أرشيف التصنيف: طقوس المبدعين

كيف نكتب بلا توقّف؟

يصلني سؤال بشكل متكرر هنا في المدونة، وفي بريدي الإلكتروني وعبر حسابي على تويتر. كيف يمكنناأن نكتب أو ندوّنبشكل مستمّر ونحافظ على أفكارنا متجددة؟

في البدء قفزت لذهني هذه الفكرة:

أفضل شيء قدمته لنفسي هو الهروب قدر الإمكان من التخصص الكامل وتوجيه مدونتي للحديث عن مواضيع محددة. اخترت لقصاصات أن تكون نافذة تطل على حياتي، ما يهمّني في فترة ما ينعكس على ما أنشره هنا. ويمكن لكثير من القرّاء التعرف على فترات حياتي خلال العشر سنوات الماضية من خلال الاطلاع على الأرشيف.

ثمّ مررت قبل عدة أيام بهذه المقالة التي تحدث فيها باري داڤرت عن كتابته لـ ٢٠٠ تدوينة في ٢٠٠ يوم. الرقم مذهل! حدثت نفسي وأثار بي الحماس لقراءة طريقته.

يقول باري أن قراءته لكتاب تقنية إنتاج الأفكارلجيمس ويب يونغ (١٩٤٠م) ساعدته في التوصل لفكرة ذكية. هذه الفكرة ستساعده في الوصول لمعين الإبداع الذي لا ينضب.

الفكرة جميلة وأجزم أن كثير من المدونين والكتّاب يتبعونها دون إيجاد مسمّى محدد أو معادلة لتحقيقها. لكن باري يقول التالي:

تجربة شخصية من الحياة اليومية أو العمل + رابط + معرفة أو خبرة سابقة = ناتج إبداعي

.

.

يشرح باري داڤرت المعادلة في الخطوات:

١ابدأ بكتابة قائمة بالمواضيع التي يمكنك إنتاج المحتوى من خلالها. سواء كانت هذه المواضيع: فنية، صحية، اجتماعية. في تخصصك أو بعيدة عنه. اترك هذه القائمة جانبًا لأنّ حاجتك لها مستقبلية.

٢الخطوة الثانية مرتبطة بتدوين الملاحظات السريع. قبل الغفوة سجل أفكار أو مواقف مررت بها خلال اليوم ويمكن تسميتها بالتجربة. هل سمعت قصة من أحد؟ هل مررت بموقف غريب يحتاج تأمل؟ هل صادفتك معلومة أو فكرة تريد القبض عليها؟ كل هذا قد يفيدك في القائمة. سجّل ١٠ أفكار على الأكثر. كل ما تجود به ذاكرتك مفيد.

٣الآن قبل كتابة تدوينة أو موضوع أو مقالة أو حتى صناعة تصميم أو تصوير فيديو ليوتوب – لا حدود للمحتوى الذي يمكنك صناعتهعد للقوائم التي صنعتها مسبقًا. خذ من قائمة التجارب الشخصية تلك الأفكار التي تشعر بقوّتها وأهميتها. أي فكرة تثير اهتمامك وتشعر بأنها مميزة انقلها لقائمة أقصر.

٤الآن ابحث عن رابط بين تجربة يومية أو حكاية عبرت بها وبين موضوع يمكن التدوين عنه.

ما الذي يجمع بين تجربتك وموضوع المحتوى؟

كيف يتقاطعان؟

كيف تثبت أو تنفي معلومة أو نظرية باستخدام تجربتك الشخصية؟

٥وأخيرا، اكتب التدوينة باستخدام خلاصة معرفتك وتجربتك العابرة

.

.

قد تبدو الفكرة أوضح لو استخدمت مثال:

تجربة شخصية

  • سمعت شكوى إحدى الزميلات بسبب تأخر دفع مستحقاتها مقابل مشروع مستقل

درس تعلّمته

  • يجب إلزام العملاء بعقود واضحة تحفظ حق العامل المستقل وحصوله على مقابل مادي

المحتوى

  • قررت كتابة تدوينة تجمع نصائح حول تجهيز العقود بلغة واضحة واحترافية تحفظ للكاتب المستقل حقه

.

.

فكرة البحث عن مصدر محتوى متجدد قادتني لما أعرفه سابقًا عن مدونين يكتبون بغزارة واهتمام وشغف. من بينهم ماريّا پوپوڤا النيويوركية التي لم أجد لها مثيلًا في عالم التدوين – وهذا تفضيل شخصي طبعًا -. ما يجعل ماريّا مدهشة، فكرة ربطها للمواضيع مع قراءاتها وتفاصيل حياتها اليومية. هي عندما تكتب لا تكتب بشكل اعتباطي. كل حركة تقوم بها بنيت على مسيرة طويلة من الاهتمام والاطلاع والمتعة. مئات الساعات من العمل الشهري المتواصل لتجمع لنا خلاصة أفكار المبدعين وتحدثنا عنها بلغة سلسة وواضحة. تقرأ الكتب بلا تخصيص، مرة تقرأ في الفن والأدب ومرة في علم النفس ومرة أخرى في الكيمياء والرياضيات. وفي كل هذه المرات كنت أقرأ لها باهتمام و لم أشعر أبدًا بالملل.

ماريّا تصف عملها بـ الإبداع الاندماجيّ أو التجميعي– Combinatorial Creativity” أيّ أنها لا تبتدع شيئًا من العدم. بل تبحث عن الروابط المختلفة بين أشكال الإبداع الإنساني وتعمل على دمجها وإعادة تشكيلها لتخرج بمحتوى وأفكار جديدة.

إنها تشبّه هذا البناء والربط بلعبة ليغو Lego وتقول:

كلما كانت مكعبات البناء متنوعة في الشكل واللون، كلما كانت قلعتنا مشوقة أكثر.

.

.

.

اترك المنزل لتكتب أكثر

 

أحب الروابط العجيبة بين محادثاتي اليومية مع أقاربي وصديقاتي وبين المواضيع التي أمرّ بها مصادفة على الانترنت. هذا الأسبوع كنّا نتحدث عن السفر وحيدة، تناول الطعام وحيدة، المشي وحيدة، مشاهدة الأفلام وحيدة وغيرها من الأنشطة التي أمارسها وحدي دون انزعاج لأنني أحيانًا أقضي الوقت في تأمل البشر من حولي. حتى وإن بدا الأمر وكأنني مشغولة بنفسي تمامًا. أسمع الأصوات والأحاديث، التفت لتأمل الوجوه – لا أطيل النظر حتى لا يشعرون بالانزعاج. لا أعلم متى بدأ هذا التقليد الهادئ لكنّه إحدى المتع العظيمة التي أزورها مضطرة وراغبة.

بعد حديثنا أنا وقريباتي مررت في الصباح التالي بموضوع قصير يتحدث فيه أحد الكتّاب عن المنافع التي يجدها في الخروج من المنزل – إلى مطعم في هذه الحالةوتأمل الأشخاص من حوله. وكيف يساعده ذلك في صناعة الشخصيات للقصص والروايات وفي الكتابة بشكل عام.

كيف يستفيد الكتّاب من مراقبة البشر؟

١تأمل الطريقة التي يرتدي بها الآخرين ملابسهم. طبقاتها، حركتها، ألوانها. ما هي الاكسسوارات التي يضعونها؟ أين يرتدون ساعاتهم؟ خواتمهم؟ هل يعلو شعرهم الشيب؟ كيف يسرّحون خصلاته؟

٢تأمل طريقة الناس مع بعضهم. كيف يتحدثون؟ أي نبرة تُسمع منهم؟ كيف يديرون النقاش ويلقون التحية ويضغطون على أكفّ أصحابهم؟

٣تأمل طريقة جلوس الآخرين وحدهم. هل يزعجهم ذلك؟ هل تقرأ من أعينهم مشاعر تلك اللحظة؟ يقرأون كتبًا أم وجوه البشر؟

٤تأمل لغة أجسادهم. إيماءاتهم. نظراتهم وحركة أيديهم على الطاولة وفي الهواء. التماع المشاعر في أعينهم.

٥كيف يأكلون؟ ما الذي يختارونه من قائمة الأطعمة؟ هل يدخنون بشراهة؟ هل يمتعضون من منع التدخين؟ ما هو شكل حيرتهم أمام الأطباق الشهية؟ يشربون الشاي ساخنًا أم يبرد على مهل وهم منغمسون في الأحاديث؟

الشيء المؤكد بعد الملاحظات أعلاه أنك ستعود للمنزل وفي رأسك عشرات الحكايا، ستذهب بعيدًا وتنسج القصص لمجرد اقترابك من الناس. ستكتشفهم وتكتشف نفسك. سواء كنت على طاولة مطعم أو مقهى، في الشارع، في السوق، في الجامعة والمستشفى والمطار .. هل يكفي المجال لعدّ كل مكان يجتمع فيه البشر؟

العزلة مدهشة لكن وكما كتب صاحب هذه الأفكار أنتوني إلرز:

الشخصيات لا تولد من الهواء؛ بل تُحاك من تفاصيل أناس حقيقيين حولنا

.

.

.

طابع بريد لرسائل الحبّ فقط

التقيت بماركيز في المرّة الأولى عام ١٩٩٣م بمكسيكو سيتي. كان انتهى للتوّ من كتابه عن الحبّ وشياطين أخرى“. عمل صغير نُشر بالإسبانية في ١٩٩٤م، وصدرت الترجمة الإنجليزية له في العام ١٩٩٥م. كان قد بدأ بكتابة سيرته الذاتية الضخمة التي نُشر الجزء الأول منها في ٢٠٠٢م. وفي تلك الفترة أيضًا كان يتعافى من هجمة السرطان الأولى. تلك الهجمة التي غذّت الوساوس والغمّ بداخلهامتدّ حديثنا ليومين في كوخ خارجي ملحق بمنزله. رائقٌ بلا بهرجة، كان في فترة ما مكتبته، ثم مكتب، ثم كهف رجل مدفّأ بعناية.

.

.

ماركيز:

(مشيرًا إلى مسجلة الصوت) هل نحتاج إليها فعلًا؟ أنا عدو مسجلات الصوت. لها أذن وليس لها قلب. يمكنك تدوين ملاحظاتك.

ستريتفلد:

إنني كاتب بطيء. لذلك يؤسفني أنني مضطر لاستخدامها، وإلا سيتمد اللقاء للأسبوع القادم.

ماركيز:

حسنًا إذا. وأعتذر منك إذ أنني لا أجيد التحدث بالإنجليزية. أكبر خطأ ارتكبته في حياتي: عدم اتقان التحدث بالإنجليزية (يرفع يديه مستسلمًا). اسألني ما بدا لك.

ستريتفلد:

اشتبكت مؤخرًا مع سرطان الرئة؟

ماركيز:

نعم؛ لكنّ فحوصاتي مبشرة والورم حميد. لقد كان خبيثًا لكنه لم ينتشر. منحني الأطباء الكثير من التفاؤل. كنت أقول دائمًا إذا حدث شيء مشابه؛ أكذبوا علي. والآن يعطونني انطباع أن كلّ شيء بخير ولا أعلم أحقيقة هذه أم كذبة؟ مراجعات الفحوصات مرعبة، فقد يجدون شيئًا آخر.

جدولت مؤخرًا موعدًا ليوم الأربعاء. يوم السبت بدأ القلق، وعندما جاء الأحد ظننت بأنني سأموت.

ستريتفلد:

ماذا حدث يوم الاثنين؟

ماركيز:

قدّمت الموعد.

ستريتفلد:

هل أثر السرطان على عملك؟

ماركيز:

أصبحت في عجلة من أمري. كنت أقول لنفسي دائمًا: يمكنني عمل هذا خلال عشرين سنة أو ثلاثين سنة. الآن أعلم بأنني قد لا أملك ثلاثين سنة أخرى. أحاول تجاوز ذلك عندما أجلس للكتابة. يمكن اكتشاف تأثير العجلة بوضوح على الأعمال الإبداعية. وفي أية حال، استخدام الكمبيوتر أثر علي أكثر من السرطان.

أول رواية كتبتها باستخدام الكمبيوتر الحب في زمن الكوليراوأشك بأنها أول رواية كُتبت بالاسبانية على الكمبيوتر.

باستخدام الآلة الكاتبة، أنهي المسودة الأولى ثمّ أسلمها للطابع الذي يختزلها في نسخة نظيفة. كانت لحظة سعيدة. رؤية النسخة الجديدة هكذا.لكن إنجازها يتطلب وقتًا طويلًا.

الرواية عندما تُطبع على الكمبيوتر تصبح قابلة لتعديلات لا نهائية. أكتب وأعيد الكتابة بكل سهولة وسرعة. الدليل على ذلك؟ أصبحت أنشر رواية كل سنتين بعد أن كنت أفعلها كل سبع سنوات.

أكمل قراءة المقالة

مباهج يومٍ غائم

.

.

هذا المساء طلبت كاميرا كنت أحلم بها لأكثر من سنتين! كنت أؤجل شراء الكاميرا ليس بسبب عدم قدرتي على تحمّل التكلفة، لكن مع ترتيب الأولويات الشهري تهبط تدريجيًا لأسفل القائمة وتختفي. درّبت نفسي على الصبر والانتظار، ذهبت في رحلتين لنيويورك وتمنيت بصدق أن تكون رفيقتي لتصوير الحياة في الشارع لكن قيمتها كانت توازي سكني لنصف الرحلة، أو تناول الطعام في أماكن مدهشة، وحضور حفلات موسيقية وشراء الكتب وغيرها من التجارب التي لا تقدّر بثمن. بعد التأجيل تواصلت مع متجر قمرة وطلبتها من خلال المتجر الإلكتروني، خدمة التوصيل تعد بوصول المنتج من ١٣ أيام عمل، والتوصيل مجاني داخل مدينة الرياض. سأخبركم بتجربتي حال اكتمالها لكنّي سعيدة، على الرغم من أنني لا أعرف كيف سأكمل الشهر وحسابي البنكي يعاني من الثقب العظيم الذي تركته الكاميرا. كفكرة مبدئية: لا يمكن أن يكون الوضع سيئًا جدًا، ولديّ الآن كاميرا مستعملة من طراز Nikon-D40 باستخدام نظيف وعدسات وملحقات ممتازة سأعرضها للبيع وستصنع حلا لنهاية الشهر.

* * *

قرأت هذا المقال الذي يقدم نصائح مختلفة في تجهيز الوجبات وتذكرت بأنّي وعدت بعض المتابعين أنني سأدون عن تجربتي في تجهيز الوجبات الأسبوعية، وكيف قللت من مصروفاتي بشكل مذهل! بالاضافة طبعًا إلى التحكم في عاداتي الغذائية خلال ساعات العمل الطويلة. سأضع موعد لهذه التدوينة وأقول بأنها ستكون يوم السبت المقبل، وهنا ألزم نفسي بتصوير طقوسي وكتابة قائمة من الملاحظات لمشاركتها هنا.

* * *

إلى أي مدى أنتم متعاطفون مع أنفسكم؟

شاهدوا هذا الحديث الذي قدمته الدكتورة كريستين نيف، واختبروا أنفسكم على المقياس الذي وضعته للاجابة على هذا التساؤل.

* * *

الخبراء يقولون أن الضجر الشديد مرتبط بالابداع، خبر ليس بجديد وأعلم بأنّكم قد جربتم حالات الحبسة الإبداعية التي تغرقكم في الضجر ثمّ ينبثق منها النور. لكن قراءة هذا المقال ممتعة.

* * *

عندكم مشكلة في نسيان ما تقرأونه؟

قرأت هذه المقالة التي تلخّص الحلّ في:

١اعطاء أنفسكم المساحة للتذكر، العقل يحتاج لمسافات بين المعلومة والأخرى ليستوعبها لأن الإعادة والتكرار ستصيبه بالملل

٢الاستفادة من أثر زيجارنك، الذي يقول بأنّ الانسان يتذكر الأشياء عندما تتركها بلا اكتمال ويبقى متأهبًا للعودة إليها (وهنا الفكرة بتفصيل أكثر)

٣تقسيم المادة الجامدة لقطع أصغر

٤صناعة مسار ذهني مثل ممر في قصر أو منزل وتوزيع صور ذهنية للمعلومات الهامة التي تودّ تذكرها على امتداد الطريق

* * *

يوم أمس وفي محاولة مني لصناعة أجواء عمل ملهمة، حوّلت جهازي المكتبي لشاشة تلفاز وشاهدت الفيديوهات التالية وكانت النتائج منعشة:

.

.

.

كيف تعقد اجتماعات مثمرة؟

066118

٣٠ دقيقة فقط

لسببين: الأول تكثيف الجهود والتركيز على تحقيق أهداف الاجتماع في وقت قصير. والسبب الثاني إمكانية ترتيب عدة اجتماعات خلال اليوم مع مختلف فرق العمل.

دعوة الفريق المناسب

توجيه دعوة حضور الاجتماع للاشخاص المعنيين بالأفكار أو لمهامّ مطلوب دراستها أو الذين تثقون بقدرتهم على الابتكار وتوليد الأفكار التي تحتاجونها دون تململ أو تشتت. يمكن إرسال تفاصيل الاجتماع ونتائجه لاحقًا لبقية الأعضاء كي يكونوا في الصورة مع الحفاظ على وقتهم.

تجهيز برنامج أو خطة واضحة للاجتماع

كلما كان الهدف من الاجتماع عائم وضبابي كلما ازداد هدر طاقة المشاركين فيه وضاعت إنتاجيتهم. والأمر ذاته ينطبق على جلسات العصف الذهني التي تنشط إقامتها في مجالات العمل الإبداعي. وضع خطة أو أجندة لا يعني إدراج كل تفصيل مرتبط بالاجتماع، تكفي نظرة شاملة على محاور النقاش لتهيئة ذهن المشاركين وإثارة حماسهم.

تحديد مدير للاجتماع

الفكرة لا تعني السيطرة على مسار الحديث أو الأفكار بقدر ما تعني ضبط الوقت وإعادة ترتيب مسار الجلسة كلما خرج الحضور عن الموضوع أو الهدف الذي حُدّد من أجله الاجتماع.

.

.

.

هل تملكون نصائح ذهبية للاجتماعات الذكية؟

شاركوني رؤيتكم في التعليقات.

.

.

.

 

ترجمة بتصرف عن المقال 5 Ways to Keep a Meeting on Track

.

.

.

.

١٦ ألف صباح مستعاد.

 

JjdWbOCTlemWMuvC0BeF_DSC_0867edit (1)

.

.

.

تقول الاحصائيات إن متوسط العمر المأمول لسكان السعودية هو ٧٦ سنة تقريبًا – تجاهلوا الاحصائية المرعبة قليلا-.

وإذا كنت سأعدّ الصباحات المتبقية لي في الحياة بإذن الله ستكون: ١٦.٤٢٤ بدءا من الغدّ.

أحبّ الصباح كثيرًا واربط بين فوضى حياتي وانقطاعي عن الصباح والاستمتاع به، كيف استعدت صباحي إذا؟

خلال الربع الأخير من العام ٢٠١٥م تورّطت حرفيًا – بوظيفة لم أحبّها، وقضت بشكل كامل على صباحاتي. كنت أخرج من المنزل والشمس لم تشرق تماما، ويبدأ الركض في الحصص من ٧ ص حتى الـ٢ مساء. نسيت كثير من هواياتي اليومية بسبب انعدام الوقت. روتين الصباح ينحصر في محاولاتي الجادة للخروج من الغرفة للعالم الخارجي وبأقل ضرر ممكن.

عدت لممارسة العمل الذي أحبّ وعادت شهيتي للحياة والصباح. أصبح السؤال الذي يشغلني عندما استيقظ:

ماذا أفعل الآن؟

كيف أقضي ساعات النهار الأولى بحب وتركيز؟

وبدأت العمل بمبدأ جميل جدًا التركيز على إدارة الطاقة لا الوقت“. ما المقصود بذلك؟ لن أطيل عليكم التفاصيل فالموضوع ممتع ويمكنكم القراءة في مقالات ومواضيع مدونات عند البحث باستخدام Manage your energy not your time.

لدي حوالي ١٠ ساعات متاحة للعمل يوميًا، سواء من المنزل أو من المكتب، لكن هل ال١٠ ساعات كلها منتجة؟ لا للأسف. وجدت أنّ ساعات الصباح الأولى بلا طاقة عالية لكنّها الوقت الأنسب لمشاهدة التلفزيون، إعداد فطور شهيّ، والقراءة الكثير من القراءة. متى يبدأ نشاطي الفعلي؟ ١٢ مساء ولبقية اليوم حتى الساعة السابعة تقريبًا.

لذلك وبكلّ سعادة وجهت اهتمامي من جديد للصباح وتوقفت عن الشعور بالذنب وأجّلت كل الأعمال حتى الظهيرة – إلا ما كان مستعجلا منها– . طاقتي الموجهة للكتابة الابداعية بين الظهيرة والمساء واضحة ومسخرة بالكامل للعمل. وقبل أن تبدأ التساؤلات لديكم على شكل: لماذا تستيقظين باكرًا إذا؟ أو لماذا لا تحصلين على ساعات نوم أكثر لتكون طاقتك أفضل في الصباح؟

طاقتي لا تعاني من مشكلة فيما يخص الاستيقاظ بحماس، أو المشي أو ترتيب غرفتي وغير ذلك من النشاطات التي تتطلب طاقة جسدية قبل الذهنية. الموضوع مرتبط بالمزاج والاستعداد للعمل فقطاستعدت الصباح عندما بدأت الاستعداد لوقت العمل من المساء السابق، تجهيز رسائل البريد الالكتروني وحفظها في المسودات وارسالها في الوقت المناسب لساعات العمل.

من الأفكار الجيدة التي جربتها أيام التدريس والمدرسة: كيّ ملابسي وقمصاني لعدة أيام مستقبلية، تجهيز وجبات الغداء وغير ذلك من وسائل تبسيط الحياة. شيء آخر أصبح سهل بالنسبة لي مع ساعات عملي المرنة وهو انهاء المشاوير الخاصة أو التسوق خلال ساعات الصباح الأولى ومن ثمّ التوجه للعمل.  

.

مخرج:

بالعودة للاحصائية أعلاه والتفكير فيها، الصباحات القادمة من حياتنا تستحقّ الاهتمام والتقديس. حتى ولو أمكنكم القبض على ساعة واحدة بلا توتّر أو تفكير في الأعمال القادمة، والتحقق من الأجهزة والبريد الإلكتروني.

.

.

.

التداوي بالتطريز

Painting by Amanda Blake

Painting by Amanda Blake

الموتى لا يستأذنونك للغياب. أدرك ذلك جيدًا اليوم.

في ديسمبر ١٩٩٨ رحل أخي محمد بعمر التاسعة، خرج للعب مساء مع عائلتي ولم يعد، أذكر أنني شاهدته للمرة الأخيرة وأنا نصف نائمة وهو يشير لواجب الرياضيات ومحور التناظر الذي رسمه باهتمام هل حللته بشكل جيّد يا هيفا؟“. لا أنكر أنني كرهت حصة الرياضيات لفترة ليست باليسيرة.

لكنّ الحديث اليوم ليس عنّي ولا عن أخي ومحور التناظر.

عندما رحل محمد انطفأت شعلة الفرح في منزلنا، خفتت أصواتنا بضعة ديسبيلات*. كلّ منا تأقلم مع الوضع تدريجيًا، شُغلت بالدراسة والصديقات، وأخي الأصغر شُغل بتركيب السيارات الصغيرة وتفكيكها.

أتذكر الآن بوضوح اللحظة التي عادت فيها والدتي للتطريز، زارت متجرها المفضل واشترت عدة أمتار من قماش الإيتاميل والخيوط الفرنسية الملونة. لم تكن هناك خطّة الآن أعرفلم يكن هناك مشروع معيّن أو منتج تودّ بيعه أو تسليمه لزبون. كان الهدف الرئيسي من رحلة التسوق والبدء: الاستشفاء.

رسمت والدتي حدائق سرّية، آبار، غرفًا ومكائن وقططًا وحيوانات أليفة. كانت زاوية غرفة العائلة بقعتها المقدسة، قصاصات الخيوط حولها وورقة التصميم متآكلة تنظر لها من حين لآخر. هذا الصبر والتنقل من سنتيمتر مربع لآخر. كانت تُشفى من فقد ابنها، بهدوء وعلى مهل. وكنّا بطريقتنا نعود للحياة ولا نلحظ ذلك.

اليوم تعرض والدتي القطع التي طرّزتها تلك السنوات على حائط محترفها، وتروي للزوار كيف تخطت حزنها وفوضى روحها غرزة بعد غرزة.

لقد كبُرت في كنف أسرة تقدر الفنّ والإبداع، لكنني لم أشعر بعظمة تأثيرهما على الفرد كما أشعر اليوم، في هذه اللحظة ووالدتي تتذكّر شفاءها. تتذكر أنها تبدع لتعيش.

يمكنني تلخيص الدروس التي استفدتها في عدة نقاط، سأبشّر بها أينما حللت وأذكّر كل من يمرّ بمطب حياتيّ بتجربتها أو التداوي بها.

ابحثوا عن حرفة يدوية أو موهبة إبداعية كامنة بداخلكم. شغفكم سيبقيكم مهتمين، وكلما تكررت ممارستكم لهذه الحرفة وثبت استمتاعكم سيستفيد العقل والروح معًا.

اصنعوا وقتكم اليومي الخاصّ. إن الإبداع والعمل الفنّي أصبح بمثابة العلاج أو الحاجة الصحيّة ويجب أن يكون له مكان. أذكر أنّ والدتي كانت تنهي أعمالها المنزلية، تتحقق من دروسنا، وتنزوي في مكانها لتبدأ التطريز بهدوء.

اصنعوا مساحة إبداع تلجؤون إليها لتصفية ذهنكم وروحكم. كان لدى والدتي غرفة مخصصة للخياطة والأشغال، صغيرة جدًا لا تتعدى مساحتها ستة أمتار مربعة، لكنّها كانت توازي العالم بأكمله. الاختلاء بنفسك للعمل والإبداع يعني التأمل والراحة، مثل علاج لا تتوقف عن تعاطيه فتنتكس.

تعلّموا أكثر.. ابحثوا عن دروس احترافية ومجموعات للحرف تتبادلون مع أفرادها القصص والتفاصيل الصغيرة والاختصارات. الحديث عن الفنّ والكتابة والموسيقى يصرف أذهانكم عن الحزن، عن الاشياء التي تهربون منها.

ركزوا على الطريق، لا نقطة الوصول. لم تكن والدتي تهتم لإنتاج القطعة المثالية، مع أنها كانت في منافسة دائمة مع نفسها. استمتعوا بالعمل على القطع ونفّسوا عن الطاقة السلبية التي تسكنكم بغض النظر عن النتيجة النهائية، والأهم من ذلك ابتعدوا كل البعد عن البحث عن المثالية واعطوا أنفسكم الحرية في المحاولة والخطأ.

كلّ مرّة يشكك أحد في قوة الإبداع وقدرته على العلاج والمداواة وتعليم الصّبر استحضر هذه الحكاية، وأذكر نفسي بها.

جرّبت قبل عدة سنوات خياطة لحاف من الصفر، واخترت أكثر التقنيات عشوائية كي أساعد نفسي ولا ألتزم بقوانين صارمة كي لا أملّ من أول محاولة. قصصت عدة أمتار من الاقمشة الملونة وجلست لتركيبها وترقيعها بماكينة الخياطة. صحيح أنني لم أنتهِ من العمل بسبب انتقالي لمدينة أخرى للدراسة، لكنّ عدة ساعات من التركيز والغرق مع الأقمشة صنعت الفرق، ما زلت أحتفظ بكيس ضخم فيه بقايا الأقمشة والخيوط كي أعود إليها عند الحاجة. لكنني أقول إن الكتابة تصنع ذات التأثير في نفسي، وقد يصنعه التلوين أو الرسم أو صنع المربى.

أنتم بحاجة للإبداع في أي صورة كان وفي أي وقت تجدونه.

ـــــــــــــــــــــــ

* ديسيبلات: جمع ديسيبيل، وهي وحدة قياس شدة الصوت.

إيتاميل: نوع قماش للتطريز يأتي مخرمًا بمسافات متساوية.

**نُشرت التدوينة في موقع نون

.

.

.

.