول كتابي ليظهر هذا العام أرهقني! لديّ هدف كبير واحد، وسأزور المدونة لأتنفس من حين لآخر ولأشارككم تحديثات أحبّها.

أبريل ومايو ذابت على بعضها مع ارتفاع درجات الحرارة وهكذا تفاعلت مع كلّ الأحداث التي أحاطت بي. ذهبت في رحلة ممتعة وغريبة خططت لها منذ بداية السنة. كانت زيارتي الأولى لمدريد الإسبانية محفوفة بالمغامرات. ولذلك أقول لكلّ من سألني عن رأيي وتجربتي: احتاج إعادة لهذا المشهد! خلال عدة أيام جربت تبدل الفصول وزرت حدائق ومشيت في الشوارع التهم العمران الرائع بعينيّ. وكلّ هذا بلا خطة مسبقة. لم أفعلها من قبل في أيّ رحلة. هذه المرة فقط تحققت من حجز رحلة يومٍ واحد لغرناطة وقصر الحمراء، وحجزت كلّ تفاصيلها قبل شراء تذكرة السفر إلى مدريد.

كنّا أن ومنى أختي نقضي النهار في التجول الهادئ والتسوق واكتشاف المنطقة ونقرر خطوتنا القادمة حسب طاقتنا واهتمامنا. فاجأتنا ماراثونات متتالية، وإضراب عمّال النظافة، ويوم كامل بلا كهرباء في حادثة غير مسبوقة. فقدت السيطرة على خطة مدريد بالكامل، وغرقت في الضحك ومررت بكلّ الفصول. لو لم تكن خطتي الابتدائية هي المرونة والتحرك مع التغييرات لشعرت بالقنوط فورًا.

خلال عطلتي الربيعية تنقلت بين المشاعر والاهتمامات واكتشفت الكثير عن نفسي. أقول لمرشدتي بأن الأشهر الماضية كانت بمثابة الوصول للقاع، أردت السقوط العشوائي حتى تلمس قدماي نهاية هذه الحفرة. وسأحمل نفسي حينها وأعود. أهملت كلّ شيء وتوقفت عن الانتظار والاكتشاف. طال الوقت وتأملت نفسي لأجد أن الجلوس في هذه الحفرة كان ممتعًا ولا يبدو أنّي أعارضه أو أعمل على إصلاحه. كان قاعًا مفتعلًا. حفرة حفرتها لنفسي وتسللت إليها.

عامل الحركة والتغيير بدأ منذ حصلت على رخصة القيادة، هذا مشروع ميّت استيقظ وأتممته بأجمل صورة، لماذا لا ينجح الأمر مع كلّ شيء؟ بدأت بنفض حياتي بالمعنى المجازي والحقيقي. ما الذي كنت انتظره قبل هذه اللحظة؟ العودة لتقديم ورش العمل في الكتابة؟ بدء برنامج رياضي صارم استعيد معه لياقتي؟ محاربة الأرق؟ إنعاش علاقات؟ إنهاء أخرى؟ وهكذا وضعت قائمة مطوّلة تنتظر العلاج والانتباه.

شعار المرحلة هو تغيير المنظور، وبدأ الأمر مع شهر رمضان الماضي وامتدّ لعطلة العيد وعطلة الربيع والأمر مستمرّ. ما الذي يحدث عندما أغير المنظور؟ مع تغييره اكتشف أنّ ما أظنّه نهاية الطريق هو منعطف أو بداية ممرّ. أو كما اخترت عنوانًا للتدوينة «محطّة تبديل». محطة التبديل هي منشأة تستخدم لتغيير الجهد الكهربائي وتحويله من مستوى إلى آخر، بالإضافة إلى توفير الحماية والتحكم في تدفق الكهرباء في الشبكة الكهربائية (يبدو أني ما زلت متأثرة من انقطاع الكهرباء في مدريد).

 لقد عبرت هذه المحطة خلال الأسابيع الماضية، وتعلمت أن الراحة لا تأتي من الانتهاء كما خمّنت بل أحيانًا بمجرد البدء! كانت الخطوة الأولى التخفف والجرد والتفكير العميق في أولوياتي -من جديد. واعترفت لنفسي أن التعطل المربك كما رأيته لم يكن سوى هدوء ما قبل الحركة. تغير المنظور وآمنت أن البطء فرصة تستحق الاقتناص.

تعلّمت أن الراحة لا تأتي دائمًا من الانتهاء، بل تبدأ من الخطوة الأولى، من الاعتراف أنّ ما كنت أظنه “تعطّل” هو فقط “هدوء ما قبل الحركة”. تغيّر المنظور يعني أن أنظر للبطء كفرصة، وليس كفشل. أن أرى الفوضى كمساحة لإعادة ترتيب الأشياء، لا ككارثة.

حالة التوقف تمامًا عن كلّ شيء لم تكن توقفًا حقيقيًا حتى. كانت حركة غيّرت شكلها. من جري سريع باتجاه هدفٍ بعيد، إلى مشيٍ هادئ داخل النفس. بدأت أتعلّم أن بعض الطرق لا تظهر إلا حين أخفض رأسي، أو ألتفت قليلًا، أو أتطلع لوجهةٍ اقترحها الآخر. الأمر لا يتطلب شجاعة خارقة، ولا قرارًا دراميًا. أحيانًا، مجرد تعديل بسيط في زاوية الرؤية يفتح احتمالات جديدة.

شيء آخر اكتشفته في بحثي هذا، أن زاوية الرؤية ليست بالضرورة مطابقة لما يحدث حولي، بل كيف أقرؤه. وهذا الاكتشاف خفف عنّ كاهلي ثقلا كنت أحمله بلا وعي مني. كنت أهرب من الركود هروبي من المرض والملل. وكنت أرى اختلال الخطّة هزيمة. الموضوع يشبه تعديل جلستي على الكرسي بعد انحناء طويل. تفصيل صغير ومهمل لكن تنفسي تحسّن وظهري سيشركني لاحقًا.

في تطبيق الملاحظات على هاتفي، أؤرخ اللحظات التي غيرت فيها زاوية رؤيتي، فناجين قهوة أقلّ، كتاب واحد يُقرأ ببطء لشهر كامل، ترتيب مكتبتي بشكل مختلف، إعادة مشاهدة مسلسل قديم، والأكثر متعة هو تغيير طريق الذهاب للعمل كلّ عدة أيام واكتشاف مرونتي مع ذلك.  لم أعد أبحث عن إنجازٍ عظيم يؤكد لي أنني على المسار الصحيح؛ يكفيني أثرٌ صغير يهمس لي أنني ما زلت هنا، وأن في داخلي طاقة للحركة، وإن كانت أبطأ مما ظننت.

أشعر بأني استطردت كثيرًا في هذه التدوينة، لكنّه فيض الكلام عندما يداهمني ويصعب تجاهله. قبل مدة كتبت ملاحظة خاصّة لنفسي تذكّرتها الآن، وأظنّها تصبّ في موضوع التباطؤ وتبديل الحركة.

لسنوات طويلة كنت أبحث عن حبّ عاصف يغمرني ويغير نظرتي لنفسي والعالم.

لم يحدث ذلك.

لكنّ اللحظة التي قررت فيها إيقاف محركات هذا البحث المجهد والغريب والمؤذي أحيانًا.

تنبهت إلى أي درجة أصبحت أحبّ نفسي.

أحبّ نفسي بعمق هائل يحتضنني ويعيد ترتيبي كما أتمنى.

بوصلتي واضحة.

كل شيء واضح.  

.

.

.